رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاءت الزيارة التي أداها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، إلى طهران بدعوة من أخيه فخامة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في إبانها أي في لحظة تاريخية يمر الشرق الأوسط فيها بأشد الأزمات تأثيرا على كل شعوبه مما يجعل التشاور بين قادته أمرا استعجاليا وضروريا بقصد السعي المشترك لدفع الأذى وتجنيب المنطقة كل المخاطر المحدقة بها خاصة أن الجوار ووشائج العلاقات التاريخية بين قطر وإيران تتيح هذه المشاورات بما يخدم مصالح الطرفين والسلام الإقليمي والدولي.
ولا يخفى أن اسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتردد منذ قيام ثورة الشعب الإيراني على الشاه سنة 1978 في كل وسائل الاعلام ومعابر الدبلوماسية وأروقة منظمة الأمم المتحدة ولكن من زوايا المصالح وليس من منظور موضوعي محايد، وهذا أمر عادي في العلاقات الدولية لأن تلك العلاقات تعتمد توظيف كل ما يصدر عن القيادة الإيرانية لتأليب الرأي العام العالمي على هذه الدولة ذات التاريخ الحافل وذات الثروات الطاقية والاقتصادية والزراعية الكبرى.
ولا شك يعرف كبار السن أو المطلعون على التاريخ الحديث أن شاه إيران رضا بهلوي هو أكبر أبناء مؤسس الأسرة البهلوية والده الذي انقلب على من كان قبله عام 1925 وظل إمبراطورا عسكريا الى وفاته عام 1941 حيث توج ابنه رضا إمبراطورا لإيران وكان الغرب يطلق عليه لقب «شرطي الغرب في الشرق الأوسط وحارس المصالح الغربية» وبقي في السلطة بفضل نظام بوليسي مخابراتي يعتمد على أقوى جهاز قمع في الشرق الأوسط (السافاك) المتورط في اغتيال أكبر زعماء السياسة والدين وأجهض حركة الإصلاح واستقلال القرار التي قادها عام 1952 الزعيم محمد مصدق (16 يونيو 1882 - 5 مارس 1967) رئيس وزراء إيران الذي انتخب مرتين سنة 1951 و1953. إلا أن المخابرات الأمريكية (السي آي ايه) والبريطانية (أم آي6) خلعتاه في عملية مشتركة سميت بعملية (أجاكس) عندما قرر (مصدق) تأميم نفط إيران الذي كان الاستعمار الغربي يسرق منه 50% كما قتل نظام الشاه آلاف المعارضين الى غاية 1978 لحظة انتصار ثورة شعبية عارمة تزعمها مدنيون ورجال دين وعاد آية الله الخميني من منفاه العراقي ثم الفرنسي وتمت ثورة شهيرة جعلت الحكم مستقرا تمكن من بناء اقتصاد وطني قوي ولكنك تقرأ عنها أحيانا نعتها بالدولة المستبدة أو الأوتوقراطية أو المتعصبة أو المصدرة للثورات بل وتسمع دقات طبول حرب صليبية غربية على الأبواب بقصد «منعها من امتلاك السلاح النووي بالقوة وبقصف منشآتها النووية السلمية»! ثم تلبيسها تهما مختلقة من قبيل سيطرة إيران على دول عديدة في الشرق الأوسط بفضل «زرع أذرعها المسلحة» في كل من لبنان برعاية وتسليح حزب الله واليمن بتقوية الحوثيين أنصار الله حتى يتمكنوا من حكم اليمن وإقصاء ما يسميه خصومها بالحكومة الشرعية، وفي العراق بتسليح فصائل شيعية وتحريضها على التمرد ضد الدولة العراقية أما في سوريا فيتهمون إيران بدعم النظام الأسدي بغرض صد المقاومة الديمقراطية. ومع الأسف تحركت الدعاية الإسرائيلية بآلياتها القوية لتحقيق «شيطنة» الدولة الإيرانية وبالتالي حشد حملات غربية متطرفة لما سموه «تحجيم القدرة الإيرانية» استعدادا لضربها تحت «غطاء شرعي أممي» بحجة «تهديدها للأمن العالمي»! وفي غمرة هذه العواصف المفتعلة يتناسى الناس جميعا حقائق بالغة الأهمية وهي:
1) تمت بين إيران والدول الست (الصين، روسيا، أمريكا، فرنسا، ألمانيا وبريطانيا) مفاوضات «ماراثونية» من 26 مارس لغاية 2أبريل 2015 في مدينة لوزان السويسرية من أجل التوصل إلى تسوية شاملة تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني وإلغاء جميع العقوبات على إيران بشكل تام. تميزت جولة المفاوضات بلوزان بكونها بدأت ثم علقت ثم تواصلت ثم مددت، وبعد مفاوضات ماراثونية توصلت إيران والدول الست في 2 أبريل الى توقيع بيان اعتبره العالم تاريخيا ثم وحين انتخب (ترامب) رئيسا بادر إلى إلغاء تلك المعاهدة وأعلن انسحابه منها بل اتهم موقعيها الغربيين بالخيانة والعمالة لإيران!.
