رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد أحد يشك في الانعراج السياسي الغربي إلى اليمين وربما الى التطرف العنصري مضحيا بقيم العدالة والمساواة التي كانت دائما منارة الغرب الديمقراطي حتى جاء انتخاب دونالد ترامب يوم 8 نوفمبر 2016 على رأس الإدارة الأمريكية منذ 7 سنوات مؤذنا بانعطاف عديد الدول الغربية نحو اليمين لا أقول المتطرف بل المنفلت أو غير المعترف بالقانون الدولي أو المدلس للتاريخ أو المغرر بالجماهير أو الكذاب على الناس! وأذكر أنه منذ عقود قال أكبر علمائهم عالم الأنثروبولوجيا (كلود ليفي ستراوس) بأن العنصرية لا يعتنقها سوى الجهلة محدودي المعرفة فيتوهمون أنهم ينتمون إلى حضارة أرقى بينما كما جاء في كتاب (ليفي ستراوس):»ليس هناك حضارة أرقى من حضارة وكل ما في الأمر أن الأمم تهتدي الى أجوبة مختلفة على الأسئلة الأبدية المطروحة على الإنسان أينما كان كالموت والدين وطلاسم الكون». وهذا الانعطاف الخطير لليمين العنصري الذي يشهده الغرب بجناحيه الأمريكي والأوروبي لا يبشر بخير للسلام العالمي ولا يخدم مصالح هذا الغرب نفسه.
لماذا إذن انعطفت بعض النخب الطامحة للحكم نحو هذه المسالك الوعرة التي تؤذن بتدمير الجسور الباقية بين الأمم وتشييد جدران العار الجديدة بين الحضارات؟ وأنا بصراحة فوجئت وصدمت من تنامي الخطاب الشعبوي الأوروبي كما يمثله رئيس الحكومة المجري (فكتور أوربان) وأيضا حين سمعت المرشح اليميني الفرنسي للرئاسة (فرنسوا فيون) يقول في اجتماع عام بمناصريه: لا يحق لكم أن تشعروا بأنكم مذنبون أو متهمون حين استعمرتم شعوبا أخرى لأنكم فقط تقاسمتم ثقافتكم مع تلك الشعوب في المشرق العربي وشمال إفريقيا وآسيا وإفريقيا جنوب الصحراء! واليوم عام 2023 تواصل اليمينية المتطرفة (مارين لوبان) ما بدأه أبوها من ميز عنصري شاركها فيه رجل غريب من أصول يهودية جزائرية اسمه (إيريك زمور) و مع الأسف استعمل وزير داخلية فرنسا السيد (دارماران) تقريبا نفس الحجج الاسلاموفوبية. نعم هكذا وصف الفرنسيون المتطرفون مغامرة الاستعمار (مجرد تقاسم الثقافة…الله يكثر خيرهم) أي في رأيه لم يكن الاستعمار سوى تفضل ومكرمة من الثقافة الفرنسية التي سمحت لأممنا المستضعفة المحتلة أراضيها وشعوبها بأن تتقاسمها مع أصحابها الأصليين حتى تصبح هذه الأمم المستعبدة متمدنة متقدمة (مثقفة)! لكن ليس هذا رأينا نحن أبناء الشعوب التي عانت ويلات الاستعمار ولا ما ترسخ في ذاكرة أجيالنا عن مرحلة الاستعمار! فالمغرب الإسلامي بدأ يرزح تحت نير الاحتلال منذ 1830 وبعد الاحتلال فرضت فرنسا على الجزائريين قانون الأهالي.
كان من نتائج الهجمة الاستعمارية الشرسة التي تعرضت لها المؤسسات التعليمية والوقفية والدينية، نضوب ميزانية التعليم وغلق المدارس وانقطاع التلاميذ عن الدراسة وهجرة العلماء. وبذلك فإن رسالة فرنسا في الجزائر كانت هي التجهيل وليس التعليم، مما يمكن الفرنسيين من جعل الجزائر، أسهل انقيادا وأكثر قابلية لتقبل مبادئ «الحضارة الغربية» وقيمها التي يقدمونها بنعت (كونية)! ولا تختلف السياسة التعليمة الفرنسية في الجزائر عبر مختلف مراحل الوجود الفرنسي عسكريا كان أو مدنيا، لأنها كانت أهدافا واحدة وإن اختلفت التسميات ثم بدأت ممارسات القتل الجماعي مثلما فعل الجنرال (بيليسييه) حين أمر بإحراق قبيلة بني رياح كاملة بكل أفرادها الألف حين هربوا للمغارات الجبلية فأمر هذا الجنرال أن تسد كل منافذ المغارات وتوقد النيران وكان يقول لجنوده حسب رواية المؤرخ الفرنسي (أوغستان برنار): “اقتلوهم مخنوقين بالدخان مثل الثعالب وصغار الثعالب في جحورها ” وتبعت تلك المذابح فظائع أخرى والتي بلغت مستوى الإبادة كما وقع في مذبحة سطيف يوم 8 مايو 1945 حيث بلغ عدد الشهداء 45000 و مجزرة نهر السين في باريس يوم 17 اكتوبر 1961 حيث قتل حوالي الف جزائري بالرصاص او غرقا في النهر ثم تواصلت حرب الإبادة العرقية سنوات الجمر