رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صولة طوفان الأقصى في 7 اكتوبر وما تلاها من عدوان على غزة، أشغلت ولا زالت العالم كله في الداخل والخارج، والذي بات مأخوذا بحرفية المقاوم الغزاوي وبسالته وإنسانيته من جهة، ومصدوماً، متألماً، غاضباً على جيش أكد بفعله أنه، رغم بروباغندا تحسين السمعة المغرضة، ليس أكثر من جزار فاشل لم يقتن لا فن الحرب ولا إدارتها، بل تحول بساديته المفرطة إلى ثور مجنون أخذته المباغتة وصدمته الاهانة التي لحقت به ذلك اليوم، فقد السيطرة وبات يخبط خبط عشواء يعوض فشله وخسائره بالقصاص والانتقام الجماعي من أهل غزة مستهدفاً الأطفال والنساء بالمقام الاول اضافة للشيوخ والعجزة والمرضى … باختصار لقد ارتكب الكيان الصهيوني ابادة جماعية في غزة، حصادها حتى الان ما يزيد على واحد وعشرين الف شهيد وعشرات الالوف من الجرحى والمصابين اغلبهم أطفال ونساء … وبعد ثمانين يوماً من الحرب، بان الغرض الخبيث للعدوان، ويتلخص بتحويل القطاع إلى مكان ليس فقط غير آمن بل غير قابل للحياة او العيش أملاً في اجبار ما يزيد على 2 مليون إنسان على النزوح والهجرة قسراً إلى دول الجوار …. لكن المخطط المشؤوم يصطدم، قبل أي شيئ آخر، بجدار صلب غير قابل للاختراق، مواصفاته، الصبر والاحتمال والثبات ….هي باختصار التعبير الدقيق لسلوك شعبنا المحاصر والمعتدى عليه في غزة، وكلما زاد الالم، سما الغزاوي بصموده وتمسكه بأرضه ودفاعه عن قضيته.
ومع هذا السمت الراقي في التعامل مع العدوان، هناك وجه آخر، لا يقل عظمة ولا أهمية ويعني بسلوك وتعامل الغزاوي مع نفسه وأخيه، في علاقته مع عائلته وجيرانه، مع المجتمع او مع السلطة، واجهزتها ومرافقها وخدماتها ….مع القانون والنظام، حيث تبرز للراصد قيم هذا الشعب، تربيته وأخلاقه التي ظهر سموها ورقيها في زمن شدة لم نشهد لها مثيلا …. رغم الالم وعظم المصاب والفجيعة، هل سمعتم غير (حسبنا الله ونعم الوكيل؟ ) ….هل سمعتم تذمرا او شكوى، هل رأيتم خرقاً للقانون والنظام ؟….. وكما هو معروف، يعيش هذا الشعب حرماناً من أبسط مقومات الحياة. محاصراً سبعة عشر عاماً ثم تضاعفت معاناته بعد ٧ أكتوبر، اذ أحيط بهم محاصرين براً وبحراً وجواً، فلا يكاد يجد الواحد منهم في اليوم ما يسد رمقه او يبل ريقه، يناشد من حوله من عرب ومن عجم قارورة ماء فتمنع عنه، طفلهم محروم من مذقة لبن، والعائلة من رغيف الخبز، مرضاهم وجرحاهم من حبة الدواء والمشافي المؤهلة، بل ضاقت حتى الارض في دفن الشهداء والموتى …وتردى نمط الحياة، وبلغت القلوب الحناجر … حالهم حال الاضطرار والضرورة التي يباح فيها اكل الميتة، حالة الضرورة إن سرق الشخص لا يقام عليه حد لشبهة الحاجة الملجئة، ظواهر معتاد ان تصاحب الناس في أوقات الفتن او الشدة البالغة والمصاب الكبير، حتى تتردى القيم وتهتز الثوابت، وتطغى الأنا … وينشط ضعاف النفوس - ولا يخلو منهم مجتمع - في العدوان والتجاوز على مافي أيدي غيرهم، يغريهم كون الأجهزة الشرطية معطلة والناس مشغولة بالنجاة من العدوان الذي لم يترك بقعة ولو صغيرة في غزة الصابرة …آمنة … لكن المفارقة اللافتة للنظر، وقد عبّر عنها معنيون بعلم الاجتماع، ان السمت الذي عرف به الغزيون ايام السلام لم يتغير ايام الحرب !! اذ من غير المعقول او المتوقع رغم شدة الحرب على غزة ومحدودية مساحتها ومواردها وكثافة المقيمين على ارضها وتراكم آثار الحصار عليها ….رغم كل ذلك ان لا تقع حادثة سرقة واحدة !! ان لا ينهب محل واحد وتكسر الأقفال وتستباح املاك الناس والمتاجر ولا تهاجم الشركات ولا بيوت الاغنياء الميسورين..هذا غير معقول ! بل المتوقع في مثل هذه الاحوال ان ينشغل رجل الشرطة صباح مساء بملاحقة الجرائم والمجرمين ….لكن الذي حصل هو العكس تماماً فالناس هناك متعاونون متكافلون يشد بعضهم أزر بعض، ويؤثر بعضهم بعضاً ليصدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
« ان الاشعريين (أهل اليمن) إذا أرملوا في الغزو، او قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم «وهكذا تجد أهل غزة صابرين إذا حلّ البلاء بهم، لا الصعب عندهم صعبٌ ولا المحال محال...يتقاسمون القليل المتاح، حامدين شاكرين ….ظاهرة ادهشت الغرب بل العالم أجمع وهم يجهلون السر في ذلك، وفي الذاكرة الفلتان الامني في اللحظة التي تسود فيها العتمة، حيث ينطلق الأفراد والجماعات والعصابات في تسونامي رهيب سلباً وسرقة واغتصاباً وتسوية حسابات ….قتلاً وخطفاً، لمجرد انقطاع الكهرباء لدقائق معدودة في مدن وعواصم كبرى كما حصل في نيويورك سنة ١٩٧٧م لتقبض الشرطة على ٣٧٠٠ شخص حيث قدرت الخسائر بحوالي مليار دولار !
