رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا بد أولا من الاعتراف بالحق لأهل الحق، قلت وما زلت أقول منذ تأسيس قناة الجزيرة إن الشعار الذي رفعته (الرأي والرأي المخالف) هو في حد ذاته مشروع حضاري للأمة وأحمد الله تعالى أن أتاح لي فرصة مواكبة ذلك الحدث الفاصل الذي قطع مع تقاليد الرأي الواحد والعقل المعتقل، بل ساهم بقوة في تحرير المفكرين والإعلاميين والسياسيين العرب حين أظهر وجوههم على الشاشة وأوصل رأيهم لمواطنيهم وتعرفت عليهم شعوبهم (ومن بينهم وجهي ورأيي) وتعود العرب منذ نشأة الجزيرة على التعايش مع مناخ الحرية، جزى الله ألف خير تلك الكوكبة الجريئة من حكام دولة قطر والتي فتحت كوة في جدار سميك من التعتيم والقمع. كما يجدر بنا ذكر جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي وهي تكافئ سنويا أفضل الترجمات التي تساهم في تلاقح الثقافات وإحياء عمليات التعارف الحضاري بين الأمم. ومن جهة ثانية أذكر لكم أنه على مدى عقود مضت كنت من قراء أستاذنا الكاتب والمفكر المعتدل المصري فهمي هويدي على صفحات بعض الصحف العربية ونعرف جميعا أن الرجل لم يكن لا متطرفا ولا متعصبا ولا رافضا للحوار بل كان دائم التفتح للرأي المخالف وأتذكر أننا اشتركنا أنا وهو في تأسيس لجنة دولية لمناصرة المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي عام 1998 حين حوكم في باريس بتهمة مخالفة قانون (غايسو) بنشره لكتاب (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) وكان لنا سويا لقاء مطول مع جارودي في دبي حين دعتنا صحيفة البيان الإماراتية لتنشيط أمسية ثقافية حول حرية الرأي وعسف القانون الفرنسي. ثم وفجأة سكت فهمي هويدي عن الكلام المباح ولم ينشر مقالا أو تدوينة منذ 2013 تزامنا مع التغيير الذي طرأ على النظام آنذاك! 10 سنوات عجاف من صمت مفكر عربي بحجم فهمي هويدي أعتبره شخصيا ويعتبره قراؤه الكثيرون خسارة للثقافة العربية وانتصارا مؤقتا لمن أخرسوه أو اضطروه لقطع لسانه بنفسه إلى حين. ومنذ أيام زار فهمي هويدي الدوحة بدعوة كريمة من قناة الجزيرة ومن المركز القطري للصحافة وكان له مع جمهور قرائه القدامى الكثيرين لقاء منعش تميز بالحذر الشديد والبعد عن السياسة وتوخى زميلنا الكبير استعمال الإشارات والتلميح عوض التوضيح والتصريح! وعلق طبعا على طوفان الأقصى بما يراه من مواقف وطنية بعبارات منتقاة بدقة كأني بالرجل يسير على حبل في سرك ويمسك بعصا التوازن حتى تمنعه من السقوط يمنة أو يسرة! ولكني تدخلت بالقول إن سكوته الاختياري يعد هزيمة للفكر وللعقل وسيحرمنا من حوار حر حول مصير العرب فحظي كلامي بتصفيق تلقائي من كل الحاضرين لأنهم يوافقونني ويؤيدون تحليلي بل أثنى بعضهم على طرحي لهذه العلة العربية السائدة في أكثر من مجتمع عربي، أما أستاذنا فاكتفى بالقول إنه «سيعود إلى مصر... فلتراعوا عودته سليما إلى وطنه وشكرا على تفهم موقفي!». من جهة ثانية أعلن الكاتب والمعارض المصري، يحيى القزاز توقفه عن الكتابة بسبب ممارسات السلطات المصرية مع ابنه وحرمانه من السفر. وقال القزاز في منشور له عبر حسابه بموقع إكس: «قررت أن أخون نفسي وأتوقف عن الكتابة جبنا بعد منع ابني من السفر وحرمانه من عمله عقابا له على آراء أبيه. وفي