رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكد الرأي العام في تونس يهضم "حبّة" حالة الطوارئ التي قررتها الحكومة قبل بضعة أسابيع، حتى قدمت لهم رئاسة الجمهورية "مضادّاً حيوياً" من النوع القويّ، لهضم قرار "العفو والمصالحة"، الذي قدمه رئيس الجمهورية، السيد الباجي قايد السبسي إلى البرلمان في شكل مشروع قانون أساسي (أي من نوع خاص)، بغاية تطبيع وضع رجال الأعمال الفاسدين.
يهدف نص القانون المقترح، إلى تمكين رجال الأعمال الفاسدين من استئناف نشاطهم مقابل "فتات" يقدمونه لخزينة الدولة في شكل ضريبة لا تتجاوز 5 بالمائة، ليس من حجم الأموال الموجودة، وإنما مما يمكن أن يصرح به المعنيون بهذا القانون من رجال أعمال مورطين في نهب المال العام على عهد النظام السابق.. أي إن نهب الأموال العامة على مقاس الفاسدين، واسترجاعها سيكون على هواهم (!).
في غرفة الإنعاش
الأخطر من كل ذلك، أن مادة هذا النص، لا تضعف هيئة الحقيقة والكرامة التي أنشئت لمحاسبة المفسدين والمورطين في التعذيب والاستبداد فحسب، إنما هي تلتف على قانون العدالة الانتقالية وعلى نصّ الدستور الذي تضمن خطوط المسار الكامل لهذه العدالة، بحيث تضع الهيئة بين قوسين، وتجعل العدالة الانتقالية مجرد تسويات حقوقية، ليس فيها محاسبة ولا تعويض للضحايا ولا للدولة، وتكون الأموال التي نهبت وهربت إلى بنوك غربية كثيرة، قد أعطيت "فيزا" للعودة إلى تونس من بوابة العفو والمصالحة، بجرّة قانون، يتضارب مبنى ومعنى مع الدستور.. والنتيجة الطبيعية لكل ذلك هي، أن الثورة التونسية التي قامت ضدّ الفساد والاستبداد، قد دخلت غرفة الإنعاش مع فرصة حياة لا تتجاوز 1% على أقصى درجات التفاؤل الممكنة.
والحقيقة، أنه منذ صعود الحكومة الراهنة في نوفمبر 2014 بأغلبية حزب نداء تونس الذي ينتمي معظمه إلى المنظومة السياسية والمالية القديمة، اتخذت إجراءات وقرارات كثيرة تصبّ في خانة الانقلاب على الثورة والارتداد على استحقاقاتها، والتطبيع أو تمهيد الأجواء لعودة النظام القديم، بما يجعل كل التسريبات التي تحدثت عن اتفاق بين رجال ذلك النظام، والرئيس الحالي، على مساندته للوصول للحكم، مقابل تطبيع وضعهم الاجتماعي والسياسي والقانوني، أمرا دقيقا لم يعد ثمة شك فيه مطلقا.
فقد كانت أول تصريحات رموز "العهد الجديد" من حزب نداء تونس، تؤشر إلى كمّ من المخاوف، في مقدمتها، ضرورة مراجعة قانون العدالة الانتقالية، وتركيبة هيئة الحقيقة والكرامة، ورفض رئاسة الجمهورية تمكين الهيئة من أرشيف المؤسسة الرئاسية، الذي هو من مشمولات الهيئة ومن صميم عملها، ونص قانون العفو والمصالحة على تشكيل هيئة موازية للمصالحة، في خطوة التفافية واضحة على الهيئة ومهمتها التي أقضت مضجع الحزب الأغلبي في الحكم، ويعدّ حلّها أحد شروط بعض الدول الراغبة في منح الدعم المالي لتونس، من فئة تلك التي ساندت الحزب الأغلبي (نداء تونس).. بالإضافة إلى محاصرة الحريات، والتضييق على المساجد، وغلق قنوات وإذاعات لا تتماهى مع هذا الحزب ورجاله.
محاكمة مرحلة
رئاسة الجمهورية، وفي تبرير لمشروع القانون الجديد، تتحدث عن ضرورته لتنشيط الاقتصاد واستعادة الاستثمار الداخلي والخارجي، وهو ما اعتبره المراقبون وأحزاب عديدة وجزء واسع من المجتمع المدني، أمرا مردودا على أصحابه.. ليس لأن الموضوع يتعلق بنكوص على الثورة ومآلاتها، والبناء الديمقراطي واستحقاقاته فقط، إنما لأن من الشروط التي طرحتها الدول الثماني الكبرى خلال اجتماعها بالرئيس الباجي قايد السبسي، هي محاربة الفساد والفاسدين الذين ثار الشعب التونسي ضدهم، لأن ذلك شرط أساسي لتوفير مناخ للاستثمار الخارجي، وبالتالي فأطروحة المصالحة من أجل الاستثمار وتفعيل الاقتصاد التونسي المتهاوي، لا تبدو مقنعة، وليست وجيهة بالقدر القادر على إقناع الرأي العام التونسي.
فليس غريبا والحال تلك، أن "ينتفض" أحد أبرز رجالات الفقه الدستوري، الأستاذ قيس سعيّد، ليشير إلى أن "قانون العفو والمصالحة، لن ينسف مسار الانتقال الديمقراطي والثورة التونسية فحسب، إنما سيكون مدخلا لمحاكمة رجال الثورة وشبابها ومرحلة ما بعد 14 يناير 2011 برمتها".
وهذا هو قلب الرحى في جميع ما يجري في تونس اليوم.. إذ لا يتعلق الأمر بتنشيط الاقتصاد أو بمجرد "التنفيس" على رجال أعمال فاسدين، ولكن بمسعى جدّي لـ"قلب الطاولة" على الجميع، بشكل يسمح باستئناف مرحلة اعتقد التونسيون أنها ولّت وانقضت وباتت جزءاً من التاريخ.
المعركة اليوم في تونس، بين حلم العودة لنظام قديم بعناوين ديمقراطية وحقوقية مزخرفة لغويا، وبين رغبة المضي في بناء ديمقراطي تزداد القناعة يوما بعد يوم، أنه عملية قيصرية ومعقدة، يدرك رجال النظام القديم أنها ستنجح ولو بعد حين، لكنهم يحرصون على أن يكون نجاحها بمغصّات في الأمعاء والقلب والشرايين.
معرض الكتاب.. هندسة الوعي واستعادة "أصالة" القراءة
مع اقتراب انطلاق معرض الدوحة الدولي للكتاب في الرابع عشر من مايو، لا ننظر لهذا الحدث كونه مجرد... اقرأ المزيد
33
| 09 مايو 2026
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ الليل له سرج.. حتى يغشاه أبو السرج بهذين البيتين، يختزل... اقرأ المزيد
57
| 09 مايو 2026
تعزيز الرعاية الوالدية مسؤولية وطنية مشتركة
تشرفت الأسبوع الماضي بحضور جلسة مجلس الشورى التي تناولت المناقشة العامة لتقرير لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان بالمجلس... اقرأ المزيد
42
| 09 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4434
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4149
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2031
| 07 مايو 2026