رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

483

سعدية مفرح

الكتابة اليومية: صناعة الإبداع بدلاً من انتظاره

06 يناير 2025 , 02:00ص

الكتابة ليست مجرد موهبة فطرية تُمنح لبعض المحظوظين؛ إنها أيضاً مهارة تُصقل بالممارسة اليومية والانضباط. ارتبطت الكتابة في أذهان الكثيرين بفترات الإلهام ودفعات الحماسة المفاجئة، وكأنها زهرة نادرة تنتظر الظروف المثالية لتتفتح. لكنني، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الكتابة اليومية بمختلف أشكالها الصحفية والإبداعية والوظيفية، أدركت أن الإلهام الحقيقي لا يأتي منتظرًا على عتبة المزاج الجيد، بل يُخلق في خضم العمل نفسه.

كل يوم هو فرصة جديدة للكتابة، حتى عندما يبدو الحبر جافًا والأفكار متشابكة في ذهني. لا أنتظر اللحظة المثالية أو الفكرة العبقرية التي قد لا تأتي أبدًا. بدلًا من ذلك، أجلس إلى مكتبي وأبدأ بالكتابة. أحيانًا تكون البداية متعثرة، كلمات مبعثرة بلا معنى واضح، لكنني تعلمت أن أستمر. شيئًا فشيئًا، تتحول الفوضى إلى نظام، والارتباك إلى إبداع، والكلمات العادية إلى نص يتحدث بعمق ويتنفس حياة.

الكتابة اليومية ليست مجرد التزام مهني أو عادة شخصية، بل هي تدريب مستمر للنفس على اكتشاف أعماق جديدة من الإبداع. عندما أكتب، أشعر أنني أتحرك، حتى لو كنت جالسة في مكاني. الأفكار لا تأتي عندما أنتظرها خاملة، بل تظهر عندما أحفزها بالعمل. هذا ما يجعل الممارسة اليومية ضرورة للكاتب، سواء كان مبتدئًا أو محترفًا. لا أبالغ إذا قلت إن الكتابة أصبحت أشبه بنمط حياة بالنسبة لي. في الكتابة اليومية، هناك لحظات تحدٍ، عندما تقف الكلمات عالقة في الحلق، أو عندما يبدو كل ما أكتبه تافهًا وغير مجدٍ. لكن هذه اللحظات نفسها هي ما يجعل الإنجاز أكثر إرضاءً. ففي كل مرة أتجاوز هذا الحاجز، أشعر أنني كسرت قيودًا وهمية وفتحت بابًا جديدًا للأفكار. الأفكار ليست كائنات غامضة تطرق أبواب عقولنا فجأة؛ إنها بذور تُزرع وتنمو مع الوقت. في لحظات الكتابة اليومية، تتفتح هذه البذور شيئًا فشيئًا. تبدأ صغيرة، فكرة غير مكتملة أو جملة يتيمة، لكنها سرعان ما تتحول إلى نص ناضج يحمل بين طياته معنى وقوة.

بخبرتي الممتدة لعقود، أدركت أن سر النجاح في الكتابة يكمن في البقاء في حالة دائمة من الحركة. لا يهم أن تكون البداية مثالية، ولا أن يكون المزاج مثاليًا. المهم أن تبدأ. هناك دائمًا شيء ينتظرك على الطرف الآخر من الصفحة، شيء لن تراه إلا إذا واصلت الكتابة. هذه الحركة، هذا الإصرار اليومي، هو ما يجعل الكتابة ليست مجرد فن بل رحلة اكتشاف مستمرة. عندما أنظر إلى مسيرتي في الكتابة، أدرك أن اللحظات التي كنت أظن فيها أنني بلا أفكار كانت هي أكثر اللحظات إلهامًا في النهاية. كل نص يكتب، حتى لو بدا صغيرًا أو بسيطًا، يشكل جزءًا من بناء أكبر. الكتابة اليومية تشبه النحت؛ كل يوم تضيف لمسة، تحذف زوائد، وتقترب من الشكل المثالي الذي تبحث عنه. كما أنني تعلمت أن الكتابة ليست فقط أداة للتعبير عن الأفكار، بل هي وسيلة لاستكشاف الذات. خلال ثلاثين عامًا، تغيرت كتاباتي كما تغيرت أنا. اكتشفت من خلالها جوانب لم أكن أعرفها في نفسي، وأدركت أن الكتابة ليست فقط ما نقدمه للقراء، بل ما نمنحه لأنفسنا من فهم وإلهام وتجدد. لذلك، إذا كنت في بداية الطريق أو تبحث عن محفز للاستمرار، لا تنتظر تلك اللحظة المثالية أو ذلك الإلهام المباغت. اكتب الآن. اكتب بلا قيود، بلا أحكام. لأنك عندما تكتب كل يوم، لا تكتب فقط نصوصًا، بل تكتب قصتك، تطورك، ومسيرتك نحو الإبداع الذي تستحقه.

اقرأ المزيد

alsharq من يحاسب الرادار؟

حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة... اقرأ المزيد

1053

| 31 مارس 2026

alsharq اليمن غير مؤهل للحرب

أخيرا وقع ما اعتقدنا أنه سوف يحصل عاجلا أم آجلا وتدخلت اليمن في الحرب الإسرائيلية الإيرانية رغم عدم... اقرأ المزيد

189

| 31 مارس 2026

alsharq جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي

لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية... اقرأ المزيد

159

| 31 مارس 2026

مساحة إعلانية