رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتاب فريد من نوعه يدور في فلك الكتب، وما يلفّ حوله من آداب في مهارتي القراءة والكتابة، وما يلحق بهما من فنون الاستنباط والاستقراء والنقد والتحليل، بطبيعة الحال. ففي كتاب (مكتباتهم) الصادر عن (منشورات تكوين)، يستعرض المؤلف (محمد آيت حنّا) باقة من حصيلة اطلاعاته على أعمال عدد من الكتّاب العالميين، بما فيها سيرهم وأفكارهم وفلسفاتهم وتوجّهاتهم ومكتباتهم والمقولات المأثورة عنهم، وما استلهمه في المقابل من عبر وحكم وخواطر ورؤى وتأملات وإسقاطات، شكّلت في مجملها جانبا مما هو عليه اليوم من ثقافة.
وكنوع من العرفان، توّج كل مقالة في كتابه بعنوان يحمل اسم الكاتب مسبوقا بكلمة (مكتبة)، كناية عن تفرّد كل واحد منهم في خلق مدرسته المستقلة، أدباً وعلماً.. منها على سبيل المثال: مكتبة ابن بطوطة، مكتبة التوحيدي، مكتبة المأمون، مكتبة الجاحظ، مكتبة هاوكينغ، مكتبة شوبنهاور، مكتبة بنيامين، مكتبة أفلاطون.
وعن المؤلف نفسه، فهو مترجم مغربي تعلّم الفلسفة أكاديمياً وكتب فيها أدبياً وترجم أعمال الآخرين التي تناولتها. لذا، تأتي لغته عبقرية بما طرح من مفاهيم فلسفية تنم عن مهارة مختلفة في القراءة ما بين السطور، فهو -على سبيل المثال- لم يرصد تلك الفراغات السارحة بين الكتب على أرففه وحسب، بل افترض -على حساب نظرية الاحتمالات- أنها فرص منظورة لملئها بكل ما هو جديد وخلّاق! بمعنى آخر، هي فضاء لاحتمالات لا تعد ولا تحصى من الكتب والأفكار والآراء والابتكارات، التي لها أن تملأ تلك الفراغات. ومن منظور آخر يختلف عن سابقه، إنها فراغات تستوجب ما يملؤها من محسوسات، كتمثال أو مفكّ أو ساعة قديمة. يقول في (مكتبة دريدا): "ملاحق المكتبة، الزوائد على الكتب، لا تدخل في تضاد مع الكتب، وإنّما هي تكمّلها، وتمنحها بلاغة خاصة. أكتب هذا وأنا أتأمل تمثال الدرويش الموضوع بين مجلدات المثنوي لجلال الدين الرومي، والذي يبهج زواري أكثر من منظر المجلدات، حتى إنّ بعضهم يطلب مني إعارته المجلّدات ومعها التمثال الذي لم يعد بالإمكان فصله عنها".
وهو لا يزال في فضاء تلك الفراغات، يرى المؤلف أن بين كل نص ونص فراغ لنص آخر له أن يظهر بينهما، وعلى الرغم من أن عملية الاقتباس من الآخرين تقتل النص الجديد في تصوّره، إلا أن أي نص جديد هو نص حي إذا سرى في عروق نص آخر.. أما النص الذي لم ينشره مؤلفه، فيُفقد القارئ فرصته في امتلاك النص ومن ثم قراءته ونقده وتأويله وحتى الاعتراض عليه.. غير أن استيعاب أي نص بأصالته لا يتم عن طريق قراءته حرفياً، بل عن طريق قراءته قراءة ناقصة ملتوية.. وكما في فكرة التناسخ، فإن الكتب لديها أسلاف، تتجلى قيمتها في بعضها البعض، وكما أن الحبر الواحد يخط فقط كتابا واحدا، كذلك لا يُكتب كتابان من فكرة واحدة.. وكما في نظرية المُثل عند أفلاطون، فإن المكتبة هي الأصل في عالم المثل بينما الكتب في العالم الحسي ليست سوى النسخ.. وإذا كان من الكتب ما تتلبّسه لعنة ما، فيتعلق به القارئ بشكل مرضٍ، أو يعتبره كافياً فيستغني به عمّا سواه، أو لا يتمكّن من إنهائه في الأساس، فإن اللاقراءة كفن للقراءة، أو كفكرة العدم واستحالة بعث الموتى!
