رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه ليست شكوى من أحد، ولا عتابًا موجَّهًا إلى شخص بعينه، وإنما خلاصة تجربة وتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية؛ تلك العلاقات التي نظن أحيانًا أنها بلغت من الرسوخ مبلغًا لا تهزّه المواقف، ثم تكشف لنا الأيام أن بعض ما حسبناه ثابتًا لم يكن إلا مؤقتًا، وأن بعض الوجوه لا نعرف حقيقتها إلا عندما تتعارض المصالح أو تنتهي الحاجة.
فالإنسان قد يبذل الإخلاص، ويحسن المعاملة، ويقف إلى جانب الآخرين في أوقات حاجتهم، ثم يفاجأ برد فعل لم يكن في حسابه. والأشد إيلامًا أن تأتي المفاجأة أحيانًا ممن حسبهم الأقرب؛ ممن ظن أن بينه وبينهم من المودة والعِشرة والجميل ما يكفي ليحفظ العلاقة من تقلب الأيام.
لكن الأيام مدرسة لا تمنح شهاداتها مجانًا، إنها تختبر العلاقات في المواقف، وتفرز من أحبك لشخصك، ومن أحب ما يستطيع الحصول عليه منك.
العلاقات ومرحلة «البيات الشتوي»
قد تمر بعض العلاقات بفترات من الهدوء تجعلنا نظن أن الخلافات انتهت، وأن النفوس صفت، وأن ما مضى قد طوي إلى غير رجعة. ولكن لا ينبغي أن نطمئن دائمًا إلى هذا «البيات الشتوي»؛ فقد يأتي موقف صغير ليعيد العلاقة إلى المربع الأول، وكأن سنوات من المعروف والمودة لم تكن.
وهنا تظهر حقيقة مهمة: المواقف لا تغيّر الناس دائمًا، لكنها كثيرًا ما تكشفهم.
فعندما تكون المصالح متوافقة، يسهل على الجميع تبادل الابتسامات والكلمات الجميلة. أما الاختبار الحقيقي فيأتي عندما تقول «لا»، أو تختلف في الرأي، أو تعجز عن تقديم ما اعتاد الآخر الحصول عليه منك.
عندئذ فقط نعرف مقدار ما كان للعلاقة من جذور.
عندما يسقط المكياج
لبعض العلاقات «مكياج» اجتماعي جميل: كلمات رقيقة، ومجاملات، وابتسامات، وعبارات تقدير ووفاء. وليس في ذلك عيب إذا كان الظاهر امتدادًا لما في القلب.
ولكن المشكلة تبدأ عندما يكون هذا الجمال غطاءً لمصلحة مؤقتة، فالمكياج مهما طال بقاؤه لا يصبح وجهًا، ومتى انتهت المناسبة أزيل، وظهر الوجه على حقيقته.
وهكذا بعض العلاقات؛ قد تستمر سنوات تحت غطاء من المجاملة والمصلحة المشتركة، ثم يأتي موقف واحد فيزيل ذلك الغطاء كله.
وحينها يكتشف الإنسان أن بعض الابتسامات لم تكن أكثر من مسكّن مؤقت للألم؛ أشبه بحبة دواء تخفف الوجع لبعض الوقت، لكنها لا تعالج أصل الداء.
من طرف اللسان حلاوة
وقد لخّص الشعر العربي هذه الازدواجية منذ قرون في قول الشاعر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ
إنها صورة قديمة لسلوك ما زال حاضرًا: لطف في الكلام، ومهارة في الاقتراب، وقدرة على إظهار الود، بينما تخفي النفس حسابات أخرى.
ولعل من أبلغ ما عبّرت به الثقافة الشعبية عن هذا النوع من العلاقات قولهم:
صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما
فالمشكلة هنا ليست في وجود المصلحة؛ فالحياة نفسها قائمة على تبادل المصالح والمنافع. الطبيب ينتفع من المريض والمريض ينتفع من الطبيب، والتاجر والمشتري، والمعلم والمتعلم، والدول والمجتمعات، جميعها تتبادل المنافع.
إنما الخلل أن تتحول المصلحة من جسر للتعاون إلى أداة لاستعمال الإنسان.
هناك فرق أخلاقي كبير بين أن أنتفع منك وأنفعك، وبين أن أستعملك حتى أصل إلى غايتي ثم أتخلى عنك.
هل كل الناس ناكرون للجميل؟
هنا ينبغي أن نكون منصفين
التجارب المؤلمة قد تدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن الجحود أصل في البشر، لكن التعميم ظلم للحقيقة كما هو ظلم للناس.
