رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعبيرات عديدة تعني حدوث مأساة ولكنها تغلف المأساة بالسلوفان، كتعبير "التقدم للخلف" ويعني الانسحاب من المواجهة أو المعركة، أو تعبير "الهروب للأمام" ويعني المزايدة علي متطلبات المهام هروبا من المسؤولية وما تفرضه من تضحيات.
الهروب للأمام يكاد يكون أقرب وصف لحالة التيارات والأحزاب والمجموعات والنخب في مصر الآن بعد ثورة يناير وما ترتب عليها من علاقات "عرفية" بين كافة الأطراف أدت إلى أن يفعل كل منها ما يحلو له، في حدود وعيه وحاجته هو، دون الالتزام بما تفرضه الفترة الانتقالية من مهام.
بلغت الأوضاع في مصر حالة الأزمة التي تشارف على الانفجار، وهو تداعٍ غير متسق مع وقائع 25 يناير وتضحيات الشعب خلالها.
تبدو مواقف الأطراف خارجة على النص بالتعبير المسرحي، والأقنعة تتساقط واحدا تلو الآخر لتفضح حقيقة الأوجه، ولا أحد يفسح الفرصة لالتقاط الأنفاس ويسأل هل ما وصلنا إليه هو ما كان الشعب ينشده؟ أم أن انحرافا ألم بالطريق ؟ وهل الانحراف هو قصد مبيت أم أنه أخطاء وأعباء حالت دون الحفاظ علي المقاصد الشعبية وتحقيقها؟.
بعد 12 فبراير تولد شك بأن هناك اتفاقا "عرفيا" بين الإخوان والمجلس العسكري نتج عنه عوار في تشكيل لجنة البشري وما أسفرت عنه من إجهاض لمهام الفترة الانتقالية وتجاوز وجوب وضع دستور جديد، وتحويل الثورة إلى حركة مطلبية لتعديل الدستور. وقال البشري في حديث "للجزيرة مباشر مصر" إن مهمته كانت التعديل الدستوري كما كانت مهمة لجنة سبقته شكلها الرئيس السابق، ولكنه زاد عليها تعديلين بإضافة الفترة الزمنية والانتخابات، ويستطرد قائلا وكأنه يضع مبررات إدانة ما فعله :"إنها ثورة شعبية وكان الجيش شريكا فيها، وإنها تسقط دستور 1971 سياسيا"!.
أي أن الثورة في وعي هذا التحالف العرفي تحولت إلى حركة مطلبية لتعديل شروط تداول السلطة. وأن التعديلات التي رفضها الشعب من الرئيس السابق ولجنته أعاد البشري إنتاجها من جديد.
خلال الأسبوعين الماضيين خرجت تهديدات من الأحزاب الدينية بالاعتصام والتظاهر ومواكب الشهداء، مما يشيرإلى أن الاتفاق الذي جمعهم والمجلس العسكري أصابه خلل ما.
وصرح البشري "بأن أي إعلان دستوري جديد من المجلس العسكري غير شرعي ويستوجب الاستفتاء عليه"، ولعلنا نذكر بأن العالِم والمفكر لا يحده تنظيم ويسمو فوق الأنانية ... ولكن العالم والمفكرعندما تحده سلطة غير ضميره يخون علمه ويفقد قيمته، ويتحول إلى أداة، لا تقبل منه شهادة ولا يستساغ منه أن يحكم فيما يجري من أمور ومشاكل.
هكذا استن هذا التحالف مبدأ "الهروب إلى الإمام" من التزامات التغيير الذي نادت به الثورة، الأمر الذي استدعى حالة من المقاومة بمظاهرات متتالية للحيلولة دون وأد مطلب التغيير.
وشهد الأسبوع الماضي انضمام كافة الأحزاب غير الدينية إلى هذا التحالف بقاعدة الهروب للأمام، وجرى تحوير شعار الثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية" إلى "أمن عيش حرية"، وبذلك أسقطوا هدف العدالة الاجتماعية، وتزايد الطنين حول الانتخابات بالقائمة النسبية فقط، والمطالبة بإلغاء نسبة العمال والفلاحين.
صار واضحا أن الأحزاب الدينية وغير الدينية والتجمعات والنخبة توافقوا لأول مرة بعد الثورة علي أمرين:
الأول "ضد" ... إن الخصومة صارت مع المجلس العسكري، مع تنوع الأسباب، سواء رفض أي إعلان دستوري جديد، ورفض تحديد معايير تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، أو رفض تمديد الطوارئ ورفض المحاكمات العسكرية. والسؤال الملح في هذه اللحظة هو :هل الصدام مع المجلس العسكري هو البديل الوحيد، وهل هو ضروري للثورة؟ أم هل هذا الصدام يحاول الفصل بين الجيش والشعب في لحظة من أدق لحظات المرحلة الانتقالية لحاجة في نفس يعقوب؟ ثم من هو يعقوب هذا في حالتنا هذه؟ ولكن أليس المجلس العسكري يساهم أيضا في هذا بما أطلقنا عليه "التباطؤ إلى حد التباطؤ"؟ الكل يسعى إلى الانفجار!.
