رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمثلني ويمثل كل قطري يفخر بجامعته الوطنية الوحيدة التي تربعت على عرش التعليم الجامعي في قطر منذ تأسس أول كلية فيها عام 1973 وتاريخ تأسسها رسميا عام 1977 مع افتخارنا بكافة مراحل ومجريات التطور والتطوير التي واكبت كل زمان بمعاييره ومقاييسه ومعايير أخرى وافقت سنة تطور الدول ووتيرتها وحتى دولة قطر في كافة المعطيات ليس التعليمية فحسب بل والصحية، المهنية، الاقتصادية، الدبلوماسية والسياسية.
هذا الشعار....
يمثلني ويمثل كل قطري يفخر بجامعته التي خرَّجت أجيالا من الرواد والرائدات المتفوقين في مختلف التخصصات ويقود جلهم مؤسسات ووزارات قطر الرائدة، بل وحقق كثير منهم ذات الانجازات في الجامعات الغربية فضلا عن انتساب رائدة دولية وليست محلية فقط اليها تتمثل بسمو الشيخة موزا بنت ناصر - حرم سمو الأمير الوالد ووالدة سمو الأمير الابن - رائدة تطوير معايير التعليم في دولة قطر.
نفخر أيضا بحصول القطرية أ.د. شيخة المسند على الدكتوراة الفخرية في القانون أكتوبر الماضي من جامعة دلهاوزي إحدى أفضل الجامعات الكندية تقديراً لإنجازاتها المتميزة في قطاع التعليم باعتبار أن الفخر بإنجازات الوطن ومواطنيه كلّ لا يتجزأ.
كنّا نعتقد - قبل سماع كلمة
د. شيخة المسند بمناسبة تكريمها في جامعة دلهاوزي الكندية - أن جامعة قطر تفتخر بنفسها أولا قبل طلابها بصفتها مؤسسة علمية مرموقة وليست مركزا تجاريا أفلس ليعود بناء نفسه من جديد خصوصا وان معايير استثمار المال في بناء التجارة ونسفها أسهل وأيسر من معايير الاستثمار في الموارد البشرية التي لا يمكن ان تغفل أي مؤسسة علمية مرموقة أسسها وتدرجها في دراسة "السياسات العامة" وخبرتها التراكمية واستفادتها علميا وإداريا من كل تجربة مرت بها فضلا عن تاريخها، لان انكار التاريخ ما هو إلا انكار للواقع وتعمية للمستقبل حتى لو كان على مستوى "جامعة" نسفت بكلمة وبمناسبة تقليد لشخص واحد فقط منجزات ومخرجات دولة وشعب فيما ينيف على ثلاثة عقود من اول تدشين لها.
كنا نعتقد أن جامعة قطر تفتخر بروادها أيضا سواء وضعت صورا لعدد بسيط من متفوقيهم في حملتها المهنية في طرق قطر ممن هم اليوم في مناصب وبعضهم يستحق فعلا ان يكون علما وفخرا بل ورمزا لجامعة قطر قبل ان يكون العكس بما سجلوه من رصيد علمي ومهني مبهر، أما البعض الاخر فشاهدناه صورا لمناصب دون رصيد علمي شكّل بريق منصبه بريقا آخر والمعذرة لما بدا فرصة لـ"بروباغندا الجامعة" وظلما لنظرائهم المتفوقين المقدرين في ذات الحملة.
