رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقسّم عالم النفس الشهير أبراهام ماسلو، حسب هرمه أو مثلثه الشهير بـ"مثلث ماسلو"، يقسّم احتياجات الإنسان إلى خمسة احتياجات أساسية على شكل تسلسل هرمي، ابتداء من قاعدة الهرم وانتهاء برأسه، أو قمته. ويقبع في أسفل الهرم احتياجات الإنسان الفيزيولوجية، ثم تليها الاحتياجات الأمنية، فالاجتماعية، فاحترام أو تقدير الذات، ثم في أعلى الهرم، يأتي تحقيق الذات. وهذا يعني أنه كلما تدنت الاحتياجات في موقعها من الهرم، تصبح، على أهميتها الحيوية، أقرب إلى الحاجات الحيوانية. ومن المعروف أن الحيوانات تحتاج فقط إرضاء متطلباتها الفيزيولوجية فقط.
ولو نظرنا إلى تاريخ الإنسان العربي على مدى نصف قرن أو أكثر من الزمان، أي منذ الاستقلال وتسلم ما يسمى بالأنظمة الوطنية مقاليد الحكم في البلاد، لوجدنا أنها حصرت اهتمامات الشعوب ضمن أسفل "مثلث ماسلو". بعبارة أخرى، فلم تهتم إلا بتأمين الحاجات الفيزيولوجية بالدرجة الأولى، ومن ثم الحاجات إلى الأمن والاستقرار. وبما أن كل الأنظمة العربية أنظمة أمنية مخابراتية بامتياز، فقد أهملت الاحتياجات الإنسانية العليا التي يتضمنها "مثلث ماسلو"، وركزت على الجانب الفيزيولوجي نسبياً، وكثفت اهتمامها بالجانب الأمني، لتصبح الحياة بالنسبة لملايين العرب مجرد أمن واستقرار، ولتذهب الحاجات الإنسانية الأسمى، كاحترام الذات وتحقيقها أمراً ثانوياً بالنسبة لدولة المخابرات العربية.
لقد زرعت الأنظمة الأمنية الفاشية في عقول الشعوب وأذهانها وحتى في أعماقها فكرة أن الأمن الدائم هو أهم شيء في حياة الإنسان، ولتذهب بقية الحاجات إلى الجحيم، مع العلم أن "الأمن الدائم" شعار يصلح فقط لأبواب المقابر، فالسكون الدائم لا يحدث إلا في أماكن سكن الموتى. ومن المحزن أن الدولة الأمنية نجحت نجاحاً باهراً في إقناع الشعوب بأن الشعور بالأمان هو أهم هدف في الحياة، وما عداه لا قيمة له أبداً. لهذا نجد أن مجتمعاتنا تحولت إلى مستنقعات آسنة لا تتحرك فيها المياه أبداً، ففسدت وتعفنت.
عجباً لأمة يقول دستورها، القرآن الكريم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، عجباً لماذا ضحكت عليها الدولة الأمنية وحولتها إلى بلاد أشبه بالمقابر من حيث سكونها وخنوعها وتلذذها بالصمت والاستقرار المزعومين.
لقد أصبح الإنسان العربي، وبعد عقود من الترهيب والتخويف والتدجين، أصبح مهووساً بالأمن، إلى حد أنه مستعد للتخلي عن باقي احتياجاته الإنسانية الأخرى والعيش على الكفاف مقابل أن يعيش بأمان. لا عجب أن تسمع الكثيرين بعد أحداث الربيع العربي التي هزت الاستقرار المفروض بالحديد والنار الذي كان يتمتع به الإنسان العربي، لا عجب أن تسمعهم يحنون إلى أيام الطغيان الخوالي، حيث كانت الناس تأكل وتشرب وتعيش بأمان، وكأن الحياة مجرد استهلاك حيواني للطعام والشراب بصمت وطمأنينة وراحة بال. وطبعاً طالما ظل الإنسان العربي يعتبر الأمن أهم من كل شيء في حياته، سيظل عبداً لمن يوفرون له الأمن، ويجردونه من باقي حرياته وحقوقه.
لا يمكن للإنسان أن يتطور دون المجازفة والمغامرة. ويقول وليام شَد: "السفن آمنة جداً وهي في المرفأ، لكن السفن لم تـصنع كي تبقى في المرفأ". وكذلك الإنسان لم يُخلق كي يكون عبداً للأمن والأمان، بل لا بد من أن يناضل، ويتحدى ويقاوم، ويجازف كي يتقدم، كما فعلت كل الأمم الحية. ولو عرف الذباب أنه سيقع في شبكة العنكبوت لما طار. ولعلكم تذكرون أن الدول المتقدمة التي سبقتنا بسنوات ضوئية على كل الصعد تعلّم أبناءها كل أنواع الألعاب الخطرة والمغامرات العنيفة الرهيبة. ولو نظرتم إلى ألعاب "بلي ستيشن" و"إكس بوكس" لرأيتم أن الأمم الحية تحض أبناءها دائماً على المغامرة والمجازفة وحتى الاندفاع القاتل، لأنها تعمل بالمبدأ الأصيل الذي يقول: "في الحركة بركة"، حتى لو كانت الحركة خطرة ومميتة.
وكي لا نظلم العرب جميعاً، لابد أن نميز بين الثوار الذين أشعلوا فتيل الربيع العربي، وضحوا بكل ما يملكون كي يحركوا المياه الآسنة في أوطاننا، وهم قلة، وبين الذين ما زالوا يتحسرون على أيام العلف المخابراتي والعيش بأمان في ظل دولة الرعب والخوف. النوع الأخير من العرب يريد فقط أن يأكل، ويشرب، ويعيش بأمان، بغض النظر عمن يحكمه.
أما النوع الثاني، وهو طليعة التحرر والتقدم، فهو يريد أن يأكل، ويشرب، ويعيش بأمان، ويبدع، ويرتقي بحياته، ويحقق ذاته بحرية وكرامة، لا أن يكون مجرد مستهلك للعلف الذي يوفره له الحاكم مقابل سلب حريته وحقوقه وكرامته.
إنه يريد أن يرتقي إلى أعلى هرم ماسلو المذكور آنفاً، لا أن يبقى قابعاً في أسفله، خائفاً على علفه وأمنه، وعبداً لغرائزه الحيوانية الأساسية. الفرق بين النوعين كالفرق بين القاع والقمة، حيث الإنسان في ذروة إنسانيته، وليس مجرد مستهلك للطعام على حساب الحرية والكرامة الإنسانية التي تميز الإنسان عن الحيوان.
أيها القابعون في أسفل مثلث ماسلو: ليس بالعلف والأمن وحدهما يحيا الإنسان. لماذا استمرأتم العيش في قاع القاع؟
صدق الرئيس الأمريكي بنجامين فرانكلين عندما قال: "من يُضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق لا الأمن ولا الحرية".
ونحن نضيف: "من يضحي بالحرية والكرامة الإنسانية من أجل الخبز لا يستحق لا الخبز ولا الكرامة ولا الحرية".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11586
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8073
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026