ملاحظة اخرى، الكل يعلم المقاربة التي اعتمدها الكيان الصهيوني في تحقيق هدف الحرب (القضاء على حماس) …ان جيشه أجبن من ان يقارع المقاومة الباسلة وجهاً لوجه، المقاومة التي نذرت نفسها لله، وخيارها بين النصر والشهادة، بينما نذر جيش الاحتلال نفسه للشيطان، لهذا توجه العدو إلى الطبقة الهشة او الرخوة ليحيل حياتها إلى جحيم لا يطاق املاً في ان ينقلب الغزاوي على الحمساوي وتدور رحى حرب اهلية ينشغل بها الغزيون بعضهم ببعض، ويجري تفكيك اواصر الجبهة الداخلية، تنكسر بها شوكة المقاومة وتضعف، باشغالها بالداخل بدل الانصراف للرد على العدوان الصهيوني، وهذا سيكون كفيلاً بتحقيق هدف الحرب بأقل الخسائر … لكن ذلك لم يحصل أيضاً وصمد الناس وتحملوا العبء الأكبر من الاذى وبقيت الجبهة الداخلية متماسكة وانصرف المقاوم للتفنن في ملاحقة الغزاة، مطمئناً إلى ظهره، محمياً بحاضنته الشعبية مطمئناً لها ….. وهكذا أجهض الغزيون بصبرهم وثباتهم المساعي الخبيثة لدولة الاحتلال، وتعذر على جيشها تحقيق هدف الحرب.
وثمة أمر آخر في أسطورة الشعب الغزاوي أن امراة من الاسرى الرهائن لدىٰ كتائب القسام، والقصف اشتد قريباً منها، تقول للحارس القسامي وهي ترتعد:أخشى ان أموت. فأجابها: لا يا خالة لا تخافي نحن بنموت قبل لا تموتوا. فقارن هذا الموقف الإنساني الرفيع مع ما يحصل للاسرى الفلسطينيين أو الفلسطينيات على أيدي الصهاينة المحتلين.
ملكنا فكان العفو منا سجيةً
ولما ملكتم سال بالدم أبطحُ
وحللتمُ قتل الاسارى وطالما
كنا عن الاسرى نمنّ ونصفحَ
فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا
وكل اناء بالذي فيه ينضحُ
شعب، يثير العجب والإعجاب، كأنه صنعه الله على عينه، هو لا ينكسر، بل ينتصر او يموت … لا نزكي على الله أحدا، لكنها الحقيقة بدون رتوش، بقي أن نسأل عن السر وراء هذا السمت العالي … لا تعجبوا إنه «الإسلام …» أيها السادة.
«فإِذا فرغت فانصب»
حين تتزاحم الملهيات على القلب، وتتشابك تفاصيل الحياة اليومية، حتى تكاد تسرق من الإنسان صفاءه الداخلي، تأتي الآية... اقرأ المزيد
114
| 03 مايو 2026
معضلة براءة الاختراع
لطالما قُدمت براءة الاختراع للمبتكر العربي على أنها 'صك الأمان' ودرعه الحصين، لكن الواقع التقني المعقد اليوم يكشف... اقرأ المزيد
120
| 02 مايو 2026
نبض العطاء
يُعد يوم العمال العالمي مناسبة مهمة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يقوم به العمال في بناء المجتمعات... اقرأ المزيد
102
| 02 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3786
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1281
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
978
| 29 أبريل 2026