رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يواجه المسلمون اليوم عام 2023 تحديات جسيمة اختلفت عن تحديات الأمس، لأنها تستهدف وجودهم كأمة بين الأمم، فهي إذن تحديات وجودية ترمي إلى طردهم كحضارة من خريطة العالم، وذلك بملاحقتهم بتهم الإرهاب والعنف دون وجه حق لأن الإرهاب لا دين له وهو غرس شيطاني تنامى في كل أمة من الأمم، ثم انظر حولك أيها القارئ الكريم تدرك أن جرائم حرق المصحف الشريف تكاد تصبح عادية لما طرأ على بعض المهووسين في الغرب من عمليات غسيل عقولهم بتكالب إعلام عنصري خسيس على تشويه حضارتنا والطعن في قاماتنا، وهذا وقع بمباركة رسمية من دولة السويد على سبيل المثال وجاءت ردود الأفعال في العالم الإسلامي متفاوتة الشدة والنجاعة! بل وكان فضل الإسلام دائما في مقاومة التطرف والعنف بالوسطية والاعتدال والاعتراف بالاختلاف وحرية الشعائر فكيف يتحول المسلمون اليوم الى شعوب تحاصر جالياتها وأقلياتها في دول الغرب والشرق وتمارس حكومات كاثوليكية وبوذية وأرثوذكسية وهندوسية ضدها ما يرقى أحيانا الى حملات إبادة؟ وحذار أن تتحججوا بأن الأمة لا تفنى فعديد الأمم والحضارات محيت من الوجود ولم يعد لها ذكر مثل الإنكا والمايا ولعل الله يبدلنا بأمم غيرنا فعديد الدول التي كانت قائمة وقوية مسحت من خريطة العالم مثل كردستان وطاسمانيا ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا فتحللت وانقسمت ثم أدمجت في مجموعات أخرى!.
ومنذ مدة لفت نظري برنامج تلفزيوني حواري على إحدى القنوات العربية خصصه الإعلامي منشطه لما سماه: "رأب الصدع ما بين السنة والشيعة" ومنذ اللحظات الأولى تحولت الكلمات الى لكمات وانهالت عبارات الشتيمة والتخوين على الجمهور المسكين كأنما المسلمون يحتاجون اليوم الى ما يفرقهم أكثر ما هم مفرقون، وكأنما أعاد هذا البرنامج المتحاورين الى عصر الفتنة الكبرى وكأن غايتهم هي المزيد من شماتة أعداء الأمة فينا عوض أن نجعل غايتنا توحيد الأمة كما أمرنا الله حين قال عز من قائل بأننا أمة واحدة!
أستخلص شخصيا أن القناة ربما عن حسن نية دعت للحوار أشخاصا غير مؤهلين وغير أكفاء بل من ذلك الصنف من "الديوك" المستعدة للنزال لا للحوار حيث انتهى "النزال" ولم يترك لدى الجمهور سوى طعم المرارة واليأس والإحباط وفي فضائيات أخرى تشعبت حوارات وجدالات وانحرفت عن رسالتها وسمعت فيها بعض أكاديميين استعملوا عقولهم ومعرفتهم بالتاريخ وخفاياه لكنهم تقريبا منعوا من التعبير عن مواقفهم ومن تنوير مشاهديهم، لأن الأغبياء الذين يناطحونهم (وليس يناقشونهم) أطلقوا عليهم صواريخ الشعبوية الفضفاضة المشحونة بالأوهام والشعارات لا في محاولة إقناع المنافس بل في كسب تعاطف الناس الطيبين المغرر بهم بل وبعضهم غايتهم الفوز بأصوات ناخبين، لأنهم مترشحون لمنصب أو جاه سياسي أو جامعي أو بلدي. أمثال هؤلاء الغوغاء يتاجرون بأوهام التاريخ بعيدا عن هموم الأمة بل يضيفون لأخطاء من سبقوهم في الفتنة أخطاء جديدة. نقل عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قوله: “يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها" نلاحظ هنا أن رسول الإسلام استعمل مصطلح التجديد في الدين والتجديد ليس التحريف وليس التجديف بل ملاءمة الشريعة لتطور العصور في ظل التيسير وحسن التعايش مع قيم الإسلام الأصيلة في جيل مختلف عن جيلنا لأنه امتلك بالعقل أدوات النهضة العلمية والتكنولوجية وأصبح طبعا يعيش قضايا وأزمات أخرى تختلف ما درج عليه آباؤه