رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت سنة على صولة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 3023 وما زال الموقف الرسمي العربي محزناً ومؤسفاً، لا يزيد على موقف اللامبالاة، بل قل التفرج على مأساة غزة، والتعاطي معها بلغة الإدانة والشجب والاستنكار لا أكثر، موقف إن لم يترافق مع العصا الغليظة فلا معنى له، ولن يترك أثراً على أرض الواقع وهذا ما هو حاصل، بل قل هو يغري الفاشين الجدد في الأرض المحتلة على مواصلة الجينوسايد وارتكاب أبشع الجرائم على قاعدة، من أمن العقاب ارتكب كل محرم، دون أي اعتبار أو التفات لأحد. والكل يعلم أن الموقف الرسمي العربي المدان وهو ليس بسر إنما يأتي في الواقع انعكاساً للموقف من صولة طوفان الأقصى بل وعلى وجه التحديد الموقف من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث يشيطنها البعض دون أدنى مسوغ، وهم في ذلك مخطئون وظالمون.
هذا الموقف هو في الواقع صورة من صور النأي بالنفس التي عرف بها واشتهر رئيس الوزراء الميقاتي وتوافقت عليها الأنظمة العربية، وكأن سبب الصراع مع الصهاينة ليس أكثر من خلاف في قضية هامشية وليس قضية مصير أو وجود.
سنة كاملة.. وكان خيارنا منذ البداية إما موقف اليهود مع سيدنا موسى وهو يدعوهم للاستعداد لقتال العماليق وردوا عليه (اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنّا ها هنا قاعدون) موقف الجبان المرعوب قصير النظر، وبين رد الصحابي الجليل سعد بن معاذ على رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه قبل أيام من غزوة بدر، وأراد أن يسمع من الخزرج نصرتهم لله ولرسوله وتأكيدهم على المشاركة في النزال ( …. فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله»، وكان من المتوقع أن يختار العرب مقولة سيدنا سعد.. والشجاعة والنخوة ونصرة المظلوم هي ليست ما تربينا عليه فحسب، وإنها ليست فقط نجوماً تزين تاريخ أمة ما زال ملهماً ومدعاة للفخر حتى الساعة رغم ما فيه من شوائب، بل هي قيم تأصلّت في الجينات وفي أواسط القلوب والوجدان.. اللهم إلا إذا كان عرب اليوم غيرهم عرب الأمس وما نحن ومعنا أمة سيدنا محمد إلا مجرد غثاء كغثاء السيل.. عندها نعترف ونقول معذرة إلى ربكم ولا داعي لتحميل الحمل الثقيل على بعير أعرج. وبعد أن اصطبغت غزة بالدماء، وتناثرت فيها الأشلاء، وانتشر فيها الموت، بالقتل أو بالجوع أو بالمرض أو بالتشرد، ما عاد المشهد في غزة والضفة ولبنان ”سياسياً “ حتى تتباين عنده المواقف والآراء والأحكام، ويتردد المسؤول في أي اتجاه يتحرك وأي موقف يتخذ، وما يراعي من ضغوط وما يسقط.. لم يعد ذلك كله ذا صلة، لأن الإنسانية باتت هي الطاغية وهنا لا يختلف الإنسان السوي عن غيره، والعاطفة والضمير والوجدان تصبح هي المحركات لبني الإنسان عقله ومواقفه، فكيف إذا سقطت كلها مرة واحدة.. تُرى ماذا نقول في إنسان تخلى عن إنسانيته ؟ بالله عليكم ماذا نسميه ونطلق عليه.. وهنا أسأل: أليس هذا هو حالنا بالضبط.. ماتت الضمائر في وطني العربي لكن المفارقة جاءت من شعوب بعيدة عنا، لم تزل ضمائرها حية، تحركت وتعاطفت مع شعب مظلوم، لا يرتبط معها بشيء اللهم سوى رابطة الإنسانية، تحركت لأنها لم تجد مسوغاً للظلم وقد وقع على أهلنا في غزة وفلسطين ولبنان لاحقاً، هي لم تجد من مبرر لقتل 41700 إنسان منهم.. 11500 امرأة، و16900 طفل، و1000 من الطواقم الطبية والمسعفين، و500 معلم وأستاذ جامعي، ولا مسوغ لحرمان وتجويع وتشريد مليوني إنسان وأكثر حد الموت.. ولا تدمير المستشفيات والجامعات والمدارس وهدم المساكن ودور الإيواء والمساجد والمخازن والمخابز والصرف الصحي.. هدمت غزة حجراً على حجر وقتل المدنيون الأبرياء وعذب المسجونون واغتصبت النساء وذبح الأطفال.. تحركت الشعوب البعيدة عنا، لكننا لم نتحرك، حتى ولو على استحياء أو حتى من باب إسقاط فرض!.