كنا نعتقد ان جامعة قطر تفتخر ايضا بمتفوقين غيرهم ممن لم تجتهد بمهنيتها المفروضة في البحث في أرشيفها لتضع على أقل تقدير اسمهم المنسوج بتاريخ علمي ومهني مشرف مع من وضعتهم، ولم تجشّم جامعة قطر نفسها العناء حتى في حملتها الافتخارية بتطبيق معايير تقدير من هم في أعلى قائمة ما يطلق عليه Alumni "رابطة الخريجين" عندما أسسته في مارس 2012 بوضع الشيخة موزا بنت ناصر رائدة له بصفتها خريجة نابهة من ذات الجامعة وليس لكونها فقط حرما لسمو الأمير حينها، هذا حين أن هناك أيضا من يضاف لسموها ممن يعدون روّادا في تاريخ الجامعة وليسوا فقط طلابا سابقين فحسب بل واستمروا في مشاركة الجامعة في مختلف ندواتها وبرامجها بعد التخرج ولم تصلهم حتى بطاقة عضوية أو حتى دعوة للإعلان عن التدشين او لاجتماعات الرابطة إلا بعضهم القليل جدا باجتهاد بعض عمداء كلياتهم فقط وليس أسوة بما هو مطبق في معايير الجامعات الدولية، هذا حين نعلم من الخبرة كما يعلم غيرنا من طلاب قطريين اكملوا دراستهم في الخارج كيف تعامل الجامعات المرموقة خريجيها وكيف ترسل لهم بطاقات عضوية الـ Alumni بل وكيف تحرص على رصد انجازاتهم في الكتب السنوية لها التي حققوا فيها أعلى المعدلات بل وتحقيق مراتب الشرف رغم انهم ببساطة تاريخ قطر الناشىء المتدرج التطور من خريجي المدارس التقليدية الحكومية وجامعة قطر المنعوتة بالفكر "التقليدي" سلفا ومن اولئك الذين تكبدوا مشقة تعليم اللغة الانجليزية "بمعايير الجامعات الدولية" على سواعدهم بعد التعليم النظامي وليس كغيرهم ممن رضعها مع المرضعات منذ نعومة اظفارهم وجاءت الاحترافية في اللغة الإنجليزية دون التخصص لتكفر حتى خطيئة التخصص لتكون صكّ الغفران وحدها لدى التغريبيين لدخول بعض المواطنين حرم التعليم الجامعي وسوق العمل.
نفتخر كقطريين بوضع معيار تقدير تحسين منظومة التعليم في دولة قطر الذي ذكرته جامعة دلهاوزي الكندية في حيثيات التكريم لرئيس جامعة قطر، ولكننا نريد ان نذكر أن المشروع الذي أطلقته الجامعة لتطويرها وتحسين وتطوير مستويات الأداء الأكاديمي والإداري عام 2003، والتركيز على تعزيز وتقوية جودة التعليم والخدمات لتتسم بالكفاءة والمهنية العالية، مهم جدا ومطلوب حتما ويجب ان نجتهد جميعا للعمل عليه، ولكن ذلك لا يعني بتر الوضع القائم اذ قيل في الأثر "آخر الدواء الكي" وطبيا يعدّ "البتر آخر ملجأ"، حين أن تقدير الوضع السابق والحالي ومراعاة متطلبات السابق واللاحق واتباع سياسة الإحلال والإبدال بتدرج مهم جدا في عرف الإدارة، حتى لا يذهب ضحايا من الشباب والشابات الذين دخلوا في ظل خطة ووجدوا انفسهم مطالبين بخطة أخرى وُضِعت معاييرها التعليمية المسبقة لغيرهم ظلما وعدوانا، قدّرت مديرة الجامعة في الكلمة عددهم بـ 1000 طالب تلتها جملة ضحكت لها المنصة هتكت أنين وبكاء ما يربو على 1800 طالب وليس ألفا فحسب بل واضرب عددهم على اثنين مرتين اعني بهم آباءهم من شعب قطر الذين بكوا معهم ممن قيل ان دولتهم تعاني من قلة الكثافة السكانية وتنوع الموارد الاقتصادية وغناها والذين نعتوا كـ"مواطنين" بالجملة حتى بدون كلمة "تبعيض" قد تكون مقبولة في عرف اي نعت موضوعي، نعتوا جميعا وللأسف بـ "شعب استحقاق لا شعب باحث عن فرص العمل او عامل".
لقد أهين شعب كامل أمام الآخر وفي محفل دولي لا يعرف من تاريخ شعبنا إلا ما يطلقه لسان من يصل اليهم هذا والتاريخ يشهد على التوالي مما هو جدير بالطرح التدريجي لمعطيات البيئة واقتصادها ايضا حتى قبل النفط كيف بليت أجساد الأجداد في عرض البحر سعيا وكدا فطمرت فيه مرقدا أبديا حتى لا تتعفن، وكيف بليت سواعدهم السمر تحت عمليات النفط الأولى في عرض المنصات البحرية وماتوا تحتها أو من تأثيرها والتي يحتاج الإعلام ان يعيد نشر صورها في ذكرى اليوم الوطني ليس امام المحافل الخارجية فحسب بل أمام بعض من ابناء الوطن ممن انكر تاريخ وواقع الكدّ بدعوى الاستحقاق.