وأجداده. الملاحظ أننا في عام 2023 نمر بذكرى آخر المصلحين أمثال عبد الرحمن الكواكبي والطاهر الحداد وعبد العزيز الثعالبي وعبد الحميد بن باديس وسعد زغلول ومصطفى النحاس وأمين الحسيني ومصالي الحاج ذلك الجيل الذي أفاق منذ مطلع القرن العشرين على حقيقة ساطعة مرعبة حين تمكن الاستعمار الصليبي من احتلال أراضي المسلمين شرقا وغربا وفرض عليهم ثقافته بدعوى تمدينهم وتخليصهم من "التخلف" وأرى أن أول جهود التجديد هي في سعي شعوب الأمة الى توحيد غاياتها وسياساتها لتكون قوة قوامها خمسون دولة تشكل كتلة عتيدة يحترمها الآخرون ويهابها الأعداء وتتكلم بلسان واحد في المحافل الدولية وأولها منبر منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها الأممية فنحن المسلمين من ابتدعوا الوحدة وأسسوا خلافة راشدة على منهج النبوة ثم تخلينا عن قوتنا الحقيقية بسبب التشتت والاستعمار وانحراف بعض أصحاب الأمر نحو الاستعانة بالعدو ضد الشقيق. وثاني التجديدات هي التمكن الرقمي وامتلاك ناصية الحداثة الأصيلة في عالم معولم أصبح يعيش مرحلة ما بعد الحداثة. وثالث التجديدات هو إعادة النظر كمسلمين في العلاقات الدولية من أجل عودتنا لاحتلال مكانتنا المرموقة بين الدول والكتل فالغرب ليس كما نظن كتلة من الاستعمار والهيمنة بل في صلبه تيارات إنسانية وأخلاقية علينا حسن التعامل معها والاستعانة بها لرفع المظالم عنا فانظروا الى تغيير صورة إسرائيل لدى شرائح متزايدة من الغرب من دولة ديمقراطية مظلومة الى دولة احتلال عنصري وحتى فصائل من الجيش الاسرائيلي ترفض اليوم الانصياع لنظام نتنياهو وترفض الخدمة العسكرية! وأذكر أنني كنت حين أحدث طلابي في محاضراتي بجامعات عربية أو أوروبية عن التجديد في الدين يجيبني بعضهم بالقول يا دكتور التجديد الضروري هو في الاقتصاد والمعرفة والعلوم حتى نلتحق بالأمم الأخرى ويكون جوابي لهم: "إن كل تجديد في هذه المجالات مطلوب ولكن أصل التجديد وقاعدته الأولى هو في تطوير العقيدة وتأطير نهضتنا بقيم القرآن وأخلاق الإسلام لأن الدين لدى كل أمة هو منطلقها ومعينها الذي لا ينضب وغاية رسالته فهو الذي يضع كل مجهود بشري ضمن دائرة الحلال والحرام ويجعل المؤمنين يميزون بين الحق والباطل حتى يعتمد حكم الناس على العدل وصيانة حقوقهم وضمان حرياتهم وإلا أصبح التقدم وبالا وأخضع المستضعف للمستكبر ودفع المليار ونصف المليار مسلم الى قبول الاستعمار ثم الاستبداد. مع العلم أننا لسنا وحدنا الواعين بضرورة العودة للدين والأخلاق فها هو مؤتمر دولي يعقد في كوالالمبور بعنوان (مخاطر الذكاء الاصطناعي على توازن المجتمعات) وها هو أكبر فلاسفة أمريكا (مايكل ساند) يصدر كتابه بعنوان (عدالة) ترجم الى عديد اللغات وانتشر بسرعة وهو يدعو الى إحلال مفهوم العدالة في الأنظمة العلمانية وعدم التخلي عن معاني الأديان حتى بدون أديان وأنصح قرائي أن يطالعوا كتاب الباحث التونسي مصطفى بن تمسك الصادر حديثا بعنوان (الحداثة الأوروبية مسارات التفكيك ونهاية الريادة) ليدركوا أن الغرب لم يعد القطب ولم نعد نحن هوامشه لم يعد الشمس ولم نعد نحن كواكبه. نعم أخذ التاريخ منعرجا جديدا. ويوم الأحد 23 يوليو الجاري لأول مرة في التاريخ الحديث قبل صندوق النقد الدولي أن تسدد الأرجنتين له دينها المتخلد بذمتها بالعملة الصينية (اليوهان) وليس بالدولار!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2823
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1068
| 26 فبراير 2026