رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انطلقت يوم السبت 24 يناير 2026 في الدوحة أعمال المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة التي ينظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال الفترة 24-26 يناير وهو دليل إضافي على التزام دولة قطر بتوجيه من أميرها المفدى بقضية العرب والمسلمين المركزية أي الشعب الفلسطيني الذي عانى وما يزال يعاني من ممارسات الإبادة الجماعية والتشريد والتنكيل. ويُعَدّ المنتدى السنوي لفلسطين أحد أبرز الفضاءات الأكاديمية المتخصصة عالميًا في القضية الفلسطينية لما يتميّز به من رصانةٍ علميةٍ في الأوراق البحثية المقدَّمة وتنوّعٍ منهجي في المقاربات النظرية والتحليلية ومشاركة نخبةٍ من الباحثين والباحثات من مختلف أنحاء العالم العربي والعالم. وتغطي أوراق هذه الدورة طيفًا واسعًا من القضايا المركزية المتصلة بفلسطين من التاريخ والتحولات البنيوية في المشروع الوطني الفلسطيني إلى موقع فلسطين في النظامَين العربي والدولي مرورًا بتحليل الاستعمار الاستيطاني ونظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) وحدود القانون الدولي وتحولات التضامن العالمي وأدوار الإعلام والمعرفة والجامعات في زمن الإبادة.
وقد رسّخ المنتدى عبر دوراته المتعاقبة مكانته بوصفه رافدًا أساسيًا لإنتاج معرفة نقدية معمّقة حول فلسطين واكتسب سمعةً عربيةً ودوليةً مرموقة وجذب حضورًا واسعًا من الأكاديميين والمهتمين بقضيتها وسياقاتها الإقليمية والعالمية ليغدو فضاءً جامعًا للالتقاء وتبادل الرؤى والنقاشات المعمّقة. ومن الضروري التذكير بأن هذه الدورة الرابعة تكتسي أهميةً استثنائيةً لانعقادها في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث و في سياق تبعات حرب الإبادة غير المسبوقة في التاريخ الفلسطيني من حيث عمقها واتساع آثارها وما خلّفته من مستويات هائلة من القتل والعنف والدمار والتهجير في حقّ الشعب الفلسطيني ولا سيما في قطاع غزة إلى جانب تصاعد العنف الاستعماري (المسمى بالاستيطاني) في الضفة الغربية وفي سياق تحولات دولية جذرية تتّسم بتراجع المنظومات التقليدية التي تضمن حدا أدنى من المساءلة وتطبيق القانون الدولي. وعقَد المنتدى على مدار ثلاثة أيام وضمّ ثماني جلسات رئيسية تتوزع على مسارات متوازية إضافة إلى ثلاث ندوات عامة وثلاث ورشات عمل متخصصة من بينها محور خاص بإعادة إعمار قطاع غزة يُنظَّم بالشراكة بين إدارة السياسات العامة ومركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بما يعكس سعي المنتدى إلى الربط بين البحث الأكاديمي والتحليل السياسي والمسائل العملية الملحّة في مرحلة ما بعد الإبادة. واستهلّت (آيات حمدان) الباحثة في المركز العربي ورئيسة لجنة المنتدى السنوي لفلسطين أعمال اليوم الأول بجلسة افتتاحية أكَّدت فيها أن انعقاد هذه الدورة يأتي في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد يتزامن مع مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة.
ومن جهته شدد (مجدي المالكي) في كلمته الافتتاحية على أهمية انخراط الباحثين العرب والمتخصصين في الكتابة والتحليل ولا سيما فيما يتعلق بالسردية الفلسطينية مؤكدًا أن المنتدى في دورته الرابعة أثبت بعد ثلاث دورات سابقة نجاحه في تحقيق غايته بوصفه فضاءً للتواصل والنقاش والتفاعل وتعزيز الإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية لدى الباحثين مشيرا إلى أن انعقاد المنتدى يأتي في سياق تحديات ومنعطفات غير مسبوقة تمر بها القضية الفلسطينية حيث تتواصل تداعيات حرب مدمّرة ووقفٍ هشّ لإطلاق النار في غزة إلى جانب تصاعد العدوان في الضفة الغربية واستمرار السياسات الاستعمارية الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض خارج إطار القانون الدولي وهو ما يعرقل بصورة مباشرة إمكان قيام دولة فلسطينية. وتناول (المالكي) واقع الحياة تحت الاحتلال بما فيها من تدمير البنى الصحية والتعليمية والمعيشية وسياسات خنق الحياة عبر قرصنة أموال الضرائب موضحًا دور المؤسسة في التوثيق المعرفي منذ بدء الإبادة من خلال إطلاق منصات رقمية متخصصة وإنتاج واسع للأبحاث وأوراق السياسات وفتح المجال أمام الشباب للتدريب والبحث. وختم بالتأكيد على أن استمرار هذا المنتدى هو رسالة إصرار وأن البحث العلمي في هذا السياق ليس استحقاقًا أكاديميًا فحسب بل واجب أخلاقي وبعث الأمل في استمرار المقاومة في زمن استهداف الحقيقة.