2) طبيعة نظامها الديمقراطي الذي أثبت مصداقيته في انتخاب دوري لرؤساء الجمهورية كل خمس سنوات بدون تدخل السلطات التنفيذية أو المؤسسة الدينية.
3) إغماض الغرب عيونه عن حقيقة امتلاك إسرائيل للسلاح النووي منذ 1957 تاريخ إنشاء مفاعل ديمونة الذري الحربي بإعانة فرنسية مباشرة وهو ما أكده لي شخصيا مهندسه ومنفذه وزير خارجية فرنسا عام 1957 (كريستيان بينو) منذ سنوات.
وهذا التناسي المجرم يفضح نوايا غلاة الاستعمار الصليبي في انفراد إسرائيل شريكته وحامية مصالحه بالسلاح الذري لردع كل من يفكر في مقاومة مشروعة للاحتلال في فلسطين وغيرها ونحن ندعو للعدل في تقييم الحضور الإيراني في فلك السياسات الدولية ولا نحكم على النوايا كما يحكم بعض أعداء الأمة بل نميل الى وزن أعمال الدول بميزان الموضوعية والحياد بعيدا عن التلاعب المكشوف بالحقائق وتزويرها خدمة لكل احتلال همجي ولكل مخططات الإباديين.
ونعتقد أن تعامل دولة قطر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو التعامل الأمثل مع دولة مسلمة ذات تاريخ وحضارة وجارة وطبعا لقطر معها وشائج تعاون وثيقة ومراحل تاريخية قوية جعلت الشعبين يسيران منذ قرون جنبا الى جنب نحو المستقبل دون الإساءة لجار آخر أو الاعتداء على مصالح أية دولة شقيقة.
في هذا الإطار النزيه جاءت زيارة حضرة صاحب السمو أمير قطر، حفظه الله ورعاه، إلى إيران بدعوة من فخامة رئيسها السيد مسعود بزشكيان حيث ثمنت صحف طهران نتائج المباحثات الأخوية بين القائدين مما يساهم في تعزيز العلاقات وضمان استقرار المنطقة، كما أولت الصحف العالمية اهتماما كبيرا بهذه الزيارة عبر تغطيات صحفية وتقارير واسـتضافة محللين وكتاب سـياسيين للتعليق على الزيارة وتوقيتها والقضايا التي تم تناولها، والمباحثات الثنائية بين سموه وفخامة الرئيس الدكتور مسعود بزشكيان وقد أثنى تقرير البي بي سي على دور قطر في التوصل إلى اتفاق لوقف اطلاق النار فـي غزة.
أما موقع (قناة فرانس 24) فقد أشار الى دور الزيارة في توطيد عرى التعاون بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي واتفاق القائدين على الحرص المشترك على استقلال الدولة السورية ووحدة أرضها وضرورة توفير الأمن والسلام للشعب السوري والمساهمة الفعالة في إعادة إعمار سوريا. ومن جهتها نوهت وكالة الأنباء (إيرنا) باللقاء الذي تم بين سماحة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئي وحضرة صاحب السمو الأمير، حيث كان فرصة عبر فيها المرشد الأعلى عن عقيدة الدولة الإسلامية الإيرانية المتعلقة بمبدأ حرية كل شعب في اختيار طريقه حسب ما يراه صالحا له والالتزام بعدم التدخل في شؤون أية دولة جارة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1890
| 12 فبراير 2026
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
1779
| 15 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1653
| 10 فبراير 2026