رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

630

د. جاسم الجزاع

الكلمة.. ما بين البؤس والأمل

30 أكتوبر 2024 , 02:00ص

يذكر أحد الفلاسفة واصفاً "الكلمة" ومفهومها بقوله: "تكلم حتى أراك. فالكلمات تكشف عن جوهر الشخص كما تنكشف المعادن عند صهرها." وقال آخر عن الكلمة المؤثرة: "الكلمات ليست سوى إشارات ومجازات، ولكنها تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من القوة والتأثير".

الكلمة.. تلك الوحدة اللغوية التي تبدو في تراكيبها وصوتها بسيطة، ولكنها تحمل في طياتها قوة عظيمة قادرة على التأثير في أعمق أعماق النفس البشرية. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل أو التعبير فحسب، بل هي مفتاح إلى العوالم الداخلية للبشر، تفتح أبواب العواطف، تُحيي الذكريات، وتشكل القيم والمعتقدات. فالكلمة، كالسهم، قد تصيب القلب بالحب والدعم، أو تجرحه بشوكة النقد والتقليل من الشأن، مما يجعلها أداة يتحكم بها الإنسان العاقل، لكنها تمتد بتأثيراتها إلى أبعد من قدرته على التنبؤ أو السيطرة.

حينما ننطق بكلمة إيجابية محملة بالأمل تجاه الآخرين، فإننا نزرع بذورًا طيبة في تربة النفس لديهم. فهذه الكلمات تجد طريقها إلى قلوب الآخرين، فتُنعش أرواحهم، وتعزز ثقتهم بذواتهم، وتجعلهم يرون العالم من زاوية أكثر إشراقًا وتفاؤلاَ. إن الكلمة الجميلة هي كبذرة الحب، كلما تكررت سقيها بالتشجيع والرعاية ومواصلة الرعاية، فإن شجرتها تنمو وتستمر بالنمو الذي يدعم الفرد، وتحميه من العواصف، وتظلله حين تشتد عليه مشاق الحياة. فالكلمة العطوفة التي تملأ الروح بالأمان، أو التشجيع الصادق الذي يمنح أجنحة للخيال والطموح، تبث الحياة في النفس وتدفعها للارتقاء فوق القيود التي وضعها البشر.

وعلى النقيض، فإن للكلمة الجارحة حضورًا ثقيلًا وأثرًا لا يُمحى بسهولة. إنها مثل السهم المسموم الذي يترك جرحًا عميقًا لا يندمل بسهولة، مهما حاول الزمن محوه. الكلمات القاسية تدمر النفس من الداخل، تغلق أبواب الأمل، تاركة فراغًا لا يسهل ملؤه بعد فراغه. فالفرد الذي يسمع كلمات تستهين بقدراته يتوارى في ظلال الشكوك ويعيش في رهبة من نظرة الآخرين، وقد يظل عالقًا في دائرة النقد الذاتي واللوم. هذا الأثر يتعاظم خصوصًا في مرحلة التنشئة ويبقى حمل عبئها في وعي الناشئة طيلة الأيام.

فالكلمة مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل إنسان، لأنها تملك القدرة على تشكيل واقع حياتنا اليومية ومزاجنا وقدرتنا على مقاومة المصائر، وتصنع قالبنا النفسي كما لو كانت نحاتًا يشكل منحوتة خفية. فإن علمنا وزدنا وعيا بأثر الكلمة، نقترب من إدراك أعمق لحقيقة الإنسان وأن حياته مرهونة بما ينطق وبما يتحدث به، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم".

مساحة إعلانية