رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إحسان الفقيه

إحسان الفقيه

مساحة إعلانية

مقالات

114

إحسان الفقيه

الطائرات الورقية وعبثيات نتنياهو التي لا تنتهي

29 أغسطس 2026 , 10:51م

السجن الكبير المفتوح، هكذا كان يطلق على قطاع غزة المحاصر، إلا أن هذا السجن قد حولته الحرب الغاشمة إلى ركام وأطلال، وفقد خلالها السكان مقومات الحياة.

أطفال غزة الذين نُزعت عنهم طفولتهم، وحرموا من التعليم، وأظلمت معالم مستقبلهم، لم يجدوا متنفسًا ولا مجالا يشعرهم أنهم لا يزالون بعدُ أطفالا، سوى البحر والسماء.

فأما البحر، فإنهم يهرعون إليه مع عائلاتهم هربًا من القيظ الذي يطاردهم ويلهب أجسادهم مع صعوبة الحصول على المياه وانعدام الكهرباء والمروحات، إلا أن الاحتلال جعل فكرة اللجوء إلى البحر عملًا انتحاريًا في ظل العدوان الغاشم الذي يستهدف المواطنين على الساحل.

لم يكن لأطفال غزة سوى الإبقاء على هذا التقليد الموروث المسمى بالطائرات الورقية، قطع صغيرة من الجريد، وبعض الأوراق الملونة، وخيط طويل، شيء بسيط يطير بأمنياتهم إلى السماء، ويشعرهم بفسحة الكون، ويطمس لدقائق أو ساعات قليلة مشاهد القتل والدمار التي اختزنتها ذاكرتهم البائسة.

لكن هؤلاء الأطفال يقال لهم اليوم: مزقوا طائراتكم الورقية، ولتكن مثل جميع أحلامكم المؤجلة.

لا يستوعب الطفل أن لعبته البدائية هذه قد صارت محجوبة عنه، لأنها تمثل تهديدًا عسكريًا للاحتلال الذي يمتلك الصواريخ والطائرات وأسلحة الدمار. وسيكون عليه أن يقتنع بأنه لا الأرض ولا البحر ولا السماء صارت له.

الطائرات الورقية التي يلهو بها أطفال غزة، جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، يطلقان التهديدات بتكثيف العمليات العسكرية وإجلاء السكان من المناطق التي تنطلق منها هذه الطائرات.

تأتي هذه الثورة الإسرائيلية على الطائرات الورقية ضمن سياق ساخر أقل ما يقال فيه إنه كوميديا سوداء، فالاحتلال الذي لم يتوقف يومًا عن العدوان على غزة حتى من بعد اتفاقية وقف الحرب التي ضرب ببنودها عرض الحائط، يمارس هذه الاعتداءات على مرأى العالم، وتتناقل وسائل الإعلام العالمية أخبار القتلى والجرحى وآثار الدمار، وعلى الرغم من ذلك يملأ الدنيا صراخًا من أجل طائرات ورقية يزعم أنها تمثل نشاطًا عسكريًا للمقاومة في غزة.

والأشد مدعاة للسخرية، أن الجيش الإسرائيلي نفسه أقر بعد فحص بعض الطائرات الورقية أنها لا تحمل أي مواد حارقة ونحوه مما قد يمثل خطرًا على المستوطنين الإسرائيليين ومزارعهم، وعلى الرغم من ذلك استمرت الحكومة الإسرائيلية في صراخها والادعاء بأنها تتعرض لتهديدات أمنية بسبب هذه الطائرات.

الأمر لا يحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح، فنتنياهو يبحث عن أي مبرر لاستمرار الحرب والتحرر من تقييد خارطة الطريق. يريد تحويل هذا الهاجس الأمني المضطرب إلى واقع يعيد تعريف خرق الهدنة.

نتنياهو الذي يستمد قوته من ذلك اليمين المتطرف، يسعى للقضاء على كل مسار دبلوماسي سلمي لحل القضية الفلسطينية، فالحل لا يعني لدى نتنياهو ومتطرفيه سوى شيء واحد، وهو أنه لا وجود لدولة فلسطينية، فقط هي إسرائيل.

وكلما اقترب موعد الانتخابات، كلما كثف نتنياهو جهوده لافتعال الحروب، هي الضامن الوحيد لاستمراره في منصبه، وهو الذي يطرح نفسه دائما على أنه الأقدر على التعامل مع التهديدات التي تحيق بالشعب الإسرائيلي.

أشد ما يثير السخرية والسخط معًا في قضية الطائرات الورقية، أن مجلس السلام، الجهة الدولية المعنية بإرساء السلام في غزة، تتبنى الرواية الإسرائيلية حول هذه المزاعم العبثية، وتتناول الطائرات الورقية بالفعل على أنها أحد الأنشطة العسكرية للمقاومة، وتصرح من خلال أحد مسؤوليها بأن جميع الأنشطة المسلحة في غزة بما في ذلك إطلاق الطائرات الورقية، يجب أن تتوقف.

ألهذه الدرجة أصبح لعبث نتنياهو غطاء دولي؟ كيف يجري نقل الرواية الأمنية الإسرائيلية العبثية إلى خطاب مؤسسة دولية، يفترض أنها تعمل من أجل إنهاء الحرب؟

إن هذا السلوك لتلك المؤسسة الدولية، يخلق انطباعًا مبررًا بأن لها وظيفة جزئية في إدارة مخاوف نتنياهو بدلًا من إدارة الطريق إلى السلام، ويشكك في قدرتها على تفعيل خطة السلام بشكل عادل.

وإزاء الإجراءات المنطقية التي اتخذتها اللجان الشعبية في منع الأطفال من إطلاق الطائرات الورقية حرصًا على سلامتهم، لا نجد إلا رثاء هذه الطفولة البريئة المنتَهكة.

مساحة إعلانية