رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المحامي علي فرهود الهاجري

مساحة إعلانية

مقالات

417

المحامي علي فرهود الهاجري

حين تبدأ المسؤولية من الطريق إلى المدرسة

06 سبتمبر 2026 , 02:00ص

أصبح الاعتماد على السائقين في توصيل الأطفال إلى المدارس جزءًا من الحياة اليومية لدى كثير من الأسر، وقد يبدو حلًا عمليًا في ظل انشغال الوالدين بالعمل والالتزامات اليومية. لكن حين يتحول هذا الاعتماد من مساعدة إلى بديل دائم عن حضور الأب والأم، فإن المسألة تستحق أن نتوقف عندها.

فالأمر لا يتعلق فقط بمن يقود السيارة إلى المدرسة، وإنما بمن نضع أبناءنا في عهدته، ومدى معرفتنا به ومتابعتنا له، وما إذا كان مؤهلًا للتعامل مع الطفل في المواقف المختلفة. فالثقة بالسائق، مهما بلغت، لا تكفي وحدها؛ إذ إن التعامل مع الأطفال يتطلب وعيًا باحتياجاتهم وقدرة على التصرف السليم في المواقف المختلفة، كما أن غياب المتابعة الأسرية قد يعرّض الطفل لمخاطر كان بالإمكان تفاديها.

ومن هنا تأتي أهمية حملة "وصّل عيالك"، بما تحمله من رسالة تتجاوز معناها المباشر؛ فالمقصود ليس مجرد توصيل الأبناء إلى مدارسهم، ولا أن تكون حملة موسمية مرتبطة ببداية العام الدراسي، وإنما رسالة تستحق أن تتحول إلى ثقافة أسرية مستمرة.

فالرحلة اليومية من المنزل إلى المدرسة قد لا تستغرق سوى دقائق، لكنها تمثل فرصة يومية للحوار والتوجيه والاحتواء وتعزيز الشعور بالأمان. وقد تبدو هذه الدقائق عابرة، إلا أنها تترك أثرًا نفسيًا وتربويًا واجتماعيًا في الطفل، وتمنح الأب أو الأم فرصة لمعرفة ما يدور في حياته، وما يشغله، وما قد لا يقوله في وقت آخر.

فمسؤولية الوالدين لا تقف عند تأمين احتياجات الأبناء المادية، وإنما تمتد إلى رعايتهم ومتابعتهم وتوجيههم، والحضور الفاعل في مختلف مراحل نموهم.

وفي المقابل، فإن جهات العمل والمؤسسات المختلفة شريكة في بناء مجتمع أكثر تماسكًا؛ فكلما تبنت بيئة العمل سياسات تراعي المسؤوليات الأسرية، وتمنح الآباء والأمهات مساحة معقولة للقيام بدورهم، انعكس ذلك إيجابًا على الأسرة والمجتمع، بل وعلى الموظف نفسه من حيث إنتاجيته واستقراره المهني.

المسألة هنا ليست مجرد إخلال بواجب أسري أو تربوي، بل قد تصل في بعض الحالات إلى المساس بحقوق أصيلة كفلها القانون للطفل، وأوجب على القائمين على رعايته صونها وحمايتها.

فقد أرست اتفاقية حقوق الطفل، التي انضمت إليها دولة قطر، مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها أن تكون مصلحة الطفل الفضلى اعتبارًا أساسيًا في جميع ما يتعلق به. كما أكدت المسؤولية الأساسية للوالدين عن تربية الطفل ونمائه، وأن تكون مصلحته موضع اهتمامهما الأساسي.

وعلى المستوى الوطني، عرّف قانون الأسرة القطري الحضانة بأنها حفظ الطفل وتربيته وتقويمه ورعايته بما يحقق مصلحته، بما يؤكد المكانة التي أولاها المشرّع لرعاية الطفل وحمايته.

والقانون، بطبيعة الحال، لا يحدد عدد الساعات التي يجب أن يقضيها الأب أو الأم مع طفلهما، ولا يجرّم مجرد الاستعانة بسائق أو خادمة للمساعدة في رعايته أو توصيله.

لكن هناك خطًا قانونيًا آخر لا ينبغي تجاوزه، وهو تعريض الطفل للخطر. فقد نصت المادة (269) من قانون العقوبات، الصادر بالقانون رقم (11) لسنة 2004، على معاقبة كل من عرّض للخطر شخصًا لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، بالحبس مدة لا تجاوز سنتين، وبالغرامة التي لا تزيد على عشرة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتُشدّد العقوبة لتصل إلى الحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، والغرامة التي لا تزيد على خمسة عشر ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا وقعت الجريمة ممن كان مكلّفًا بحفظ الطفل أو رعايته.

وهنا تظهر القاعدة المهمة التي يجب ألا تضيع وسط النقاش: الاستعانة بالغير ليست جريمة في ذاتها، لكنها لا تنقل مسؤولية الوالدين إلى السائق أو الخادمة، ولا تعفيهما من واجب حفظ الطفل ومتابعته ورعايته.

فإذا تحولت الاستعانة بالغير إلى غياب للرقابة أو إهمال، وترتب على ذلك تعريض الطفل للخطر، فإننا لا نعود أمام نقاش تربوي واجتماعي فحسب، وإنما أمام واقعة قد تترتب عليها مسؤولية قانونية.

وهذا هو الفارق بين أن يساعدك شخص في رعاية طفلك، وبين أن تصبح رعاية طفلك متروكة له بالكامل دون متابعة منك.

ومع ذلك، يبقى للقانون حدوده؛ فالنصوص تستطيع أن تقرر الحقوق والواجبات، وأن تضع العقوبة عندما يصل الأمر إلى الإهمال أو تعريض الطفل للخطر، لكنها لا تستطيع أن تصنع الحوار داخل الأسرة، ولا أن تعوّض الطفل عن غياب الحضور المعنوي لوالديه، ولا أن تفرض تلك اللحظات الإنسانية التي تتكون منها العلاقة بين الآباء والأبناء.

ولذلك، فإن رسالة "وصّل عيالك" لا تدعو إلى مجرد تغيير وسيلة الوصول إلى المدرسة، وإنما إلى استعادة الحضور الأسري في حياة الطفل، فالمسؤولية قد تبدأ من الطريق إلى المدرسة، لكنها لا تنتهي عند بوابتها.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية