رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تاريخياً وتقليدياً تبقى الشؤون والأزمات الداخلية العامل والمحرك الرئيسي للناخب الأمريكي في انتخابات الكونغرس والرئاسة الأمريكية-لأهميته ولدورها في اهتمامات وأولويات الناخب الأمريكي بشكل عام. خاصة بغياب حروب تشارك بها القوات الأمريكية في الخارج. كما كان عليه الحال منذ شن إدارة بوش الابن الحرب على الإرهاب والحروب الاستباقية التي قادت لغزو واحتلال أفغانستان والعراق قبل أكثر من عشرين عاماً.
لكن نشهد في انتخابات الرئاسة الأمريكية اليوم تداعيات وتأثير حرب إبادة إسرائيل على غزة منذ 7 أكتوبر الماضي وباتت تفرض نفسها على النقاش كإحدى القضايا المؤثرة في انتخابات الرئاسة الأمريكية، بسبب موقف الرئيس بايدن وقيادات إدارته- وخاصة وزيري الخارجية والدفاع والناطقين باسم الوزارتين والبيت الأبيض المتواطئين، وحتى الإعلام التقليدي الذي من الواضح انحيازه للسردية الإسرائيلية والتغطية التي تتبنى بشكل واضح السردية الإسرائيلية. ولولا تغطية ومقاطع الفيديو التي تعرض في وسائط التواصل الاجتماعي لحجم الكارثة والدمار والإبادة وسلاح التجويع الذي ترتكبه القوات الإسرائيلية المحتلة والغازية-لما أدرك العالم حجم الكارثة!
سجلت في زاويتي في الشرق عدة مقالات عن الموقف والدور الأمريكي في حرب غزة منذ شن إسرائيل حربها في أكتوبر الماضي. وقدمت في مقالاتي انتقادا موثقا لموقف إدارة بايدن الداعمة عسكرياً وسياسياً بلا سقف وحدود، وتوفير الغطاء باستخدام الفيتو 4 مرات في مجلس الأمن برفض وقف الحرب. وتطور وتقدم الموقف الأمريكي من رفض وقف الحرب إلى الدفع كما يكرر الرئيس بايدن مؤخراً لوقف فوري للقتال لستة أسابيع في شهر رمضان لإدخال مزيد من المساعدات الإنسانية والتوصل إلى صفقة تبادل الأسرى والرهائن.
وبرغم بدء التباين بين الرئيس بايدن ونتنياهو لرفضه خفض التصعيد واستمرار استهداف المدنيين وعجزه عن تحقيق أي من أهدافه المعلنة منذ اليوم الأول لحرب الإبادة التي دخلت شهرها السادس ولم ينجح بالقضاء على حماس ولا بتحرير أي من الرهائن ولا في تحييد غزة لمنع تكرار 7 أكتوبر-مع استمرار بقاء المستوطنين أكثر من نصف مليون مستوطن خارج منازلهم في مستوطنات غلاف غزة ومستوطنات الشمال على حدود لبنان في أكبر عملية إجلاء للمستوطنين.
إلا أن حدة الخلافات تصاعدت في الشهرين الماضيين بانتقادات علنية لنتنياهو. وصف بايدن القصف الإسرائيلي على غزة «بالعشوائي» ولاحقاً «تجاوز الحدود»-ورفض شن اجتياح على رفح ما لم يتوفر خطة لإجلاء النازحين المتكدسين في رفح على حدود مصر، وتكرار بايدن ووزرائه الحاجة لإدخال المزيد من المساعدات ووقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع. وحتى المطالبة بفتح معبر رفح بالضغط على نتنياهو والرئيس السيسي. واستقبال نائبة بايدن في واشنطن وزير مجلس الحرب غانتس رغم معارضة نتنياهو!
ووصل الأمر بإسقاط إدارة بايدن من الجو مساعدات انسانية فوق قطاع غزة، ولكن ذلك ليس حلاً، خاصة مع سقوط بعض صناديق المساعدات في البحر وفوق مستوطنات وحتى فوق رؤوس المدنيين الجياع المنتظرين للمساعدات. ناهيك عن ارتكاب إسرائيل مجازر بإطلاق النار على الحشود الجائعة وقتل أكثر من 100 مدني واصابة 1000 آخرين.