في المجمل، إن السياحة في المكتبة واكتشاف ما هو فوق رفوفها والتجول بين أرتال الإصدارات في مختلف صنوف المعرفة المتكئة على جدرانها، لهي المتعة التي لا تُضاهى.. وإن المكتبة ليست مجرد جدران تحتضن كتباً تُجمع بترتيب وتُنتظم في صفوف، ثم تُنتقى وتُقرأ وتُعاد، وقد تُباع أو تُعار أو تُهدى أو تُتلف، إنما هي كيان قائم بذاته بذوقها الذي لا يشبه مثيلاتها.. الكيان الذي يجعل من كل قارئ جزءاً لا يتجزأ منها.. وإن للمكتبة حياة خاصة، وإنها لحياة بأكملها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2436
| 04 مارس 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف الصاروخي الإيراني أدى لترويع المدنيين وإزعاج الآمنين - إيران فقدت الضوابط الأخلاقية التي تحكم علاقاتها الخليجية! - تخطئ إيران كثيراً عندما تخلط الحابل بالنابل وتستهدف دول المنطقة - الدوحة عملت بلا كلل أو ملل لإخراج إيران من أزماتها الخارجية - إيران خسرت تعاطف الرأي العام الخليجي لجارة تتعرض لعدوان صهيو أمريكي بداية.. أوجه تحية مطرزة بالفخر، إلى قيادتنا الحكيمة، وتحية أخرى، مغلفة بالشكر، لحكومتنا الرشيدة، على إدارتهم الناجحة، لملف الأحداث الدراماتيكية، التي تشهدها المنطقة. وحرصهم على امتلاك قطر، كافة القدرات الدفاعية، وتوفير كامل الإمكانيات التكنولوجية، وجميع المتطلبات اللوجستية، لحماية أمن الوطن والمواطن والمقيم، والتصدي الناجح لأي تهديد خارجي. والتحية موصولة، بسرعة «فرط صوتية»، إلى قيادات وزارة الدفاع، وضباطها ومنسوبيها، لنجاحهم في صد الهجمات الصاروخية الإيرانية، التي استهدفت بلادنا، وحسن تعاملهم الفوري، مع التحديات الأمنية، وإسقاطهم صواريخ العدوان، واصطياد مسيرات إيران، قبل وصولها إلى أهدافها. ولا بد من التأكيد، وإعادة التأكيد، على الحقيقة المؤكدة، بشكل أكيد، أن نجاح القوات المسلحة، في التصدي للصواريخ الإيرانية، هو نتيجة يقظة قطرية مستمرة، وعمل استباقي لا يتوقف، بعدما وضعتنا الجغرافيا، في جوار إقليمي مستهدف. ووسط هذه البيئة الحاضنة للتوتر، التي تعاني من التصعيد، يصبح الحفاظ على الأمن الوطني، هو العمود الفقري، لأي استقرار سياسي، وأي نجاح اقتصادي، وازدهار اجتماعي. والحمد لله، أن دولتنا باتت تملك واحدة، من أفضل منظومات الدفاع الجوي في العالم، وتتوفر لديها آخر ما توصلت إليه التكنولوجيات الدفاعية، والمستجدات العالمية، في هذا الشأن، وأثبتت الأحداث التي نعيشها، جودتها وحسن فعاليتها، وقدرتها على صد العدوان. وما من شك في أن الدعم اللامحدود، الذي يوليه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لتطوير القوات المسلحة، جعلها تمتلك قوة ردع متطورة، قادرة على حماية الأجواء، وصيانة الأرجاء، والتدخل السريع، للتصدي لأي تهديد خارجي محتمل، أو عدوان منفعل، أو إشكال مفتعل. ولعل الأحداث الأخيرة، التي نعيشها، والتطورات التي نشهدها، أكدت للقاصي والداني و«الدنيء»، صحة هذه الحقيقة، بعد نجاح دفاعاتنا الجوية، في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، بالإضافة إلى التعامل الناجح مع الشظايا والمخلفات الصاروخية. ويعد نجاح عمليات الاعتراض الدفاعي الفوري، أمراً يدعو للفخر، بقدرات قواتنا المسلحة المتطورة، التي أصبحت تعتمد في عملياتنا الدفاعية، على هيكل تكنولوجي معقد، ونظام متعدد، يتكون من نطاقات مختلفة، وطاقات متنوعة، تشمل الدفاع الصاروخي الجوي والأرضي والبحري، وكلها تغطي الأراضي القطرية، وتحمي مياهنا الإقليمية، وتدافع عن أجوائنا