الثاني أنهم وحدهم لهم حق الولاية علي الانتخابات وغير مقبول الجمع بين القوائم والفردي، وليس لديهم أي مبرر لذلك، فالحياة الحزبية في مصر قبل الثورة وما لحق بها بعد الثورة لا تمثل واقعا يمكن حصر الممارسة السياسية داخله رغم وجاهة فكرة القوائم النسبية عندما تصح الحياه الحزبية، ورغم وجاهة أن تطهير الحياة السياسية من النظام السابق كان يجب أن يشمل الأحزاب جميعها وليس فقط الحزب الوطني، وتاريخ الأحزاب يؤكد حقيقة أن الشعب في ثورته كان متجاوزا الجميع. وهنا يفرض الواقع سؤالا ملحا ، ما معنى أن اللحظة تاريخية لفرض الشريعة الإسلامية كما أعلنت القيادات السلفية؟ وأي ديمقراطية يسعون إليها؟ وهل هناك خطأ في تمرير أحزابهم خاصة وأن هناك حديثا أن مصادر تمويلهم غير مبرأة من أهداف بعيدة عن طبيعة الشعب المصري؟
وهكذا اتسع التحالف ليشمل كل من يمارس الرطانة السياسية في مصر ومعهم المجلس العسكري، رغم مظاهر للاختلاف إلا أنه اختلاف في التفاصيل وليس حول مهام التغيير في الفترة الانتقالية.
وصار الشعب الذي دفع ثمن الثورة وضريبة الانفلات الأمني، رهينة توافق التحالف العرفي.
في أعقاب ادعاء مهاجمة مديرية أمن الجيزة ليلة 9/10 سبتمبر، ومقتل 5 مواطنين بالرصاص الحي وإصابة قرابة 1000 مواطن، لم نسمع عن تحقيق في أمر القتلى والمصابين، ولكن أعلن وزير الداخلية تصريحه الشهير "يحق للشرطة الدفاع عن نفسها"، أي أن هناك للشرطة "نفسها" وهناك المجتمع، حديث "ضد" آخر. والعيسوي هو ذات الشخص الذي أعلن على غير الحقيقة والواقع أن الداخلية ليس لديها قناصة، ولم يتحدث خلال الفترة الماضية عن "واجب الشرطة في حماية أمن المواطنين".
ظلت الشرطة بعد 12 فبراير ترفض القيام بمهامها، وأظهرت حوارات معهم أن عقيدتهم "حماية النظام"، وعندما يكون هناك نظام، ستبدأ المهام الشرطية، وصارت الشرطة في حالة إضراب عن أداء وظيفتها، وتردد منهم قول "خلِّي الثورة تنفعكم" كلما توجه مواطن يطلب موقفا أو حماية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجريمة المسلحة والسرقة وقطع الطريق وسرقة السيارات وفرض اتاوات لإعادتها تحت سمعهم وبصرهم.
تضمن شعار الثورة كلمتي "الخبز ـ والعدالة الاجتماعية" تأكيدا أن هناك ما هو عاجل وما هو مستقبلي ويحدد طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي البديل ويؤدي إلى استرداد الثروة الوطنية التي أهدرتها الخصخصة والفساد والنهب المنظم للثروات الطبيعية ويضع في الوقت نفسه نهجا للتنمية والعدالة الاجتماعية. وتصاعد الإضرابات الفئوية دلالة عجز عن تحقيق هدف "الخبز" والعجز عن مواجهة التوحش في الأسعار والغلاء الذي يقضي علي أي زيادة في الأجور تدعيها الحكومة التي تدير المرحلة الانتقالية، وتولى القضاء الإداري مهمة استرداد الشركات التي جرى بيعها. ولم تتحرك الحكومة والأحزاب والنخب في اتجاه بحث علمي حول حل مشاكل المجتمع الاقتصادية العاجل منها والمستقبلي.
هذا العجز، واكبه علي جانب آخر يد مطلقة للرأسماليين الذين تكونت ثرواتهم في ظل النظام السابق، وصارت الأموال المكدسة لديهم هي وقود الحركة المضادة للثورة، يدهم مطلقة بينما تجري محاكماتهم في قضايا قتل الشعب وفق قانون الجنايات والذي يفرض وجود أدلة قطعية وكأن ما عاشه الشعب كان كابوس ليلة شتاء طويل.