وما يعكس حالة الإحباط التي يعيشها الرئيس بايدن من عناد ورفض نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة التي تدفع أنصاره لانتقاد موقفه وخاصة الناخبين العرب والمسلمين وخاصة في الولايات المتأرجحة التي فاز بها على ترامب بفارق بسيط أدت لهزيمة ترامب وفوز بايدن في انتخابات رئاسة 2020، تتقدمها ولاية ميشيغان-التي صوت أكثر من 100 ألف يعادل 13.8% من الأصوات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي قبل أسبوعين «غير ملتزم»-رافضين التصويت لبايدن احتجاجا على موقفه الرافض لوقف الحرب في غزة. كما رفضت قيادات الجالية العربية والمسلمة الاجتماع مع مستشاري بايدن، قبل دعم وإعلان بايدن وقف حرب إبادة إسرائيل على غزة!
وللتدليل على الإحراج وانزعاج بايدن بسبب عناد ورفض نتنياهو السماح بفتح معبر رفح وإدخال مزيد من المساعدات براً عبر معبر رفح برغم تضور نصف سكان غزة من الجوع خاصة في شمالي القطاع، ووفاة 23 طفلاً من سوء التغذية والجفاف.
ووصل الأمر ببايدن في محادثة مع أحد أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بعد نهاية خطاب «حالة الاتحاد» سُمع بايدن يقول مساء الخميس الماضي في ميكرفون مفتوح «علينا الاجتماع مع نتنياهو مع سيدنا عيسى»! رداً على سؤال ماذا عنى بذلك علّق على إسرائيل السماح بإدخال المزيد من المساعدات إلى غزة. بعد فقدان جميع المواد الضرورية للحياة من غذاء ودواء ومواد طبية، كما يرافق تلك المأساة فشل ضغوط بايدن وتوقعاته بالتوصل لوقف القتال!
ما اضطر الرئيس بايدن إصدار تعليماته للجيش الأمريكي بإنشاء رصيف مؤقت في مرفأ غزة لاستقبال المساعدات الإنسانية وتوفير مليوني وجبة يوميا! لكن الجميع يعلم أن ذلك ليس حلاً!
واعترف بايدن بصعوبة التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار قبل بدء شهر رمضان كما كان يروج! والتوصل لصفقة تبادل المحتجزين وإدخال المساعدات. ورفض حماس صفقة تبادل للأسرى والمحتجزين ما لم يتم وقف كامل لإطلاق النار والانسحاب العسكري من قطاع غزة. وعلّق أبو عبيدة الجمعة:» نستقبل رمضان بالجهاد والرباط في زمن عز فيه الرجال».
للأسف لا يبدو البعد الأخلاقي حرك ضمير بايدن ليغير موقفه وبدء ضغطه على نتنياهو. بل لتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، وخاصة لدى الناخبين العرب والمسلمين الأمريكيين وشباب الجامعات والناشطين الذين دأبوا على مقاطعة بايدن في المهرجانات الانتخابية. واليوم بعد خطاب حالة الاتحاد صار بايدن الرئيس والمرشح للرئاسة. وسيطوف ونائبته ووزراء وقيادات حزبه الولايات المتأرجحة للترويج لحملته الانتخابية لضمان فوزه في رئاسة ثانية لكن انحيازه وعجزه وفشله وقف حرب غزة سيبقى يلاحقه!
اختصار الكاتب في موقف!
في حياتنا الثقافية كثيرا ما اقرأ صفات لبعض الكتاب، تقلل من قدرهم بسبب اقترابهم من السلطة. من الأمثلة... اقرأ المزيد
195
| 01 يوليو 2026
إشارات عن التعليم (2-2)
نواصل الحديث ونستكمل ما بدأنا في هذه المساحة عن التعليم بإشارات وتلميحات وتساؤلات، واللبيب من الإشارة يفهم!. وما... اقرأ المزيد
168
| 01 يوليو 2026
يستمر النابح والمركب يسير
نعلم أن منتخبنا القطري قد خرج مبكرا من الأدوار الأولى لمونديال كأس العالم 2026 والذي يقام حاليا في... اقرأ المزيد
138
| 01 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4530
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
3483
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
2373
| 01 يوليو 2026