رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

228

خولة البوعينين

أصالة الذات وكبرياء الرصانة

29 سبتمبر 2026 , 12:00ص

لم يكن التصالح مع الذات يوماً مجرد انكفاء على النفس، إنما هو تسجيل موقف أخلاقي صارم، وثبات راسخ ينبع من أقصى غياهب السريرة، ليفرض هيبته المنيعة على الوجود كله.

فالمرء الذي يدرك قيمته الحقيقية يأنف أن يرهن ذاته لمرضاة العابرين، أو أن يخوض غمار التكلف الذميم ليصنع لنفسه صورة براقة تفقدها الأصالة والمصداقية، وتجفوعا شمائل النبل.

فلم يَعُد الحرص على تلميع المظهر طلباً للجدارة بالمحبة غاية ترتجى في مذاهب العزة، إنما الغاية الكبرى هي المكوث في فضاء الصدق والانسجام المتناغم مع النفس في رياض أنسها الباطن.

وفي عالم يضج بالزيف والتزلف كسراب بقيعة، يتحول التمسك بالانفعالات الحقيقية إلى نوع من التزكي والوقار. فالحنان الحقيقي لا يُعد استسلاماً، والغضب الصادق النابع من مبدأ لا يمكن التنازل عنه ليثبت للآخرين رقة مصطنعة، ولطف مزيف.

فما العيش بنوايا واضحة، كفلق الصبح وفعل ما يؤمن به الإنسان- حتى وإن لم يتوافق مع أمزجة المحيطين به أو رغباتهم- سوى سياج غير مرئي يصون كرامة المرء ويربأ به عن هجير المداهنة الكالح، والابتذال المقيت.

وفي حاضرنا الماثل، نعيش في غمرة صخب اجتماعي يميل إلى تقديس الحضور الزائف، حيث غدا الانخراط في زحام العلاقات السطحية بضاعة رائجة طلباً للقب (الاجتماعي المحبوب). وفي هذا الفضاء الصاخب، يتجلى التمسك بالهدوء والوقار كنوع من الانتقاء المقصود. إن الانكفاء السامي خلف ظلال الرصانة ليس عُزلة، بل هو حصانة نفسية تمنع الإنسان من الذوبان في كل موجة طارئة، ليظل سيداً مطلقاً لنفسه ولتعبيرات روحه.

هذا الثقل الذي يصنعه الاعتزاز بالذات يمتد أيضاً إلى نظرة الإنسان للحياة ومباهجها. فالسعادة تُقاس بعمق أثرها في النفس، لذلك فالرصد الواعي لتلك السعادات الصغيرة العابرة هو ما يسهم في صناعة الطمأنينة الحقة، ويغني الروح عن الطموح اللاهث وراء سراب سعادات أكبر يفرضها نمط الاستهلاك السائد، وعادات التكاثر العابرة.

* لحظة إدراك

حين يتأمل المرء مسيرته في زمن التخلي والتبدل، يدرك بيقين لا يشوبه ريب أن عدم حرصه على إرضاء العيون كان الدرع الحصين الذي حمى جوهره من التبدد في متاهات الأهواء، والنبض الذي أبقى روحه ناصعة، رفيعة، لا تحركها عواصف الخفة، ولا تبددها غواية الابتذال والتلميع الزائف.

مساحة إعلانية