رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»، وهي عبارة قد تبدو صحيحة في ظاهرها، لكنها لا تعكس الحقيقة الكاملة حين يتعلّق الأمر بسلع إستراتيجية كالنفط والغاز. فقراءة الأرقام خارج سياقها الجيوسياسي والاستثماري والحيوي قد تؤدي إلى استنتاجات مضللة، خاصة عندما تُبنى على نماذج تحليلية تركز على منظور المستهلك أو اللاعب السياسي المتحكِّم، متجاهلة طبيعة القطاع وديناميكياته المعقدة، وجهود المنتجين والمطورين، وحجم الاستثمارات الضخمة. فالنفط والغاز ليسا مجرد سلعتين خاضعتين لمنطق العرض والطلب التقليدي، بل هما ركيزتان أساسيتان للأمن الطاقوي العالمي، وأداتان سياديتان تمتلكان تأثيراً عميقاً على الاستقرار الاقتصادي والإستراتيجي للدول. لذا، فإن التعامل معهما بمعزل عن هذه الأبعاد يؤدي إلى رؤية قاصرة تتجافى مع الواقع التشغيلي. وانطلاقاً من هذا الفهم، يبرز خلل واضح في توزيع المخاطر والعوائد؛ فالمنتجون والمستثمرون يتحملون العبء الأكبر عبر ضخ مئات المليارات في الدراسات والاستكشافات الجيولوجية المعقدة، والحفر، والتطوير،، وصولاً إلى بناء البنى التحتية العملاقة التي تمتد من المنبع (Upstream) إلى المصب (Downstream)، لضمان استقرار الإمدادات على المدى الطويل. وفي المقابل، تحصد الدول الصناعية والمستهلكون فوائد إمدادات طاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة تعزز تنافسيتهم الاقتصادية، كما تجني حكوماتها عوائد ضريبية وتنظيمية قد تفوق بكثير ما تحمله الأطراف المنتجة من أعباء مالية ومخاطر تشغيلية. هذا الواقع يدفع إلى تساؤل مشروع حول مدى عدالة توزيع المخاطر والعوائد في قطاع حيوي يستفيد منه الجميع، وخاصة الدول الصناعية المستهلكة التي تعتمد عليه في تشغيل صناعاتها وتأمين استدامة الطاقة ورفاهية مواطنيها. وفي هذا السياق غير المتوازن، تظهر التحديات الرئيسية التي تواجه صناعة الغاز الطبيعي المسال LNG اليوم. فالإشكالية ليست في التوسع بحد ذاته، بل في منهجية التخطيط له وإدارة الاستثمارات المرتبطة به. فالاندفاع نحو ضخ استثمارات ضخمة بناءً على توقعات وتقارير قد لا تراعي مصالح جميع الأطراف، يمكن أن يؤدي إلى فائض في المعروض يضغط على الأسعار سلباً، ويحوّل منشآت بمليارات الدولارات إلى أصول معطلة أو شبه معطلة. وتتعمق هذه الإشكالية مع الاعتماد على “المعلومات المُسيَّسة”، حيث لا تُبنى التوقعات دائماً على أسس اقتصادية أو تسويقية بحتة، بل قد تُصاغ لخدمة مصالح الدول الصناعية المستهلكة؛ سواء عبر الترويج لشح الكميات والحاجة الملحة للاستثمارات، أو الترويج لوفرة المعروض لضمان أسعار منخفضة، أو من خلال المبالغة في وتيرة التحول نحو الطاقة الخضراء المتجددة، مما يخلق ضغوطاً غير متوازنة على الدول المنتجة واستثماراتها تحت غطاء أهداف مناخية قد لا تراعي واقع الموازنات الطاقوية. وقد تجلى هذا النمط سابقاً في الخطاب الذي روج لأفول الطاقة النووية وتصويرها كخيار غير مستدام، قبل أن تعيد العديد من الدول الصناعية – مثل اليابان وألمانيا – الاعتبار لها كخيار إستراتيجي أساسي لأمن الطاقة بعد أزمات جيوسياسية كشفت هشاشة الاعتماد على مصادر وحيدة. كما شهدنا تصحيحاً مماثلاً في الموقف من الفحم، الذي عادت العديد من الدول الأوروبية إلى استخدامه بشكل مكثف بعد الحرب الروسية– الأوكرانية، بعد أن كان يُصنف كمصدر “منتهي الصلاحية”. وهذا التحول يكشف محدودية التوقعات التي تبني إستراتيجياتها على افتراضات نظرية بعيدة عن الواقع الجيوسياسي.
