رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم تقف واشنطن والغرب دبلوماسيا وعسكريا وراء إسرائيل في عدوانها المدان دوليا على غزة، وكذلك تفعل الدول الأوروبية المنضوية تحت جناح الحماية الأمريكية، وطبعا يجب التفريق بين مواقف الحكومات ومواقف الشعوب، لأن المظاهرات المليونية الغاضبة خرجت في نيويورك وباريس ولندن وآخرها كوبنهاغن الثلاثاء الماضي، بينما توقع العالم أن أكبر المظاهرات ستخرج في رام الله وفي العواصم العربية الكبرى! وكان رجاء كل مواطن عربي ومسلم أن يحظى موضوع التلاعب بالقانون الدولي باهتمام قادة الخليج في قمتهم بالدوحة حتى جاءهم خطاب حضرة صاحب السمو أمير قطر الشيخ تميم حفظه الله فركز على أن جرائم الاحتلال كانت الدليل على المروق عن القانون الدولي والشرعية الدولية. هذه الشرعية التي أوجزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، والذي ينص على المساواة بين كل الشعوب والأجناس والأديان في التمتع بكامل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بدون أي تمييز. ففي هذا الصدد تكلم الصحفي والكاتب الأمريكي المختص بقضايا الأمن القومي (سبنسر أكرمان) ليستخلص إحدى العبر الكبرى من حدث السابع من أكتوبر 2023 فقال: "إن ما يجري في غزة اليوم يوضح الفرق بين القانون الدولي الحقيقي والقانون المدلس لأن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام والذي أسس لما سميناه القانون الدولي وهو الموثق في ميثاق منظمة الأمم المتحدة والمعترف به كمرجع وحيد لتنظيم العلاقات الدولية والتأسيس لنظام سياسي إنساني متفق عليه هو الشرعي الوحيد منذ 1945 لكن ما ترتكبه إسرائيل من جرائم حرب بقتل الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ يؤكد أن هذا القانون الدولي لم يعد هو الأعلى لدى البشرية بل عوضته قوانين أمريكية جرى تسويقها كأنها دولية وهي وحدها التي تفرض الالتزام بالهيمنة القانونية الأمريكية كما أنها هي التي تحدد من بإمكانه أن يفعل أو لا يفعل - ومن يحق له أن ينتهك الحدود التي تقيد عنف الدول. وتزامن نشر المقال مع توقيع 600 إعلامي أمريكي على رسالة وجهوها إلى الرئيس بايدن ينددون فيها بقتل الجيش الإسرائيلي لزملائهم الفلسطينيين عن قصد وقال هؤلاء الإعلاميون: "لا تجعلونا شركاء في جريمة حرب إسرائيلية تمثلت هذه المرة في قتل الصحفيين". ونعود لمقال (سبنسر أكرمان) المنشور على موقع "ذا نيشن" قال (سبنسر): إنه بعد وصول الضحايا المدنيين في غزة إلى مستوى العشرين ألفا، بدأت تتعالى الأصوات التي تدعو واشنطن إلى انتقاد انتهاك إسرائيل للأعراف الدولية وإجبارها على حصر عملياتها العسكرية على الأهداف العسكرية "المشروعة فقط دون استهداف انتقامي لشعب قطاع غزة" وتابع صاحب كتاب "عهد الإرهاب": كيف زعزعت حقبة 11 سبتمبر استقرار أمريكا؟ وهو ما نشأ بعدها هذا الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل مما يبين حقيقة ذلك النظام الأمريكي الذي عوض النظام العالمي. فعلى الرغم من أنه قائم نظريا وشكليا على القواعد والأحكام يبدو كما لو كان "قانوناً دولياً"، إلا أنه في واقع الأمر استبدال للقانون الدولي بامتيازات الهيمنة! كتب (أكرمان) يقول: "مع تجاوز عدد وفيات الفلسطينيين مستوى العشرين ألفا حذر دبلوماسيان أمريكيان من أنه بسبب دعم الرئيس جو بادين لإسرائيل شهدنا انتهاكات إسرائيل للأعراف الدولية، مثل الإخفاق في قصر العمليات الهجومية على الأهداف العسكرية المشروعة". وكتبا في مذكرة سربت إلى مجلة (بوليتكو) يقولان إن حرب إسرائيل على غزة تنثر بذور "الارتياب بالنظام الدولي القائم على القواعد والأحكام، والذي طالما كنا رواده وأبطاله. هذا ويشكل الدبلوماسيان جزءاً من جوقة متنامية تتبنى موقفاً معارضاً للحصانة من المساءلة والمحاسبة التي لم تزل الولايات المتحدة تمنحها منذ وقت طويل لمن ينتهكون القانون الدولي بشكل لا لبس فيه. وهذا ما أشار إليه عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني حين قال إنه "في صراع آخر" - وهو الغزو الروسي لأوكرانيا - نددت الولايات المتحدة "بالهجوم على البنية التحتية المدنية وتعمد تجويع السكان وحرمانهم من الغذاء والماء والكهرباء والضرورات الأساسية" ومضى يقول إن القانون الدولي "يفقد كل قيمته إذا ما كان تطبيقه انتقائيا. أضاف الكاتب: "ما من شك في أن الدبلوماسيين على حق، فالضوء الأخضر الذي منحه بايدن لإسرائيل يشكك في شرعية "النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام" كما يبين حقيقة ذلك النظام الدولي. فعلى الرغم من أن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام يبدو كما لو كان "قانوناً دولياً"، إلا أنه في واقع الأمر استبدال للقانون الدولي بامتيازات الهيمنة والنفاق، إذ تدين الإدارة الأمريكية روسيا على أعمال قصف المدنيين وتجويعهم وهي نفس الجرائم إذا قامت بها إسرائيل أعلنت الإدارة الأمريكية عن دعمها لها! يقول الكاتب: "لنكن واضحين كثيرون داخل وخارج الحكومة الأمريكية عادة ما يتعاملون مع مصطلح "النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام" كما لو كان مرادفاً لعبارة "القانون الدولي". يُسعد أنصار فكرة النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام أن يستخدموا القانون الدولي أو يشيدوا به إذا كان في ذلك ما يخدم مصالح الغرب الاستعماري، مثلما حينما تسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى إلقاء القبض على فلاديمير بوتين على جرائم الحرب التي يرتكبها في أوكرانيا. ومع ذلك لا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة بالخضوع إلى المحكمة الجنائية الدولية. بل قامت الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بإلغاء توقيعها على المعاهدة التي بموجبها تأسست المحكمة الجنائية. وفي عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على عائلات قضاة المحكمة الجنائية الدولية ممن فتحوا تحقيقاً في جرائم الحرب المنسوبة إلى الولايات المتحدة في حربها داخل أفغانستان. وتلك هي الطريقة التي يعمل بها النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام. لا تجدها تستبدل آليات القانون الدولي، وإنما تضع علامات نجمية إلى جانبها. قد تلزم هذه القيود خصوم الولايات المتحدة، أما الولايات المتحدة وعملاؤها فبإمكانهم أن يتحللوا منها ومن جهة أخرى قالت السيدة (ماري إلين أوكونيل) خبيرة القانون الدولي والأستاذة في جامعة نوتردام في رسالة نشرتها الصحف الهولندية: "لا يمكن للنظام الدولي القائم على القواعد والأحكام أن يحل محل القانون الدولي - وذلك أن القانون الدولي متضمن في نفس مفهوم الدولة، والحدود الدولية، والمعاهدات وحقوق الإنسان. إلا أن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام يقوض المعرفة بنظام القانون الدولي ويقلل من احترام الآخرين له. كما أن قدرة القانون على دعم الحلول المطروحة للتعامل مع التحديات العالمية من الحرب والسلام إلى التغير المناخي والفقر تتآكل تحت وطأة منافسة هذا المفهوم الذي تعتريه العيوب والآن انظر إلى ذلك الذي تفعله إسرائيل حالياً في غزة. بحلول نوفمبر صارت تقتل ما يقرب من 180 طفلاً في اليوم الواحد. طالب الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين بالتخلي عن منازلهم في شمال غزة. ثم بعد أن انصاع لذلك مئات الآلاف منهم، قامت بمهاجمة الأماكن التي توجهوا إليها في جنوب غزة، والتي ساقتهم بنفسها نحوها بعد تجويع غزة وحرمانها من الأدوية وإغلاق وسائل الاتصال معها وقتل صحفييها وفرض الحصار بل وحتى مداهمة مستشفياتها والادعاء بأن الأماكن التي يلوذ بها اللاجئون بأعداد كبيرة ما هي سوى مواقع لحماس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7494
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4566
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2373
| 01 أغسطس 2026