هذا وعُقدت الجلسة الأولى في ثلاثة مسارات متوازية كان أولها بعنوان «القانون الدولي والقضية الفلسطينية»، وترأسته (عائشة البصري). وقدّم (نيكولا بيروجيني) ورقته «بين المقاومة والإبادة الجماعية: التحرير الوطني الفلسطيني وإبادة إسرائيل على حدود القانون الدولي»، متناولًا حدود الشرعية القانونية. وشارك (عبد الحميد صيام) بورقة «المحكمة الجنائية الدولية والقضية الفلسطينية». كما قدّم (حميد بلغيث) و(أسماء العلوي) ورقتهما المشتركة «سياسات الضم في ضوء التأويل المتطور لقواعد القانون الدولي: قدسية المبدأ ومسؤولية الدول الثالثة»، مسلطَين الضوء على التزامات الأطراف الدولية.
أمّا المسار الثاني والموسوم «فلسطين في السياق الدولي»، فكان بإدارة (أدهم صولي) وشاركت فيه (رزان شوامرة) بورقتها «الوقائع المنفصلة: استراتيجية الصين في صناعة التصوّر وسرديات التحرر الفلسطينية». وتناولت (حورية بن علي) في ورقتها «من فضح الجريمة إلى تجريم الإدانة» محللة لكيفية توظيف الخطاب القيمي الرسمي في ألمانيا لتكريس الصمت عن الإبادة.
كما ناقش (روفشان ممدلي) في ورقته «بين التضامن وغيابه» مواقف دول جنوب القوقاز من فلسطين خلال الإبادة الجماعية في غزة.
أما المسار الثالث فكان بعنوان «حرب الإبادة على غزة في وسائل الإعلام الغربية» وترأّسته (لميس أندوني) وعرضت فيه (آمنة الأشقر) ورقتها بعنوان»عجلة الأخبار وانهيار الإطار» محللةً الفوضى البصرية الناتجة عن حرب الصورة. ومن جهتها ناقشت (ديانا بطو) و(نضال رافع) في ورقتهما المشتركة «كيف (لا) تتم تغطية الإبادة؟» مع تحليل تجارب الصحفيين الفلسطينيين المريرة في تغطية الحرب. وقدّم (جميل قروش) ورقته بعنوان «تأطير الأبعاد الإنسانية حول السرديات العاطفية في تغطية تبادل الأسرى لدى وسائل إعلام غربية كبرى» ثم قدمت عروض تاريخية لمراحل متعاقبة من ماضي فلسطين واختتمت الندوة بمقاربات تحليلية متكاملة تناولت التحوّلات البنيوية في السياسة الأمريكية إزاء فلسطين.
واستعرض خليل جهشان، رئيس الندوة، في ورقته (دونالد ترامب) وحركة ماغا والقضية الفلسطينية: السعي للهيمنة الأمريكية في المنطقة» ملامح توجّه التيار الشعبوي اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية محللًا ما إذا كانت سياسات (ترامب) تجاه فلسطين وإسرائيل تمثل نزعة عابرة أم مسارًا مؤسسيًا طويل الأمد؟ ثم كان تاج المنتدى هو المتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن في خلاصة قدمها (عزمي بشارة) حوصل فيها أهم ما أضافه المنتدى من تعميق للدراسات الأكاديمية حول فلسطين ماضيها ومستقبلها. العجيب أن المحتل قتل عديد الشهداء الأبرياء بعلة «انتظار تسليم جثة آخر رهينة» قبل المرور الى المرحلة الثانية من اتفاق السلام! وأخيرا تسلم المحتل جثة رهينته وننتظر فتح معبر رفح والمعابر الأخرى لإنقاذ من تبقى حيا من الغزاويين!