هذا حين تغرّب من تغرّب من صغار اطفال وشباب قطر في طلب العلم في "أرامكو في الظهران" يوم ان شحّ التعليم في أراضيها وعادوا مجددا بدخول التعليم النظامي مسارات جديدة كل جيل في وقته وكل جيل بجيله وتطوره مما تيسر من معطيات ليست تعليمية فحسب بل واقتصادية يعلمها كل رواد التاريخ الذين كتبوا عن قطر والخليج ابان فترة بدايات النفط واثره على تطور الانفاق على سائر المنظومات ومنها التعليمية، وتكبد ابناء الوطن مسيرة التعليم في قطر وخارجها وفق ما تيسره الدولة من تعليم مواكب لا يقل ايضا عن مواكبته لبعض الجامعات في الخارج وقتها.
تحدثت رئيسة جامعة قطر في دولة من دول الكومنولث عن جامعتها واساءت الى شعب وطنها بوعي او دون وعي، هذا في الوقت الذي تعاني فيه دولة قطر من رصد حملة دولية اعلامية عليها وعلى العمالة فيها تزعمتها رائدة تاج الكومنولث وبناتها، حملة اهون بكثير من مجيء الإهانة على لسان بني جلدها ممن طردوا طلابا من خطتهم بجريرة خطة ومعايير لم توضع لهم من قبل، وكان المفترض أن يدرّبوا عليها سلفا بارشاد منظم قبل سني التحاقهم وطردهم يبدأ من التعليم النظامي وليس الجامعي كتلك النظم التي تعكف عليها منظومة التعليم في الدول المتقدمة منذ سني الدراسة الأولى، ومن ثم من مرحلة الصف التاسع تراكميا على وجه الخصوص، فظُلمت هذه الفئة واسلمت الى البطالة العلمية قبل المهنية حتى قبل ان تدشن قطر "كلية المجتمع" المعروف انها تلبي الحاجات الانتقالية والمستويات التي لم تحقق المعايير الجامعية في اي دولة حتى الدول المتطورة منها، فضلا عن نسفها تاريخ من تخرج من جامعة قطر قبلهم والذين كانوا على معايير خطط مواكبة حينها للتدرج العلمي وتحسين الأداء، خطط احترمت في كل مرحلة من مراحلها حتى دخول فئة طلابية على فئة غيرها بوصف "خطة قديمة" و"خطة جديدة" للملتحقين دون طرد للقديم على حساب الجديد، هذا وسنة التطور تؤكد أن لكل زمان جديده مما نتمنى ألا ينسف قطر برمتها على نهج عقيدة التغريبيين.
وأخيرا ووفقا لتقديرنا لشخصية أكاديمية دؤوبة العمل نقدر لها الجهود المبذولة في رفع معايير التعليم الجامعي وتطبيق الجودة وان اختلفتا في حيثيات تطبيقها ونظرا لأن تلك المقولة صادرة من شخصية نسائية قطرية في موقع ريادي وفي محفل دولي، مقولة لم تضِف وللأسف سوى "اتهاما جزافيا بل إهانة للمواطنين" اضم صوتي الى صوت المطالبين باعتذار لبق.
فتعذر رد الاهانة أوتصحيحها لن يفضى إلا الى مزيد من الغليان الشعبي على حد قول الشاعر:
ألا يجهلَنًّ أحدٌ عليْنا فنَجْهَل فوْقَ جهْلِ الجاهلينَا
والجهل الذي يقصده الشاعر "ردٌ" هو صوت المواطنين الجمعي المطلوب حتى لا يدعو هذا التجني إلى تجرؤ الآخر علينا ظلما بجريرة غيرنا مما لا نقبل به ولا يقبله تاريخنا العلمي ولا المهني ولا عزنا على حد قول الشاعر:
مَنْ يَهُنْ يسْهُل الهوانُ عليه ما لِجُرْح ٍ بميّتٍ إيْلام
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3132
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
990
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1182
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8844
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7188
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
3918
| 22 سبتمبر 2026