أثناء الحرب التحريرية باعتراف الجنرالات الفرنسيين بممارسة التعذيب والاغتصاب والقتل (كتبهم منشورة اكثرها صراحة كتاب الجنرال (أسوراس) الذي اعترف بقتل المقاومين تحت التعذيب عام 1957 أثناء حرب التحرير). ما يزال جرح الاستعمار نازفا ولعل آخر ممارسات التسلط الفرنسية تجريب القنبلة الذرية الفرنسية في صحراء الجزائر واعتبار المواطنين المسلمين القاطنين في ضواحي الانفجارات الذرية فئران تجارب. نفس السيناريوهات الرهيبة تكررت في تونس والمغرب وبلدان جنوب الصحراء الإفريقية وفي فيتنام الذي انتصر على الاستعمار الفرنسي في موقعة (ديان بيان فو) في 7 مايو 1954 وانتصر على الاستعمار الأمريكي بتحرير (سايجون) في 30 أبريل 1975 وهي عاصمة جمهورية فيتنام الحالية باسم (هو شي منه) على اسم الزعيم البطل في الحربين ضد الأمبراطوريتين الفرنسية والأمريكية. إن انعطاف النخب السياسية نحو اليمين في أوروبا وأمريكا يطمس التاريخ ويمسح الذاكرة من أجل مكاسب سياسية انتخابية لأننا لو أخذنا فقط مثال المساهمة المغاربية في تحرير فرنسا ذاتها من الاحتلال النازي الألماني لأدرك الفرنسيون الشباب بأن أجداد جيرانهم المغاربيين ساهموا في الحرب الأخيرة ضد المحتلين الهتلريين لبلادهم حينما كلف الجنرال ديجول زعيم المقاومة الشعبية الفرنسية رفيقه الجنرال (لوكلارك) بتجهيز جيش من شباب التوانسة والجزائريين والمغاربة والسنغال في مايو 1944 والإبحار من السواحل المغاربية نحو مدينة (تولون) والشروع في تحرير جنوب فرنسا الى بلوغ العاصمة باريس (وهو ما يعرف باسم كتائب لوكلارك) كما قاتل العرب المجندون في الجيش الفرنسي منذ 1914 و 1939 ومات مئات الآلاف منهم في ساحات وغى مستعمرهم وفي حروب دموية لا ناقة لهم فيها ولا جمل دون أي اعتراف بفضلهم كما مات الآلاف من جيل ابائنا وهم عمال بناء في صقيع فرنسا ليشيدوا طرقاتها السريعة ويحفروا أنفاق المترو…منذ الهجرات الشرعية الأولى في الخمسينات والستينات. وبالطبع لم يخرج المستعمرون من بلادنا إلا بعد تنصيب وكلائهم الذين التزموا بمواصلة غسيل عقول شعوبهم وتغريبها ومحو هوياتها فغيبوا زعماء الاستقلال الرواد الأصيلين أمثال مصالي الحاج في الجزائر و عبد العزيز الثعالبي في تونس والملك الصالح محمد الخامس في المغرب ليحل محلهم شباب تكون في المدارس الاستعمارية وضمنوا للاستعمار البقاء بعد استقلالات منقوصة.
واليوم في دول أوروبية عديدة يتصاعد اليمين المتطرف كنتيجة نتفهمها لعمليات إرهابية منعزلة ندينها ونستنكرها رفعت شعارات دينية ولكن ضحاياها كانوا ايضا من المواطنين مسلمي أوروبا المسالمين مما يؤكد أن الإرهاب الأعمى يضرب بلا تمييز وما هو سوى نتاج الإستبداد الذي حكم شعوبنا منذ ما يسمى استقلالا ونتاج ما سنته الدول الغربية من سياسات ترهيب الشعوب منذ 11 سبتمبر 2001 الى اليوم وترك الحبل على غارب اليمين الإسرائيلي بقتل الفلسطينيين في قطاع غزة واشاعة القنوط من أوهام العدل العالمي والقانون الدولي والمجازر ترتكبها حكومة ناتنياهو المتطرفة آخرها في قرية حوارة جنوب نابلس منذ أيام قليلة!
خطب مكررة... وقضايا تنتظر المنبر
أصبحت خطب الجمعة في كثير من الأحيان متشابهة إلى درجة أنك تكاد تتوقع موضوع الخطبة القادمة قبل أن... اقرأ المزيد
78
| 19 فبراير 2026
التكلفة الخفية للإدارة داخل المؤسسات
قد تبدو المؤسسة ناجحة على الورق، أرقام مستقرة ومشاريع مستمرة، لكن ما لا يُرى أحيانًا هو ما يُنهكها... اقرأ المزيد
51
| 19 فبراير 2026
لماذا المناطق الحرة القطرية؟
أقر قانون المناطق الحرة الاستثمارية ٢٠٠٥/ ٣٤ للشركات والكيانات التي تسجل أنشطتها تحت إشراف هيئة المناطق الحرة؛ العديد... اقرأ المزيد
90
| 19 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6204
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1962
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
945
| 16 فبراير 2026