بفاعلية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يشمل الرادارات المتطورة، وأجهزة الإنذار المبتكرة، ذات الإشعارات، وصاحبة الإشارات المبكرة التي ترصد النشاطات الجوية المعادية، من مسافات بعيدة، خارج الأجواء القطرية، مثل «زرقاء اليمامة»، التي اشتهرت بامتلاكها جودة النظر، وحدة البصر. وفي داخل قطر، تستحق وزارة الداخلية، وضباطها وكوادرها، أن أوجه لهم التحية باعتبارهم «العيون الساهرة»، على أمن الوطن، وسلامة المواطن، وكل من يقيم ويسكن ويعيش آمناً في قطر. ولا شك في أن السياسات الأمنية الناجحة، التي تنتهجها وزارة الداخلية، والعمل البارز، الذي يقوم به رجالها، له دور مهم، في التصدي لمختلف التهديدات، ومواجهة جميع التحديات. ولا أنسى البيانات التوضيحية، التي تنشرها في هذه الظروف الطارئة، ولا أقول القاهرة، وحرصها على التنبيه، بأهمية رفع مستوى اليقظة الوطنية، في مختلف الأوساط المجتمعية. والتأكيد، على أهمية أن يتحول كل مواطن، إلى حارس للوطن، وهو في بيته، من خلال التزامه بالتعليمات والتوجيهات، الصادرة من الجهات المختصة، التي تساهم في تشكيل وتفعيل اليقظة الوطنية. وفي إطار هذه اليقظة المجتمعية، لا ينبغي الاعتماد على الأجهزة المعنية وحدها، رغم دورها المحوري في حفظ الأمن. ولكن، المناعة الحقيقية، والمنظومة الدفاعية، تنبع من داخل المجتمع الواعي، الذي يدرك، أنه شريك فاعل ومتفاعل، في الدفاع عن وطنه، حتى وهو في بيته. وفي سياق ذلك، يتحقق الأمن الكامل، والنظام الشامل، عبر الوعي الوطني، الذي نكون خلاله حراساً للوطن، بقلوبنا وعقولنا، وعيوننا ووعينا، وفهمنا وحسنا، لما يجري حولنا، بعد استهداف دولتنا، بالصواريخ والمسيرات الإيرانية. وهنا تبرز نقطة محورية، يجب النظر إليها والوقوف عندها طويلا، وهي مدى مشاعر الاحترام الكبير لدور قطر في المجتمع الدولي، وجهودها الاستثنائية لإشاعة أجواء الأمن والاستقرار، منذ أن اتخذت مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية والدبلوماسية الوقائية، والمساعي الحميدة بين جميع الدول، بعيدا عن الأثنيات أو القوميات أو الديانات، كأولوية في سياستها الخارجية، وهو التزام دستوري لدولة قطر، جعل من فض المنازعات بالطرق السلمية ركنا أساسيا من أركان سياستها الخارجية، وخير دليل على ذلك اتصالات قادة وزعماء العالم المستمرة بحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإدانتهم العدوان الإيراني الغاشم. وما من شك في أن الاستهداف الصاروخي الإيراني، الذي شمل عواصم وحواضر مجلس التعاون، يعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، وتجاوزاً على القانون الدولي، وعدواناً سافراً على ميثاق الأمم المتحدة. وهو يدخل في سياق السياسة الحمقاء، والدبلوماسية الخرقاء، التي باتت إيران تتعامل بها مع جيرانها. والمؤسف أن الاعتداءات الصاروخية الإيرانية المتواصلة، أدت إلى ترويع المدنيين، وإزعاج الآمنين، والإضرار بمشاعر الساكنين. وبهذه الأفعال، أقولها بلا انفعال، إن إيران خسرت كثيراً من مكانتها في دول الخليج العربية. وخسرت الكثير من الثقة المتآكلة في نظامها السياسي. وخسرت الكثير من التعاطف الخليجي معها. وخسرت الرغبة، في مساعدتها لتسوية أزماتها الداخلية والخارجية، وما أكثرها. وخسرت تحسين علاقاتها مع جيرانها. وتخطئ إيران كثيراً، عندما تخلط الحابل بالنابل، وتستهدف دول المنطقة، بصواريخها وطائراتها المسيرة. وهي بذلك، تخسر تعاطف الرأي العام الخليجي، بحكم أنها جارة، تتعرض لعدوان «صهيوأمريكي». لكن اعتداءاتها على جوارها