الحقيقة لي شخصيا مع هذا الملف حكايات طويلة قاسية حين شهدت على إجهاض مواهب فكرية وأدبية واعدة وأصيلة كانت كتابات أقلامها منارات رائدة ثم انطفأت فجأة وبلا تفسير وطبعا ليس انطفاء نهائيا دائما بفعل قمع سياسي! بل اختار بعض الكتاب الموهوبين والواعدين الانحياز إلى وظيفة تعيله أو الركون إلى زوجة وعيال يسكن إليهم ويقيهم الفقر والعوز ويقرر طواعية تجنب وجع الرأس الذي لا شك يرتبط بالأدب والعقل منذ الإمام ابن حنبل إلى (غاليليو) مكتشف كروية الأرض وصولا إلى مفكر سوداني (محمود محمد طه) اتهم بما يسمى (الهرطقة) وانتهت به مسيرته إلى حبل مشنقة نصبها جعفر النميري وقبله المفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب على أيدي عبد الناصر وفي الثمانينيات أصيب شاعر تونس الملتزم (منور صمادح) الذي عرف سجون الاستعمار بمرض عقلي عضال أدخله مستشفى الرازي للأمراض العقلية إثر اضطهاده الطويل من قبل البوليس السياسي التونسي خاصة بعد قصيدته الرائعة والصادقة التي انتقد فيها الرئيس الحبيب بورقيبة وكان بورقيبة وحزبه الدستوري يرفعان دائما شعار (الصدق في القول والإخلاص في العمل) فجاء مطلع قصيدة الشاعر منور صمادح كالتالي:
أمران في بلدي قد خيبا أملي الصدق في القول والإخلاص في العمل
كان جنون الشاعر نتيجة لهشاشته النفسية المعروفة وهول الصدمة التي زلزلت عاطفته الرقيقة وحبه لوطنه حيث لوحق بوحشية وقصد البوليس زعزعة عقله ونجح في أن يحول الشاعر العبقري إلى شبه إنسان يهذي في الشوارع ويفقد ملكة التوازن وتأزمت إثر ذلك العلاقة بين الشاعر والسلطة خاصة بعد نظم منوّر قصيدة «عهدي به جدا فكان مزاحا»، والتي يقول فيها عن بورقيبة
عهدي به جدا فصار مزاحا بدأ الضحية وانتهى سفاحا
من حرر الأجساد من أصفادها عقل العقول وكبل الأرواحا
وكنت أحرص على صداقة منور حتى وهو في تلك الحالة كما كان الأستاذ محمد مزالي رئيس الحكومة المثقف يرعى حالته ويصر على الاتصال به إلى أن توفاه الله يوم 28 ديسمبر 1998 في مسكن أشبه بالكوخ عن عمر 67 عاما قضى منها أكثر من 3 عقود بين مستشفى الأمراض العقلية والعزلة والوحدة جراء الآثار النفسية التي خلفتها الملاحقات والاستنطاقات القمعية والترويع. رحم الله شاعرا كان مناصرا لتحرير وطنه من الاستعمار الفرنسي ودخل سجون الاستعمار كما ناصر الشعب الفلسطيني والشعب الفيتنامي بقصائد ثورية وأدعو الله سبحانه أن يهدي بعض أصحاب الأمر ليرحموا أصحاب الفكر.
جزيرة الشيطان.. وانهيار منظومة القيم
في اليوم الأخير من قصة قوم نبي الله لوط عليه السلام، أرسل الله ملائكته في صورة رجالٍ حِسان... اقرأ المزيد
99
| 21 فبراير 2026
تجمعاتنا أجر وسعادة
ما أجمل التواصل والألفة والمودة بين الأهل والأقارب والأصدقاء في كل الأوقات، ولكن يزيد جمالها ويضاعف أجرها في... اقرأ المزيد
168
| 21 فبراير 2026
اسم الله الرحيم
«الرحيم» من أسمائه سبحانه وتعالى التي تشوق المؤمنين إلى صفاته، وتعرفهم بكمالاته، وتغرس في نفوسهم الرجاء فيما عنده.... اقرأ المزيد
87
| 21 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6564
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
984
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
843
| 18 فبراير 2026