رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فيما أسمته إدارة ترامب «يوم التحرير» أعلن الرئيس الأمريكي عن فرض تعريفات جمركية على واردات جميع دول العالم بنسبة 10 % دون استثناء. علاوة على فرض تعريفات إضافية فوق لـ 10% بحسب نسبة صادرات الدولة إلى الولايات المتحدة. وكان نصيب الصين هو الأعلى بنسبة 34 % إضافة إلى التعريفات السابقة 20 %، وجميع حلفاء أمريكا التاريخيين لم يستثنوا من التعريفات المرتفعة فنصيب أوروبا بلغ 20 %، واليابان 34 %، وسويسرا نحو 40 %، وفيتنام نحو 46 %.
مبررات ترامب وعشوائية المنطق والحسابات
في يوم التحرير هذا الذي شن فيه ترامب حربا تجارية على العالم كله؛ قال ترامب ما مفاده إن اليوم قد تحققت العدالة الغائبة لعقود بفرض التعريفات الجمركية لأن الأعداء والأصدقاء كانوا يسرقون أمريكا لمدة 50 عاما. فالتعريفات وفقا لترامب ستحقق التوازن الناجم عن تلاعب الدول المصدرة في سعر العملة، والقيود التي تفرضها على الواردات الأمريكية، وعدم استيراد منتجات أمريكية بكميات متكافئة، وهذا في معظمه غير صحيح.
وعلى هذا الأساس، فرضت إدارة ترامب التعريفات بصورة يغلب عليها عشوائية غير مسبوقة اقتصادياً، حيث يتم حساب عجز الميزان التجاري مقسوما على صادرات الدولة إلى الولايات المتحدة ثم يتم تخفيضه إلى النصف. وبناء على تلك الحسبة العشوائية، فرضت التعريفات بصورة غير عادلة حيث فرضت تعريفات قاسية على دول صافى صادراتها إلى الولايات المتحدة محدود مقارنة بدول أخرى.
وبعيدا عن عشوائية فرض التعريفات؛ يرى ترامب بصورة عامة منذ ولايته الأولى، أن الولايات المتحدة تعانى من عجز تجارى خطير يهدد اقتصاد أمريكا، بل ويهدد سيادتها أيضا. ومن هذا المنطلق، ارتأى ترامب أن فرض التعريفات الجمركية من شأنه: تخفيض العجز التجاري، زيادة الصادرات الأمريكية، تعزيز توطين الصناعات الأمريكية-أحد أهدافه الرئيسية-، إضعاف اقتصاد الخصوم خاصة الصين. على الرغم من أهداف ترامب الموضوعية صراحة؛ فإن تشديد التعريفات الجمركية لن تحقق تلك الأهداف، بل ستلحق بالولايات المتحدة قبل العالم أضرارا في غاية السوء. إذ يمكن سقوط الاقتصاد الأمريكي رهينة لعجز تجارى فادح، وحجم ديون كارثية خاصة للصين. والهشاشة البالغة للصناعة الأمريكية في معظم القطاعات الاستراتيجية، وهروب الشركات الأمريكية إلى الأسواق الناشئة في آسيا. هو في واقع الأمر نتاج العولمة الاقتصادية وحرية التجارة العالمية التي قادتها وكرستها الولايات المتحدة. وبالتالي، فالنتيجة الحتمية كما يجمع الخبراء من فرض التعريفات الجمركية هو ارتفاع التضخم داخل الولايات المتحدة بمعدلات خطيرة. فالولايات المتحدة تعتمد على الخارج بنسبة تفوق 70 % لسد احتياجاتها الداخلية. إذ حتى الشركات العاملة داخل الولايات المتحدة تعتمد على الخارج أيضا خاصة الصين لسد احتياجاتها التشغيلية، وهو ما قد يؤدى إلى هروبها للخارج.
وعليه، فالمعالجة الصحيحة كما يرتأى الخبراء تعتمد على استراتيجيات أخرى غير التعريفة الجمركية وغالبا ستكون بطيئة وتدريجية، مثل تهيئة البيئة الاستثمارية كتخفيض الضرائب لتعزيز توطين الصناعات المحلية، وجلب استثمارات خارجية.
تبعات فوضوية خطيرة
السوق الأمريكي قبل الاقتصاد الأمريكي سوق مركزي عالمي رئيسي، حيث تجنى منه معظم دول العالم خاصة الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك وكندا، أرباحاً طائلة نتاج ضعف الإنتاج الأمريكي. ومن ثم، ستصيب هذه التعريفات الاقتصاد العالمي برمته في مقتل، علاوة على حالة الفوضى العارمة الناجمة عنها. حيث ارتفاعات قياسية في التضخم في العالم، علاوة على أسعار الشحن والتوريد، وضعف الإنتاجية، وغلق شركات كثيرة لن تقوى على المنافسة.
فضلا عن اختلال خطير في حركة التجارة والأموال العالمية، إذ ستضطر البنوك العالمية والشركات الكبرى إلى إجراء إعادة هيكلة شاملة لمواكبة هذه التغيرات الخطيرة. مع إحجام متوقع عن الاستثمار، والهروب إلى الملاذات الآمنة خاصة الذهب الذي سيشهد ارتفاعات قياسية غير مسبوقة.
وعلى الجانب السياسي والجيواستراتيجى تكمن التبعات الأخطر، وبدأت بوادر هذه التبعات خلال ساعات من فرض التعريفات الجمركية وهو ما تبدى من فرض دول أخرى ككندا تعريفات رداً بالمثل، وهو مؤشر خطير على تنامي الحمائية التجارية، وتقويض العولمة الاقتصادية العالمية. ولعل الجانب الأخطر على الإطلاق، هو حرب التعريفات المتبادلة القادمة بين الصين والولايات المتحدة؛ وهذا في حد ذاته يشل الاقتصاد العالمي، ويتسبب في فوضى عالمية شاملة. ناهيك عن ذلك، ستؤدى قطعا إلى تشكيل تحالف عالمي بقيادة الصين يضم جميع حلفاء واشنطن خاصة أوروبا للتصدي لترامب.
في التقدير الأخير، لا يمكن وصف حرب ترامب التجارية على العالم إلا بأنها حرب عشوائية ليس لها داعٍ ستجلب فوضى عامة في العالم، ستؤدى إلى تصاعد حروب تجارية أعنف، قد تتطور إلى حروب عسكرية. وفوق كل ذلك، تعد الولايات المتحدة أكبر الخاسرين منها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6540
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
816
| 18 فبراير 2026