رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

378

د. أحمد المحمدي

هزيمة النصر

11 يوليو 2026 , 10:57م

يروى أن أبا جعفر المنصور قال: بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال الأسد: إنما أنت خنزير، ولست بكفء لي ولا نظير؛ فإن قتلتك قال الناس: قتل الأسد خنزيرًا، وإن نالني منك شيء كانت مسبة علي. فقال الخنزير: سأشيع بين السباع أنك جبنت عن لقائي. فقال الأسد: «احتمالي كذبك أيسر علي من تلطخ شاربي بدمك».

وليست الحكمة في هذه القصة أن الأسد كان أقوى من خصمه، وإنما أنه كان أفقه بقيمة نفسه، وأبصر بطبيعة المعارك. فقد أدرك أن القتال ليس هو الميدان الوحيد للهزيمة، وأن أخطر الهزائم قد تقع قبل أن تبدأ المعركة؛ حين يقبل الإنسان أن يقف في ساحة لا تليق بمقامه، وأن يمنح خصمه شرفًا لم يكن يملكه بمجرد قبوله مواجهته.

فليس كل صراع يراد به الوصول إلى الحق، ولا كل خصومة غايتها الانتصار لفكرة. بل إن كثيرًا من المعارك لا يقصد أصحابها الغلبة، وإنما يقصدون إسقاط الفوارق بين الناس. فالعاجز قد يعلم أنه لن يغلب العالم، والسفيه قد يوقن أنه لن يقهر الحكيم، ولكنه يستطيع أن يحقق غاية أخرى؛ وهي أن يجعله يقف معه في مستوى واحد، فيصبح مجرد اجتماع الاسمين في معركة واحدة انتصارًا له، ولو انتهت الجولة كلها بخسارته.

ولهذا كان العقلاء يزنون الخصومات قبل أن يزنوا حججها؛ لأن السؤال الأول ليس: هل أستطيع أن أنتصر؟ وإنما: هل يليق بي أن أدخل هذه المعركة أصلًا؟ فكم من إنسان خرج من مناظرة غالبًا، ولكنه خرج من مقامه مغلوبًا، وربح القضية وخسر الهيبة، وأثبت قوة منطقه، لكنه أضعف مكانة نفسه.

ولهذا كانت المحافظة على المقام نوعًا من الحكمة لا يقل شأنًا عن المحافظة على الحق. فإن الناس لا ينظرون دائمًا إلى نتيجة الخصومة، وإنما ينظرون كذلك إلى أطرافها؛ فمن رضي أن ينازل كل أحد، فقد سوّى بين نفسه وبين كل أحد، وإن غلبهم جميعًا. وليس كل انتصار زيادة في القدر، فقد يكون ثمنه أن يفقد الإنسان ما كان يتميز به من وقار، أو هيبة، أو رفعة.

ومن هنا جاء أدب القرآن مختلفًا عن منطق المغالبات؛ فلم يجعل الفضيلة في كثرة الردود، ولا في سرعة الانتصار للنفس، وإنما في ضبطها وحفظها من أن تنزل إلى حيث يريد السفهاء. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فلم يكن السلام هنا عجزًا عن الجواب، بل سموًا عن الدخول في معركة لا تليق بأهل الفضل. ولذلك لم يأمرهم القرآن أن ينتصروا على الجاهلين، وإنما أمرهم أن ينتصروا لأنفسهم من الجاهلين.

ومن تأمل سير الأنبياء والعلماء وجد أنهم لم يكونوا يجيبون كل معترض، ولا يناقشون كل مستفز، ولا يقفون عند كل ناعق. لأنهم كانوا يعلمون أن الوقت والعلم والهيبة أعمار لا يجوز أن تهدر في معارك لا تثمر حقًا، ولا تهدي ضالًا، وإنما تمنح الباطل مساحة لم يكن ليحصل عليها لولا أن أهل الحق التفتوا إليه.

ولهذا فإن من فقه الإنسان بنفسه أن يفرق بين معركة الحق، ومعركة الكرامة، ومعركة العبث. فالأولى قد تجب، والثانية قد تحسن، أما الثالثة فلا يربحها أحد؛ لأن مجرد الدخول فيها خسارة. وقد قيل: إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يسقط فيها الخصم، وإنما التي يبقى فيها الإنسان واقفًا في مقامه الذي أراده الله له.

إن الإنسان قد ينتصر بالحجة، ويهزم بالقيمة؛ ويعلو في الجواب، ويسقط في الخطاب؛ ويربح القضية، ويخسر القامة. وما أقسى نصرًا يخرج صاحبه من مقامه، ليقيمه في الموضع الذي اختاره له خصمه! وتلك هي الهزيمة التي لا يشعر بها كثير من المنتصرين؛ هزيمة الانتصار.

وقد أحسن الشاعر إذ قال:

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخير من إجابته السكوت

فإن كلمته فرجت عنه

وإن خليته كمداً يموت

اقرأ المزيد

الأمير الوالد بنى الإنسان.. قبل أن يبني الوطن الأمير الوالد بنى الإنسان.. قبل أن يبني الوطن

هناك قادةٌ يُخلّدهم التاريخ بما شيدوه من عمران، وهناك قادةٌ يخلّدهم بما غرسوه في الإنسان. أما الأمير الوالد... اقرأ المزيد

57

| 16 يوليو 2026

الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن

لعلّ أعمق ما كشفه الحزن على رحيل سيدي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد

81

| 16 يوليو 2026

إنه الشيخ حمد إنه الشيخ حمد

قد نكتب آلاف الكلمات هنا وهناك في رثاء فقيد الوطن، لكنها لا تكفي، لأن الفقيد كان رجل المواقف... اقرأ المزيد

54

| 16 يوليو 2026

مساحة إعلانية