رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

750

د. جاسم الجزاع

هل ضاعت يقظتنا في روتين الوظيفة؟

30 أبريل 2025 , 02:00ص

إن اليقظة الذهنية، كما عرفتها الأدبيات النفسية والتنظيمية الحديثة، هي أن تكون حاضرًا بتمامك في اللحظة.. حاضراً بجسدك، وعقلك، ومشاعرك، وقيل أنها تعني أن تعيش كل مهمة بتأنٍ، وأن تلاحظ ما يدور حولك دون أن تنجرف خلف التوتر أو التشتت أو العجلة. فعلا.. إنها مهارة تحررنا من تكرار ممارساتنا دون وعي، أو أن نخطئ دون أن ندري، وأن نتعب دون أن نعرف لماذا.

لذلك، فإن إدخال هذه المهارة في القطاع الحكومي ليس ترفًا، بل هو ضرورة إدارية وإنسانية وتنظيمية، فالموظف الذي يتعامل مع المواطنين والمراجعين والمستفيدين كل يوم، ويستقبل شكاواهم، وينفّذ تعليمات، ويتخذ قرارات، هو موظف في موقع تأثير مباشر على حياة الناس. فإذا افتقد التوازن، غابت جودة الخدمة المقدمة، وتآكلت الثقة بين الطالب والمطلوب، وتراكم الإحباط الوظيفي وكثرت الأخطاء.

فماذا سيخسر الموظف الحكومي إن بدأ يومه بخمس دقائق من التوقف الذهني، ومن الإصغاء لنَفسه، وسعي الى ترتيب أفكاره، قبل أن يغوص في زحمة البريد والمراجعين، دون استعجال أو انفعال، كيف سيكون أثر ذلك على المؤسسة؟ على جودة الخدمة؟ على نفسية الفريق؟

ففي لحظة اليقظة النادرة، يتوقف الموظف مع نفسه ويتساءل.. هل ما أفعله هنا له قيمة فعلية؟ هل أؤدي هذا الدور لأنني أؤمن به، أم لأنني اعتدت عليه؟ ثم ينظر حوله ويتأمل في نظام العمل، ويهمس لنفسه.. هل الإجراءات التي أكررها كل يوم ما زالت تخدم الناس كما ينبغي؟ أم أنني أتحول دون أن أشعر إلى جزء من تعقيد يرهقهم؟، ثم يغوص في أعماقه متسائلًا: هل فقدت شغفي بسبب غياب التحفيز؟ أم لأني لم أعد أرى أثر ما أقوم به؟ هل أنا موظف يغيّر شيئًا... أم أنني مجرد رقم في سلسلة طويلة من الأوامر والتعليمات؟

لذلك ترون أنني لا أدعو لحلول سحرية، بل لخطوة أولى بسيطة: أن تعترف الادارات العليا بحاجة الموظف إلى لحظات استعادة ذهنه وأن ندربه على التركيز، وأن نفتح باب الحديث عن الضغوط والتوازن الذاتي دون خجل أو إنكار، وأن توفر له بيئة مناسبة تتيح له ممارسة اليقظة الذهنية، فالموظف ليس آلة، بل هو كائن بشري، له نفسٌ تتعب، وعقلٌ يرهق، وقلبٌ يتأثر، ويحتاج فعليا الى وقفة جادة من الادارة العليا للاجابة عن هذه التساؤلات..

وقد تكون المفارقة هنا أن الموظف العربي الحكومي – رغم الاستقرار الوظيفي الذي قد يحسده عليه آخرون خصوصا في بيئة العمل الخاص – هو أكثر من يحتاج إلى محفزات داخلية للاستمرار، فكما تعلمون أن الرتابة تسرق الشغف، والتكرار يُطفئ الحماسة، والبيروقراطية تُرهق الروح، وهنا يأتي دور «اليقظة الذهنية» لتعيد إشعال تلك الشعلة الداخلية الصغيرة.

وإنني أؤمن أن الاستثمار في هذه المهارات الناعمة (soft skills) هو استثمار في الإنسان ذاته، وهو أبعد أثرًا من شراء برامج إلكترونية أو خط خدمات جديدة أو إصدار تعاميم صارمة، فنحن نحتاج إلى إعادة صياغة العلاقة بين الموظف وعمله، وبين الإنسان ومهنته، وهذا لا يتم إلا حين نضع الإنسان وذاته في قلب المعادلة.

لذلك من الجميل أن تهتم الإدارات الحكومية العربية بتوفير كل السبل لصناعة بيئة قادرة على تعزيز ثقافة بناء اليقظة الذهنية للموظف، وأن تقوم بتنظيم ورش في اليقظة الذهنية وأدوات ممارستها، وتسعى بها الى ادخال مفاهيم مثل «الإصغاء»، و»الانتباه»، و»الإدراك اللحظي» و» التساؤلات المنطقية « و» النقد البناء « إلى عقول موظفيها وعامليها وتستخرجها من أدرج أدبيات علم الإدارة الحكومية الى أرض الواقع العلمي.

ولنتذكر دائماً.. أن لحظة يقظة واحدة في يوم مزدحم قد تفتح نافذة جديدة على الداخل النفسي، وقد تغيّر الطريقة التي نفكر بها ونعيش بها، فالعالم لا يحتاج إلى موظفين أكثر، بل إلى موظفين أكثر يقظة.

اقرأ المزيد

alsharq مناورات سياسية قبل الانتخابات التركية

ستخوض تركيا انتخابات رئاسية حاسمة في عام 2028. وسيكون السؤال المهم في هذه الانتخابات هو ما إذا كان... اقرأ المزيد

126

| 24 مايو 2026

alsharq ذاكرتنا التي سرقها الهاتف

قبل أيام، بحثت طويلًا عن رقم هاتف كنت أحفظه منذ أكثر من عشرين عامًا. رقم أعرف إيقاعه كما... اقرأ المزيد

51

| 24 مايو 2026

alsharq غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك... اقرأ المزيد

81

| 24 مايو 2026

مساحة إعلانية