رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

255

د. أحمد المحمدي

فن الرد... الواجب الغائب

04 يوليو 2026 , 11:08م

تابعت مناظرة بين موحد وملحد، فلم أخرج مشغولا بما قيل، بل بما لم يقل؛ ذلك أن الحق لا يُهزم إذا ضعف برهانه، وإنما إذا عجز أهله عن إقامة برهانه؛ وحينئذ يتوهم الناس أن الهزيمة هزيمة الفكرة، وما هي إلا هزيمة المعبر عنها.

إن فن الرد ليس مهارة في الجدل وحسب، بل هو علم في معرفة موضع الحجة؛ لأن المعركة لا تحسم بكثرة ما يقال، وإنما بإصابة ما يجب أن يقال؛ فكثير من الناس إذا سمع شبهة، ظن أن عليه أن يجيب عن كل جزئية فيها، فينتقل مع خصمه من فرع إلى فرع، حتى يصبح تابعًا لطريقة خصمه في التفكير، بينما العقل المحكم لا يبدأ من حيث يريد الخصم، بل من حيث يجب أن يبدأ البرهان؛ فهو يبحث عن الأصل الذي قامت عليه الدعوى، فإن وجده هدمه، ولم يحتج بعد ذلك إلى مطاردة الفروع؛ وهذا هو منهج القرآن في بناء الحجة؛ فلم يكن القرآن يطارد دعاوى المشركين واحدة واحدة، ولا يجيب عن كل شبهة على انفراد، وإنما كان يردها إلى أصل واحد، فإذا بطل الأصل، بطلت جميع نتائجه. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، ثم كشف وجه البرهان بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ فالقرآن لم يناقش كل معبود زعموه، وإنما أثبت أن تعدد الآلهة يقتضي تعدد الإرادات، وتعدد الإرادات يفضي إلى التنازع، والتنازع يورث الفساد، فلما ثبت انتظام الكون، ثبت أن مدبره واحد فكان برهانًا واحدًا كافيًا لإسقاط دعاوى كثيرة.

ولما احتج الخوارج بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، جعلوا هذه الآية أصلًا بنوا عليه تكفير المسلمين واستباحة دمائهم. ولو أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما دخل معهم في مناقشة كل شبهة، لما انتهى الجدل؛ لذا التفت إلى أصل استدلالهم، وردهم إلى القرآن نفسه، فتلا قوله تعالى في جزاء الصيد للمحرم: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وتلا قوله تعالى في الإصلاح بين الزوجين: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، ثم قال: أتحكيم الرجال في أرنب أعظم، أم في إصلاح دماء المسلمين؟ فما أتى بدليل من خارج القرآن، وإنما أثبت أن الله الذي قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ هو نفسه الذي شرع تحكيم الرجال في مواضع أخرى. فسقط فهمهم للآية، وسقط ما بنوه عليها من تكفير وقتال، ورجع بسبب تلك المناظرة خلق كثير منهم.

وفي الأدب العربي، افتخر الفرزدق بقومه، فقال:

إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا

بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ

بَيْتًا بَنَاهُ لَنَا الْمَلِيكُ وَمَا بَنَى

حَكَمُ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ

بَيْتًا زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ

وَمُجَاشِعٌ وَأَبُو الْفَوَارِسِ نَهْشَلُ

فلم يشأ جرير أن يقابله بمثل فخره، لأن ذلك لا ينتهي إلا إلى مفاخرة أخرى، وإنما أمسك بالخيط الذي يحمل القصيدة كلها؛ فقد كان العرب يعلمون أن الزبير بن المغشم قُتل في جوار بني مجاشع، والجوار عندهم أعظم عناوين الشرف. فقال جرير:

أخزى الذي سمك السماء مجاشعًا

وبنى بناءك في الحضيض الأسفل

قتل الزبير وأنت عاقد حبوة

تبا لحبوتك التي لم تحلل

لم تكن عبقرية جرير في قلب ألفاظ الفرزدق فحسب، بل في أنه هدم الأساس الذي قامت عليه القصيدة كلها. فالفرزدق لم يكن يفتخر بالأنساب مجردة، وإنما كان يفتخر بأن قومه أهل سيادة ونجدة ووفاء، فلما أثبت جرير أنهم عجزوا عن حماية مستجيرهم، لم يعد لتعداد الأمجاد والبطولات معنى.

إن من أعظم الواجبات الغائبة اليوم أن نعلم أبناءنا فن الرد؛ لا كيف يغلبون الناس في الجدل، بل كيف يحسنون بناء البرهان؛ أن نعلمهم كيف يفرقون بين الحجة والشبهة، وبين الأصل والفرع، وبين السؤال الحقيقي والسؤال الذي لا يراد به إلا التشتيت.

فليس كل اعتراض يستحق جوابًا طويلًا، وليس كل شبهة تستحق أن نمنحها مساحة من التفكير، وإنما الحكمة أن تعرف موضع الدليل، ثم تضعه حيث يجب أن يوضع؛ فرب كلمة أبطلت كتابًا، ورب سؤال هدم مذهبًا، ورب دليل واحد أغنى عن مائة دليل. ومن عرف موضع الجواب، استغنى عن كثرة الكلام، فإن البلاغة ليست في وفرة الألفاظ، وإنما في إصابة الحقيقة.

مساحة إعلانية