الإقليمي، تؤكد أنها تريد إشعال المنطقة، وإشغال سكانها، بمشاكلها مع الولايات المتحدة. وبهذه الأعمال العدائية الإيرانية، تثبت إيران أنها جارة جائرة، لا تستحق الثقة. ولا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً، في منظومة الأمن الإقليمي، أو التعاون السياسي، حاضراً ومستقبلاً. وأستطيع القول، إن إيران، خسرت علاقاتها مع دول وشعوب الخليج العربي الذين كانوا يتعاطفون معها، ويحاولون التوصل إلى تسوية سلمية لمشاكلها مع الإدارة الأمريكية، وأزماتها المزمنة مع الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الجمهورية الإيرانية، دخلت مرحلة اللاوعي، وفقدت الضوابط الأخلاقية والسياسية، التي تحكم علاقاتها مع دول الخليج العربي، وأصبحت تتصرف بلا توازن سياسي، وبلا اتزان قانوني، وكأن من يحكمها الآن، عصابة خارجة على القانون وخصوصاً بعد قيامها باستهداف سلطنة عُمان بصواريخها ومسيراتها، وضرب ميناء «الدقم»، التابع للسلطنة. وهي الدولة المسالمة، التي كانت تتوسط لها، وتسعى لإيجاد الحلول السياسية، لبرنامجها النووي، والوصول إلى تسوية سلمية، لمشكلتها الكبرى مع الإدارة الأمريكية. وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا يوجد أي تفسير، لقيام إيران باستهداف ميناء «الدقم» العُماني، المخصص للنشاط التجاري وليس العسكري، وضرب الميناء بطائرتين مسيرتين، استهدفت إحداهما سكن عمال متنقلا! بالإضافة، إلى هجومها غير المبرر، على ناقلة النفط «سكاي لايت»، شمال ميناء «خصب»، بمحافظة «مسندم» العُمانية. ولا يمكن لأي مراقب محايد، تبرير استهدافها إحدى صالات المطار في الكويت. ولا يستطيع أي متابع تمرير، استهدافها أحد المباني السكنية في البحرين. أو استهداف، أحد الفنادق في دبي. ووسط هذا التدوير العدواني، والتدمير الإيراني، لا يمكن السكوت، أو السكون، على أفعال طهران العدائية، وأعمالها العدوانية، ضد العواصم العربية والحواضر والمدن الخليجية، وخصوصاً الدول التي سعت بكل جهدها، لإيجاد تسوية عادلة للملف النووي الإيراني، يحفظ كرامة الجمهورية الإسلامية. وحسناً فعلت وزارة الخارجية، عندما استدعت السفير الإيراني، وأبلغته برسالة قطرية حازمة، ذات مفردات حاسمة، وعبارات واضحة، عبرت خلالها عن احتجاجها الشديد، واستيائها البالغ، ورفضها القاطع، واستنكارها الواسع، لاستهداف أجواء وأراضي قطر، بالصواريخ والمسيرات الإيرانية. وإدانتها، لهذا الفعل العدواني، الذي يشكل انتهاكاً سافراً لسيادة قطر، وتعدياً على حدودها، وتهديداً لأمنها، وترويعاً لأهلها، ورعبا لسكانها، وخرقاً صارخاً للقانون الدولي. وتم خلال الاستدعاء، ولا أقول الاستعداء، التأكيد، بأن هذا العدوان، يعد تصرفاً طائشاً، يتنافى تماماً مع مبدأ حسن الجوار، والعلاقات الودية، بين البلدين. لا سيما أن الدوحة، عملت بلا كلل أو ملل، أو وجل، أو عجل، لدعم الحلول الدبلوماسية، لإخراج إيران من أزماتها الخارجية. وسعت جدياً، لخفض التصعيد جذرياً، وتصرفت بمسؤولية أخلاقية، للحفاظ على المصالح الإيرانية. وبذلت المساعي الدبلوماسية الحثيثة، والجهود السياسية الصادقة، لخفض منسوب التصعيد في المنطقة. ثم فوجئت، مثل غيرها من عواصم الخليج، بأن إيران، تستهدفها بصواريخها ومسيراتها. وهذا يثبت تصرفها الطائش ضد دول مجلس التعاون، الذي لا يغيض صناعة، ولا يقل جودة، ولا ينقص كفاءة عن منسوجاتها وأعمالها المعدنية، وحياكة خيوط سجاداتها الفارسية !
1089
| 02 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1053
| 04 مارس 2026