وتزداد حساسية هذه التحديات في قطاع الغاز الطبيعي المسال LNG نظراً لارتفاع كثافته الرأسمالية ومحدودية مرونته التشغيلية مقارنة بالنفط. فمحطات الإسالة والسفن الناقلة تمثل استثمارات ضخمة يصعب إعادة توظيفها أو تعليقها عند حدوث فائض مفاجئ، كما أن طبيعتها التعاقدية طويلة الأجل تجعل أي اختلال في التوازن تهديداً مباشراً لاستدامتها المالية. ولا يقتصر أثر هذا الاختلال على قطاع الغاز وحده، بل يمتد إلى الصناعات التحويلية المرتبطة به، كالبتروكيماويات، التي تواجه ضغوطاً تنافسية شديدة في ظل تقلبات الأسعار وانخفاضها تحديداً.
من هذا المنطلق، يجب أن تركز الأولوية الإستراتيجية على حماية الاستثمارات القائمة والمستقبلية من خلال:
* ربط التوسع بعقود شراء طويلة الأجل وموثوقة تضمن تدفقات نقدية مستقرة.
* اعتماد نمو مرحلي ومتدرج يتماشى مع نمو الطلب الفعلي في الأسواق.
* تنويع الأسواق وقاعدة العملاء لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرافقة لبعض المناطق.
* تبنّي سياسات تسعير متوازنة تأخذ في الاعتبار التكاليف الرأسمالية العالية والمخاطر التشغيلية الكبيرة.
* تبني نموذج “الارتباط العضوي” و”التكامل العمودي نحو الأسفل” (Downward Vertical Integration) عبر الاستثمار المباشر في محطات (Regasification) داخل الدول المستهلكة؛ وبذلك يتحول المنتج إلى “شريك إستراتيجي” في الشبكات الوطنية.
* تعظيم القيمة المضافة عبر “مجمعات التصنيع المجاورة”: بإنشاء مناطق صناعية (Industrial Hubs) بجوار محطات الإسالة تعتمد على الغاز اللقيم (Feedstock)، مما يقلل تكاليف النقل ويخلق قيمة مضافة محلية.
* دراسة مقابلة الأعباء الكربونية المفروضة على صادرات الغاز بآليات مماثلة تُطبق على المنتجات الصناعية والبتروكيماوية المستوردة، لضمان ميزة تنافسية عادلة.
وكجزء من هذا التحرك الإستراتيجي، يجب التفكير بشكل استباقي في احتمالية عدوى انتقال السياسات الضريبية والرسوم المرتبطة بالانبعاثات الكربونية من الأسواق الأوروبية إلى الأسواق الآسيوية الرئيسية التي تستهلك الغاز بمستويات استهلاك مرتفعة، مثل اليابان وكوريا والصين والهند، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على الجدوى الاقتصادية لمشاريع الغاز المسال الضخمة والمستقبلية.
وختاماً، يقف قطاع الغاز الطبيعي المسال اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتطور إلى نموذج استثماري متوازن يقوم على شراكات طويلة الأجل تحقق استقراراً للمنتجين والمستهلكين والمصنعين، أو أن ينزلق إلى فخ “الدورة التقلبية” التي عانى منها النفط والفحم، حيث تؤدي الاستثمارات المفرطة إلى فائض معروض يهوي بالأسعار ويُعرض المشاريع للخطر. وعلى الدول الصناعية المستهلكة أن تدرك جيداً بأن “شح” الاستثمارات الضخمة في قطاع الغاز هو في الواقع أخطر بكثير من وفرة المعروض منه؛ لأن وفرة المعروض أزمة سعرية عابرة، أما شح الاستثمار فهو أزمة وجودية لأمن الطاقة العالمي. وعليه، فإن السؤال الجوهري للمرحلة المقبلة لا يتمثّل في: «كم سنبيع؟»، بل في: «لمن سنبيع؟ وبأي شروط تعاقدية وتمويلية تضمن استدامة هذه الاستثمارات العملاقة على مدى عقود؟».
القيم الثقافية والتغير الاجتماعي
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات المشتركة التي تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتوجيه سلوك أفراده،... اقرأ المزيد
171
| 16 فبراير 2026
العالم بعد ويستفاليا.. بين تفكيك القواعد وإعادة التأسيس !
منذ توقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648، وُضع الأساس النظري للنظام الدولي الحديث: سيادة الدولة، عدم التدخل في شؤونها... اقرأ المزيد
291
| 16 فبراير 2026
المتقاعدون.. وماجلة أم علي
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء... اقرأ المزيد
612
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
2886
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1914
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1662
| 10 فبراير 2026