رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم تقف واشنطن والغرب دبلوماسيا وعسكريا وراء إسرائيل في عدوانها المدان دوليا على غزة، وكذلك تفعل الدول الأوروبية المنضوية تحت جناح الحماية الأمريكية، وطبعا يجب التفريق بين مواقف الحكومات ومواقف الشعوب، لأن المظاهرات المليونية الغاضبة خرجت في نيويورك وباريس ولندن وآخرها كوبنهاغن الثلاثاء الماضي، بينما توقع العالم أن أكبر المظاهرات ستخرج في رام الله وفي العواصم العربية الكبرى! وكان رجاء كل مواطن عربي ومسلم أن يحظى موضوع التلاعب بالقانون الدولي باهتمام قادة الخليج في قمتهم بالدوحة حتى جاءهم خطاب حضرة صاحب السمو أمير قطر الشيخ تميم حفظه الله فركز على أن جرائم الاحتلال كانت الدليل على المروق عن القانون الدولي والشرعية الدولية. هذه الشرعية التي أوجزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، والذي ينص على المساواة بين كل الشعوب والأجناس والأديان في التمتع بكامل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بدون أي تمييز. ففي هذا الصدد تكلم الصحفي والكاتب الأمريكي المختص بقضايا الأمن القومي (سبنسر أكرمان) ليستخلص إحدى العبر الكبرى من حدث السابع من أكتوبر 2023 فقال: "إن ما يجري في غزة اليوم يوضح الفرق بين القانون الدولي الحقيقي والقانون المدلس لأن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام والذي أسس لما سميناه القانون الدولي وهو الموثق في ميثاق منظمة الأمم المتحدة والمعترف به كمرجع وحيد لتنظيم العلاقات الدولية والتأسيس لنظام سياسي إنساني متفق عليه هو الشرعي الوحيد منذ 1945 لكن ما ترتكبه إسرائيل من جرائم حرب بقتل الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ يؤكد أن هذا القانون الدولي لم يعد هو الأعلى لدى البشرية بل عوضته قوانين أمريكية جرى تسويقها كأنها دولية وهي وحدها التي تفرض الالتزام بالهيمنة القانونية الأمريكية كما أنها هي التي تحدد من بإمكانه أن يفعل أو لا يفعل - ومن يحق له أن ينتهك الحدود التي تقيد عنف الدول. وتزامن نشر المقال مع توقيع 600 إعلامي أمريكي على رسالة وجهوها إلى الرئيس بايدن ينددون فيها بقتل الجيش الإسرائيلي لزملائهم الفلسطينيين عن قصد وقال هؤلاء الإعلاميون: "لا تجعلونا شركاء في جريمة حرب إسرائيلية تمثلت هذه المرة في قتل الصحفيين". ونعود لمقال (سبنسر أكرمان) المنشور على موقع "ذا نيشن" قال (سبنسر): إنه بعد وصول الضحايا المدنيين في غزة إلى مستوى العشرين ألفا، بدأت تتعالى الأصوات التي تدعو واشنطن إلى انتقاد انتهاك إسرائيل للأعراف الدولية وإجبارها على حصر عملياتها العسكرية على الأهداف العسكرية "المشروعة فقط دون استهداف انتقامي لشعب قطاع غزة" وتابع صاحب كتاب "عهد الإرهاب": كيف زعزعت حقبة 11 سبتمبر استقرار أمريكا؟ وهو ما نشأ بعدها هذا الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل مما يبين حقيقة ذلك النظام الأمريكي الذي عوض النظام العالمي. فعلى الرغم من أنه قائم نظريا وشكليا على القواعد والأحكام يبدو كما لو كان "قانوناً دولياً"، إلا أنه في واقع الأمر استبدال للقانون الدولي بامتيازات الهيمنة! كتب (أكرمان) يقول: "مع تجاوز عدد وفيات الفلسطينيين مستوى العشرين ألفا حذر دبلوماسيان أمريكيان من أنه بسبب دعم الرئيس جو بادين لإسرائيل شهدنا انتهاكات إسرائيل للأعراف الدولية، مثل الإخفاق في قصر العمليات الهجومية على الأهداف العسكرية المشروعة". وكتبا في مذكرة سربت إلى مجلة (بوليتكو) يقولان إن حرب إسرائيل على غزة تنثر بذور "الارتياب بالنظام الدولي القائم على القواعد والأحكام، والذي طالما كنا رواده وأبطاله. هذا ويشكل الدبلوماسيان جزءاً من جوقة متنامية تتبنى موقفاً معارضاً للحصانة من المساءلة والمحاسبة التي لم تزل الولايات المتحدة تمنحها منذ وقت طويل لمن ينتهكون القانون الدولي بشكل لا لبس فيه. وهذا ما أشار إليه عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني حين قال إنه "في صراع آخر" - وهو الغزو الروسي لأوكرانيا - نددت الولايات المتحدة "بالهجوم على البنية التحتية المدنية وتعمد تجويع السكان وحرمانهم من الغذاء والماء والكهرباء والضرورات الأساسية" ومضى يقول إن القانون الدولي "يفقد كل قيمته إذا ما كان تطبيقه انتقائيا. أضاف الكاتب: "ما من شك في أن الدبلوماسيين على حق، فالضوء الأخضر الذي منحه بايدن لإسرائيل يشكك في شرعية "النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام" كما يبين حقيقة ذلك النظام الدولي. فعلى الرغم من أن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام يبدو كما لو كان "قانوناً دولياً"، إلا أنه في واقع الأمر استبدال للقانون الدولي بامتيازات الهيمنة والنفاق، إذ تدين الإدارة الأمريكية روسيا على أعمال قصف المدنيين وتجويعهم وهي نفس الجرائم إذا قامت بها إسرائيل أعلنت الإدارة الأمريكية عن دعمها لها! يقول الكاتب: "لنكن واضحين كثيرون داخل وخارج الحكومة الأمريكية عادة ما يتعاملون مع مصطلح "النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام" كما لو كان مرادفاً لعبارة "القانون الدولي". يُسعد أنصار فكرة النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام أن يستخدموا القانون الدولي أو يشيدوا به إذا كان في ذلك ما يخدم مصالح الغرب الاستعماري، مثلما حينما تسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى إلقاء القبض على فلاديمير بوتين على جرائم الحرب التي يرتكبها في أوكرانيا. ومع ذلك لا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة بالخضوع إلى المحكمة الجنائية الدولية. بل قامت الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بإلغاء توقيعها على المعاهدة التي بموجبها تأسست المحكمة الجنائية. وفي عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على عائلات قضاة المحكمة الجنائية الدولية ممن فتحوا تحقيقاً في جرائم الحرب المنسوبة إلى الولايات المتحدة في حربها داخل أفغانستان. وتلك هي الطريقة التي يعمل بها النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام. لا تجدها تستبدل آليات القانون الدولي، وإنما تضع علامات نجمية إلى جانبها. قد تلزم هذه القيود خصوم الولايات المتحدة، أما الولايات المتحدة وعملاؤها فبإمكانهم أن يتحللوا منها ومن جهة أخرى قالت السيدة (ماري إلين أوكونيل) خبيرة القانون الدولي والأستاذة في جامعة نوتردام في رسالة نشرتها الصحف الهولندية: "لا يمكن للنظام الدولي القائم على القواعد والأحكام أن يحل محل القانون الدولي - وذلك أن القانون الدولي متضمن في نفس مفهوم الدولة، والحدود الدولية، والمعاهدات وحقوق الإنسان. إلا أن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام يقوض المعرفة بنظام القانون الدولي ويقلل من احترام الآخرين له. كما أن قدرة القانون على دعم الحلول المطروحة للتعامل مع التحديات العالمية من الحرب والسلام إلى التغير المناخي والفقر تتآكل تحت وطأة منافسة هذا المفهوم الذي تعتريه العيوب والآن انظر إلى ذلك الذي تفعله إسرائيل حالياً في غزة. بحلول نوفمبر صارت تقتل ما يقرب من 180 طفلاً في اليوم الواحد. طالب الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين بالتخلي عن منازلهم في شمال غزة. ثم بعد أن انصاع لذلك مئات الآلاف منهم، قامت بمهاجمة الأماكن التي توجهوا إليها في جنوب غزة، والتي ساقتهم بنفسها نحوها بعد تجويع غزة وحرمانها من الأدوية وإغلاق وسائل الاتصال معها وقتل صحفييها وفرض الحصار بل وحتى مداهمة مستشفياتها والادعاء بأن الأماكن التي يلوذ بها اللاجئون بأعداد كبيرة ما هي سوى مواقع لحماس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
8700
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1596
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
861
| 26 فبراير 2026