رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكّلت دار الإفتاء ركنًا أساسيًا في المجتمعات الإسلامية، بوصفها المرجع الديني الذي يُبيّن الأحكام الشرعية ويُوجّه المسلمين في شؤون دينهم ودنياهم. وقد حظي المفتي عبر التاريخ بمكانةٍ مرموقة، استمدّها من سعة علمه، ورجاحة عقله، وطول ملازمته لأهل العلم، إلى جانب ما عُرف عنه من ورعٍ وأمانة وخبرة وحكمة؛ فكان الناس يقصدونه في القضايا والنوازل، ويحتكمون إلى رأيه. ولم يقتصر دوره على الإرشاد الفردي فحسب، بل أسهم أيضًا في حفظ التراث الفقهي الشرعي، وتدوينه، وتطويره.
ومع تطوّر العصر وظهور قنوات ووسائل ومنصّات إعلامية لا تُعدّ ولا تُحصى، كان من المفترض أن تصبح العملية الإفتائية أكثر دقّةً وتمحيصًا وتنظيمًا، بما يضمن سلامة الأحكام الشرعية وانضباطها. غير أنّ الواقع المعاصر وتعقيداته يكشفان عن انتشار ما يُعرف بـ «فوضى الإفتاء والاجتهاد»، وهي ظاهرة نتجت عن عوامل متعددة، أبرزها سهولة الوصول إلى المعلومات عبر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الخاصة، بما تحمله أحيانًا من محتوى غير دقيق، أو مجهول المصدر، أو مُضلِّل، فضلًا عن توظيف بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى ديني غير منضبط.
وقد أتاح هذا الواقع لأي شخص أن ينشر رأيه أو يُقدّم ما يُسمّى بـ «فتوى» دون امتلاك التأهيل العلمي أو الشرعي اللازم، في ظل غياب المرجعية الموحّدة، وضعف التنسيق بين أهل العلم، ووجود دوافع شخصية، أو سياسية، أو إعلامية لدى بعض المتصدّرين للمشهد الديني، كالسعي إلى الشهرة أو التأثير أو الارتزاق المالي تحت غطاءٍ دينيٍّ ظاهري.
ويُسهم ضعف الثقافة الدينية لدى المتلقّي في تفاقم هذه الظاهرة، وهو ضعفٌ يعود إلى متغيّرات متعددة، من بينها مناهج التعليم الحديثة التي لم تعد تُولي التربية الدينية العناية الكافية، مما يجعل بعض الأفراد، ولا سيما الجيل الحالي، أكثر قابلية للتأثّر والانقياد خلف المضلّلين وأصحاب المصالح والأجندات الخفية.
ولا تقتصر آثار فوضى الإفتاء على الفرد وحده، بل تمتدّ إلى المجتمع بأسره؛ إذ تُحدث بلبلةً وتشويشًا، وقد تقود إمّا إلى التطرّف والغلوّ المرفوضين شرعًا، أو إلى التساهل المفرط المخالف لمقاصد الشريعة وجوهر الإسلام الوسطي المعتدل. كما تُسهم هذه الفوضى في تشويه صورة الإسلام السمح، وإضعاف الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية والمرجعيات العلمية المعتمدة، بما يهدّد استقرار الوعي الديني ويُعمّق حالة الارتباك والانقسام.
ويزداد أثر هذه الفوضى وضوحًا عند تناول القضايا المعاصرة ذات الطابع الاقتصادي والمالي، وعلى سبيل المثال لا الحصر مسألة التعامل مع البنوك التقليدية أو الإسلامية، حيث يظهر تباينٌ حادٌّ بين من يُجيز بعض صور التعامل بدعوى الضرورة أو تعقيدات الواقع المعاصر، وبين من يذهب إلى التحريم الشرعي الصريح اعتمادًا على نصوصٍ قطعية واجتهاداتٍ فقهية مستقرة. وفي هذا السياق، ومن وجهة نظري، فإن مقولة «اختلاف العلماء رحمة» لا تُطلق على الأحكام الشرعية الواضحة أو القطعية، وإنما تُفهم في إطار مسائل الاجتهاد الظنية التي تحتمل تعدّد الآراء؛ أمّا توظيفها لتبرير التناقض في القضايا ذات النصوص الصريحة أو الإجماع المستقر، فهو خلطٌ غير منضبط يُعمّق فوضى الإفتاء بدلًا من أن يُسهم في احتوائها.
ويُضاف إلى ذلك تفريغ بعض الألقاب الدينية من مضامينها العلمية والشرعية، وفي مقدّمتها لقب «الشيخ»، الذي بات يُمنح لكل من تصدّر المشهد الإعلامي أو كثر متابعوه، بعد أن كان يُطلق تاريخيًا على أهل العلم الراسخين المعروفين بالتحصيل والتزكية وطول الملازمة. وقد أسهم هذا التسيّب في تضليل العامة، ومنح شرعيةٍ شكلية لأصوات غير مؤهّلة، مما زاد من حدّة الاضطراب في فهم الدين، وكرّس حالة الخلط بين الرأي الشخصي والفتوى والاجتهادات الشرعية المعتبرة.
إن فوضى الإفتاء تمثّل تحدّيًا حقيقيًا يواجه المجتمعات الإسلامية اليوم، ولا سيّما الأجيال القادمة، وهو ما يستدعي تضافر الجهود لتعزيز دور المؤسسات الإفتائية الرسمية بوصفها المرجعية الأساس، وتوعية المجتمع بأهمية الرجوع إلى أهل الاختصاص، والتصدّي للفتاوى الشاذة والمتطرّفة تفنيدًا علميًا رصينًا، إلى جانب تطوير آليات الإفتاء بالاستفادة من التقنيات الحديثة، ولكن تحت إشراف جهات رسمية موثوقة بعلمها وورعها وخبرتها، وتعزيز الثقافة الدينية العامة بما يُمكّن الأفراد من الفهم والتمييز.
فتنظيم الإفتاء ليس مسألةً إجرائية فحسب، بل ضرورةٌ شرعية ومجتمعية لحماية الدين، وصون وعي المجتمع، وضمان سلامة الأجيال القادمة من التشتّت والبلبلة والانقسام والشك.
ويُطرح هنا سؤالٌ يراودني: هل نحن بحاجةٍ ضرورية إلى إنشاء معجمٍ للإفتاء الشرعي، على غرار معجم الدوحة اللغوي، أم نكتفي بترديد مقولة «اختلاف العلماء رحمة»؟ وبناءً على ذلك، هل تُعدّ فتاوى «فضيلة الشيخ الذكاء الاصطناعي» اجتهادًا واختلافًا ورحمةً في القضايا الدينية الشائكة مستقبلًا؟ وهل تبرز ضرورة وضع شروطٍ ومعايير واضحة لمنح لقب المشيخة الدينية، «الشيخ» سواء للخطيب أو لطالب العلم، أو المجتهد!
وأخيرًا:
«لا يحلّ لأحدٍ أن يُفتي في دين الله إلا رجلٌ عارفٌ بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتنزيله وتأويله…»
الإمام الشافعي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
16161
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2964
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
1977
| 02 أبريل 2026