لماذا تخلف المسلمون وتقدمت أمم أخرى؟
عنوان مقالي هو نفس عنوان الكتاب الذي ألفه الأمير شكيب أرسلان السوري في نهاية القرن التاسع عشر وأنا... اقرأ المزيد
312
| 23 يوليو 2026
قائد استثنائي ورجل المواعيد مع التاريخ
من خلال إقامتي الطويلة زمنيا والثرية فكريا في الدوحة لم أنس يوما قصيدة من الشعر النبطي الأصيل قالها... اقرأ المزيد
171
| 16 يوليو 2026
لبنان نحو المجهول
الحقيقة هي أن العالم بأسره يسير نحو المجهول وبخاصة منطقة الشرق الأوسط حيث عادت لشعوب الخليج منذ أمس... اقرأ المزيد
246
| 09 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7221
| 11 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
1509
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو تشغيلية؛ فبعضها تصنعه القيادة بصمت، عندما تغيّر بسلوكها ثقافة المؤسسة. أحيانًا لا يتغير في المؤسسة سوى اسم المدير، لكن يشعر الموظفون أن كل شيء قد تغير. يتراجع الحوار الصريح، وتختفي المبادرات، ويصبح الحذر سلوكًا يوميًا، ويقدّم الموظفون حماية أنفسهم على أهداف المؤسسة. عندها لا تكون المؤسسة قد خسرت موظفيها بعد، لكنها تبدأ في خسارة أهم أصولها: ثقافتها التنظيمية. لا تُعرف الثقافة التنظيمية بما يُعلّق على الجدران أو يُعلن في الاجتماعات، بل بما يفعله الناس عندما تغيب أعين الإدارة. إنها الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، ويُدار بها الاختلاف، ويُكافأ بها الأداء. ولهذا يؤكد عالم النفس التنظيمي إدغار شاين أن الثقافة لا تصنعها الشعارات، بل السلوك الذي يتكرر حتى يصبح القاعدة غير المكتوبة داخل المؤسسة. فالموظفون لا يحكمون على القيم المعلنة، بل يراقبون من يحصل على التقدير، وما السلوك الذي يُغضّ الطرف عنه، ومن تُفتح له الفرص. ومن هذه الرسائل اليومية تتشكل الثقافة. فإذا كانت القيادة تكافئ الكفاءة، أصبحت الكفاءة هي المعيار. وإذا كانت تكافئ التعاون، ترسخت روح الفريق. أما إذا كانت تمنح اهتمامها لمن ينقل الأخبار عن زملائه، أو يتتبع أخطاءهم، أو يسعى إلى كسب رضا القيادة أكثر من سعيه إلى تطوير العمل، فإنها ترسل رسالة غير معلنة مفادها أن هذا السلوك هو الطريق إلى التقدير. وأخطر ما قد تفعله القيادة هو أن تجعل نقل الأخبار عن الزملاء سلوكًا يحظى بالاهتمام أو المكافأة. فعندما يلاحظ الموظفون أن من يراقب الآخرين أو ينقل أحاديثهم يحظى بالقرب من القيادة، فإنهم يتعلمون سريعًا أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر مراقبة الآخرين. عندها تتآكل الثقة، ويبدأ الموظفون في بناء الحواجز بدلًا من بناء جسور التعاون. ويفسر عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الناس يتبنون السلوك الذي يرونه محل تقدير ومكافأة. لذلك، فإن السلوكيات السلبية لا تنتشر لأنها مكتوبة في اللوائح، بل لأنها تجد من يشجعها، أو يتسامح معها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ظهور ما يُعرف بـ«الدائرة المقرّبة». فقد أوضح الباحثان في القيادة التنظيمية جورج غراين وماري أول-بيين أن تفضيل مجموعة محددة ومنحها فرصًا أو معلومات لا يحصل عليها غيرها يخلق شعورًا بأن العلاقة الشخصية أصبحت أهم من الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تتراجع العدالة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الموظفون في الاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في الأداء. ويتعاظم الضرر عندما تتسع الفجوة بين ما تقوله القيادة وما تمارسه. فقد ترفع شعار العمل الجماعي، بينما تدير المؤسسة من خلال دائرة مغلقة، أو تتحدث عن العدالة، بينما تختلف قراراتها باختلاف الأشخاص. ويشير الباحث في السلوك التنظيمي توني سيمونز إلى أن اتساق القائد بين أقواله وأفعاله هو أساس بناء الثقة، وأن فقدان هذا الاتساق من أسرع الطرق التي تُضعف الثقافة التنظيمية. وتضيف الباحثة في القيادة والسلوك التنظيمي إيمي إدموندسون بُعدًا آخر لهذه الصورة، إذ ترى أن المؤسسات المتميزة هي التي يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي؛ أي بالقدرة على إبداء الرأي، وطرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء دون خوف. أما عندما يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصراحة، فإن المؤسسة لا تخسر الحوار فحسب، بل تخسر التعلم والابتكار أيضًا. وعندما تتولى قيادة جديدة مؤسسة تضررت ثقافتها، تبدأ مهمتها بإعادة بناء الثقة، وترسيخ العدالة، ومكافأة الكفاءة، وتشجيع الحوار. فإصلاح الثقافة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يعيد للموظفين شعورهم بالأمان والانتماء. فالقادة يرحلون، أما الثقافة التي يتركونها خلفهم فهي التي تبقى.
1233
| 16 أغسطس 2026