سيقول البعض لا شيء في هذا الطرح سوى العاطفة! فأين المصلحة الراجحة التي تحكم الموقف السياسي وتوجهه، أقول أليس في الشوكة مصلحة ؟ وهل من دون الشوكة تتحقق المصلحة في عالم يعرف الحق لكنه لا يذعن إلا للأقوى، أليس من المصلحة أن يكون ظهيركم شعبا شهد له العالم بالشجاعة في التشبث بالأرض على مدى عام كامل وأكثر، وخيّر بين الهجرة أو الموت، فاختار الموت! بل أليس من المصلحة أن تضاف إلى جيوشكم النظامية، جيوش غير نظامية، استطاعت هي وليس جيوشكم إذلال جيش قيل إنه الجيش الذي لا يقهر؟ ألم تكن هي من أذلته وكسرت كبرياءه وجردته من ميزة «الردع» التي تغنى بها عقوداً من الزمن.. ووظفها في إرهاب العرب والمسلمين! بل أليس من المصلحة المصالحة مع شعوبكم الغاضبة عليكم لسبب موقفكم وهي تغلي كالمرجل وتنتظر متلهفة إشارة منكم كي تتحرك خلفكم نصرة لغزة.
وإذا لم تكن المقاومة هي خياركم المفضل لديكم، فالأمل ألا يكون البديل هو التطبيع مع نظام هذا المخلوق الذي بات هو وجوقة الجزارين المجانين وبالاً على البشرية.. هذا المسمى نتن ياهو، الذي كان قد عرف كفاسد وكذاب، أماط عنه اللثام طوفان الأقصى فبان على حقيقته سادي جزار، لا يؤمن شره، ولا ينجز وعده، فهل تضمنون أن هذا المعتوه، إن خرج من هذه المنازلة منتصراً لا سمح الله، أن يكون عوناً لكم؟ لن ينازعكم حقاً أو ملكاً !! وهو بعد أن رفض حل الدولتين فإنه إنما يمهد للإعلان عن الخطوة اللاحقة (دولة إسرائيل ما بين الفرات والنيل)؟ ألم يبشر بشرق أوسط جديد، وترتيبات جيوسياسية جديدة ؟ هذا ليس بديلاً إنما هو شر وبيل وخطر كبير ينتظركم عند الباب، قد يغري هذا الكذاب ويسرف في وعوده، وهنا أذكركم بموقفه من ولي نعمته، والمسخر مصانعه وتقدمه التكنولوجي لإدامة تفوقه، وأقصد الولايات المتحدة الأمريكية، كيف تعامل مع رئيسها الحليف الأكبر جو بايدن وكيف أذلّه أمام العالم أجمع، عندما قدم صفقة المراحل الثلاث، وقال أمام العالم إنها خطة نتن ياهو، ليخرج الأخير في اليوم التالي ويتبرأ منها! ألم يعلن البيت الأبيض بأنه فوجئ مراراً بقرارات إسرائيل في الآونة الأخيرة ! ألم يشك الرئيس بايدن أن نتن ياهو أبقاه في الظلام وأنه يجهل كل نواياه في لبنان جملة وتفصيلا! والأمر يسري على أوروبا الحليفة التي قدمت له وما زالت كل ما يحتاجه الجزار وهو يواصل الإبادة الجماعية، ألم تشتك، نحن حلفاء إسرائيل ليس لدينا أي نفوذ على إسرائيل ونحن نتابع الأحداث كغيرنا دون تدخل.
لا أظن أن الأنظمة العربية أحن على قلبه من الولايات المتحدة وأوروبا، وأنه سيصدق مع العرب وهو الكذاب مع أقرب حلفائه.
لهذا أقول: دعونا نتخذ قراراً لمصلحتنا، لا نسيئ التقدير فيه ولا نندم عليه، لنمد الجسور مع المقاومة، ونحتضنها ونحسن الظن بها، بذلك تقوى شوكتنا ويهاب عدونا، عدا ذلك يحذركم الله نفسه:
(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) 38 محمد
كلمة لا ابتغي منها إلا وجه الله …
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1512
| 29 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1161
| 31 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
795
| 24 مايو 2026