رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

951

إبراهيم عبد المجيد

المرأة التي قالت لهتلر لا

03 أبريل 2025 , 02:00ص

هذا عنوان كتاب صغير صدر هذا العام عن دار صفصافة بالقاهرة، تخيلته رواية قصيرة ثم رأيت على الغلاف كلمة «سيرة»، فقرأته في شغف لأعرف من هي هذه المرأة التي تستحق كتابا ولو صغيرا. خاصة أننا نعرف ما فعله هتلر، ليس بالمعارضين فقط، لكن بالأسرى في الحروب، وبذوي العاهات الذين كان يقتلهم لتخلو المجتمعات من المعاقين، ما فعله باليهود معروف رغم المبالغة في حجم الأعداد، لكني أتذكر ما يفعله الصهاينة في أهل غزة وغيرهم الآن، وكيف جعلوا من هتلر رسولهم، لذلك لا أعيده. الكتاب للكاتب الألماني وولفجانج مارتن روث الذي يعيش في النمسا، ومن ترجمة الدكتورة إشراقة مصطفى حامد التي تعيش في النمسا أيضا.

وجدت أن سؤالي عن هذه المرأة التي قالت لا لهتلر، قد شغل الكاتب منذ رآها وهو يمشي طفلا مع أبيه، الذي أشار إليها وذكر ذلك لزوجته، وحين أخذه الفضول ليعرف حكايتها، قال له أنت صغير لن تفهم ذلك، ظل هذا السؤال كامنا، ليقفز بعد خمسين سنة، حين كانت زيارته لقرية «التاوسي» التي عاشت بها المرأة بالنمسا. هل كانت امرأة حقيقية وكيف عاشت، رحلة بحث في الصحف القديمة وبين الناس، وكيف أن اسمها هو ماريا هايم كوسلر، لكن أطلقوا عليها اسم «الرافضة «.

* تبدأ الحكاية مع إعلان هتلر ضم النمسا إلى ألمانيا بعد غزوها عام 1938. وهذا القرار بالمناسبة كان سبب اشتعال الحرب العالمية الثانية المباشر، كما عرفت من قراءاتي وأنا أكتب روايتي» لا أحد ينام في الإسكندرية». كيف بعد أن أعلن هتلر عن هذا الضم، أقام استفتاء بين السكان، ومنهم أهل قرية التاوسي، في أبريل من نفس العام، ليعطي الضم شكلا ديمقراطيا. كان هناك 1225 صوتا في التاوسي صوتوا كلهم بنعم، ماعدا صوت واحد قال لا. كان هو صوت الفتاة ماريا هايم كوسلر التي كانت في الواحدة والعشرين من عمرها، فهي من مواليد 1917، لم يكن المؤلف يصدق أنها يمكن أن تعيش بعد ذلك، لكن هذا ما حدث. من خلال رحلة البحث في الصحف القديمة أو الناس، نرى علامات كثيرة مما يفعله كل ديكتاتور، منها الاحتفالات التي تملأ الشوارع بقراره، وتقوم بها جماعات من إنتاجه للشباب والكبار، يذكرها المؤلف كلها. أو تأييده من رجال الدين، وهنا تأييد الكنيسة له في بيانات تجعله أقرب إلى المهدي المنتظر. هذه أشياء رأيناها، ورأيتها أنا في مصر، ومنها الحشود التي كانت تخرج مدفوعة الأجر تأييدا للزعيم، جاء ذكرها في رواياتي.

لم يقتلوها حقا، لكن انصرف الجميع عنها، وصارت كما قلت يشار إليها بالرافضة، حتى أنها تزوجت في الثالثة والأربعين، وعاشت آخر أيامها في مركز رعاية لكبار السن مع زوجها، حتى ماتت عام 1986، وبعد أن دُفنت مع أختها نزعت اللوحة التي بها اسمها. يكتشف الكاتب ذلك كله، ويقدم صورا للوثائق وغيرها، لكن بعد صدور الكتاب لأول مرة عام 2017، يتم إعادة اللوحة إلى المقبرة، ويتم تكريمها في الإعلام، وبلوحات فنية تذكارية لها.

كانت كما أخبره قليل ممن عرفوها كاثوليكية، لكن ديانتها في قلبها، ومن ثم فرفضها لم يكن وراءه أي سبب سياسي أو ديني، لكنه أشبه بتحذير من أنقياء الروح، أو نبوءة بالقادم. هكذا رآه المؤلف وهو على حق. ورغم أنه لا أحد يدرك النبوءات إلا بعد حدوثها، يبقى ما فعلته هذه المرأة، رغم ما يبدو من بساطته، درس التاريخ الذي لا يفهمه الطغاة، ولا من يصنعونهم.

مساحة إعلانية