ويمارس الإعلام الذي تديره حكومة تسيير الأعمال مهمة "جوبلز" الشهيرة في الدعاية وفق حملة منظمة لتفريغ الثورة من دلالاتها، ويتولى أمر تشويه كل تصرفات الشعب، وتحميلها كل صور العجز الأمني والافقار المعيشي، وكأن جهاز الإعلام شأنه شأن جهاز الشرطة فوق المراجعة وإعادة البناء.
التحالف العرفي وإضراب الشرطة والأموال المنهوبة هم أضلاع مثلث كان يواجه الثورة والشعب ويخدمه الإعلام أداة التشويه والدعاية المضادة للثورة، ويكاد يصل هذا الثالوث بالمجتمع إلى حافة الانفجار لتفاقم الصراع الداخلي فيما بينهم، فبينما كل أطرافه تتحدث عن الديمقراطية والانتخابات وتوقيتاتها ونظامها وأنواع المحاكمات المقبولة والمرفوضة وشرعية الطوارئ من عدمها، غير أنه ليس بالحوار المسئول ولكنها لغة تهديد ووعيد، حيث بلغ غرور القوة حد الانتحار، والابتزاز للوطن والمغامرة به حد المقامرة.
المشهد الآن :هناك صراع علي السلطة يجري في العلن، اعتقادا من أطراف هذا الثالوث أن الثمار قد نضجت وحان قطافها، ويبقى سؤال أخير هل أسدلت ستارة النهاية علي ثورة الشعب المصري؟.
لا ينكر أحد أن حالة الاكتئاب تتزايد بين الشباب والجموع الشعبية التي صنعت أيام الثورة، ولكن لا يملك أحد أن يقضي بأن ستارة المسرح قد أسدلت، وهو ما يفرض مراجعة أمينة لقوى الثورة الحقيقية، وللمهام المطلوبة منها. وقد يقتضي هذا البحث عن الخطوة بعد القادمة، وما هي أهدافها؟.
فإذا كانت الخطوة القادمة هي حشد يوم 30 سبتمبر، فهذه المعادلة تفرض وضع بدائل لتصعيد العمل من حيث الحشد والأهداف. وإذا كانت الخطوة القادمة هي الانتخابات فكيف نرى أفق الحشد والأهداف بعدها؟.
إن صخب اللحظة في الاقتتال الدائر على كافة الموضوعات الثانوية (بما فيها الانتخابات)، لا يجب أن يأخذنا بعيدا عن دراسة علمية لمعنى إعادة بناء جهاز الشرطة والتجارب السابقة في هذا الصدد، وهو عنوان لمؤتمر علمي يمكن عقده لنملك تصورا ماذا نعني بإعادة البناء. كما أن البحث عن النظام الاقتصادي البديل تحت عنوان التنمية والعدالة الاجتماعية يحتاج إلى حوار علمي لدلالاته وخططه، وهو موضوع لمؤتمر آخر لنملك رؤية وتصورا لما نعنيه بهذا.
الثورة لم تكن إشاعة، وتأكد خلال الأشهر الماضية أن الشعب ليس كما صفريا، وتجاوز التيارات السياسية والأحزاب، وكسر حاجز التردد والخوف، وتأكد أن إرادة الشعب جزء من إرادة الله، وأن الشباب ليس عبئا على الوطن وأهله.
لم يعد هناك شيء يمكن إخفاؤه في الظلام وتجاوز الشعب التخمين إلى الإمساك بالواقع وحقائقه، وتعدلت الأوزان النسبية داخل الوطن، وانكسرت كل التابوهات.
انكشف كل المحيط بنا، وظهر للعيان أن الشعوب أكبر من الأموال ومن السلاح ومن الأجهزة السرية، وأن للتاريخ حركته التي لا ترتبط بنظام عالمي ولا بتشوهات في الجغرافيا، ولكنها ترتبط بحقائق التاريخ إن وجدت من يستطع الحركة لصالحها، وهروب السفير الإسرائيلي دلالة علي ذلك.
هذه النتائج جعلت الوطن قضية كل الشعب، وأنباء المظاهرات الشعبية التي ترفع شعارات اجتماعية في مناطق مصر تدل أن هناك حراكا يتزايد ...
الثورة بدأت ولكنها لم تكتمل نتائجها، ومحاولات الإجهاض لن تتوقف، وهروب الحلف العرفي إلى الأمام لن يضمن له البقاء، ومحاولة تفجير المجتمع ستطيح بهذا الحلف قبل أن تكتمل، ويبقى أن وحدة قوى الثورة والعمل والوعي واجب للحيلولة دون كسر الإرادة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
10617
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1782
| 29 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1668
| 26 يوليو 2026