فكما يوجد من ينسى المعروف، يوجد من يحفظ معروفًا قُدّم إليه قبل عشرات السنين. وكما يوجد من تتبدل ملامحه عند انتهاء المصلحة، يوجد من يقف معك عندما تنتهي المصالح كلها.
وهؤلاء هم الذين يعيدون للإنسان ثقته بأن الخير لم ينقطع.
والوفاء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلام في زمن الرخاء، بل بالموقف عندما لا يعود لديك شيء تقدمه.
من بقي عندما انتهت حاجته إليك، فقد أحب الإنسان فيك، لا المنفعة التي عندك.
الإنسان أعقد من أن تحكمه معادلة واحدة
الإنسان كائن شديد التعقيد. تتداخل في سلوكه الحاجة والخوف والطموح والحب والغيرة والمصلحة والوفاء والأنانية والامتنان.
ولهذا لا ينبغي أن نقرأ كل علاقة من زاوية مثالية خالصة، كما لا ينبغي أن نقرأها من زاوية الشك المطلق.
فالناس ليسوا ملائكة، ولكنهم كذلك ليسوا جميعًا انتهازيين.
والحكمة أن نعامل الناس بالأخلاق، ولكن من دون أن نلغي العقل؛ أن نحسن الظن، ولكن من دون أن نفقد القدرة على قراءة المواقف؛ وأن نعطي، ولكن من دون أن نجعل كرامتنا ثمنًا للعطاء.
مكيافيللي ومنطق الغاية
يُنسب إلى الفكر المكيافيللي اختزال السياسة والعلاقات في منطق القوة والمصلحة، وتُختصر هذه النظرة عادة بعبارة «الغاية تبرر الوسيلة»، وإن لم ترد بهذه الصيغة الحرفية في كتاب الأمير.
والمشكلة ليست في الاعتراف بوجود المصالح؛ فهذا جزء من الواقع الإنساني والسياسي. المشكلة أن تصبح المصلحة مبررًا للخداع والغدر ونقض الوفاء واستعمال الآخرين أدوات لتحقيق الأهداف.
فالمجتمع الذي تتحول فيه العلاقات كلها إلى صفقات سرية يصبح مجتمعًا فقيرًا، مهما بلغ ثراؤه المادي.
لأن الثقة هي رأس المال الخفي للمجتمعات.
صحراء العلاقات
أحيانًا يكتشف الإنسان، بعد سنوات من العطاء، أن علاقة ظنها حديقة خضراء لم تكن إلا أرضًا سبخة؛ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.
ولكن حتى هذه الصورة لا ينبغي أن تقودنا إلى اليأس.
كان يقال إن البحر لا ينبت العشب، ثم عرف الإنسان أن في البيئات الساحلية أشجارًا مثل القرم تستطيع أن تمد جذورها حيث تبدو الحياة صعبة.
وفي هذه الصورة معنى جميل للعلاقات الإنسانية أيضًا:
حتى في البيئات القاسية يمكن للوفاء أن ينبت.
وربما كانت مهمتنا ألا نتحول بسبب تجاربنا السيئة إلى نسخة ممن آذونا.
فمن جحد معروفنا لا ينبغي أن يعلمنا الجحود، ومن قابل إحساننا بالإساءة لا ينبغي أن يقنعنا بأن الإحسان خطأ.
الأخلاق ليست صفقة
القيمة الحقيقية للأخلاق أنها لا تتغير بتغير الطرف الآخر.
أنا لا أصدق لأن الناس جميعًا صادقون، ولا أحفظ الجميل لأن الجميع يحفظونه، ولا أحسن إلى الآخرين لأنني أضمن أنهم سيردون الإحسان.
إنما أفعل ذلك لأن هذه أخلاقي التي اخترتها لنفسي.
وقد جاءت الرسالات السماوية، كما جاءت كثير من الفلسفات والقيم الإنسانية، بتعظيم الصدق والرحمة والوفاء وحسن المعاملة. وفي السنة النبوية جاء تعظيم حسن الخلق ومكانته الرفيعة.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط: كيف عاملنا الناس؟
بل أيضًا: هل استطاع سوء تعامل بعض الناس معنا أن يغيّر أخلاقنا؟
وأخيرًا…
تعلمنا الأيام ألا نضع ثقتنا كلها في الكلمات، بل في المواقف؛ وألا نقيس المحبة بحرارة الاستقبال، بل بثباتها عند اختلاف المصالح.
ليس كل قريب عضيدًا، وليس كل بعيد غريبًا.
وليس كل من ابتسم محبًا، كما أن كل من اختلف معنا ليس عدوًا.
فالزمن كفيل بأن يزيل «مكياج العلاقات»، والمواقف كفيلة بأن تكشف الوجوه دون حاجة إلى خصومة أو انتقام.
ومع ذلك، يبقى أجمل انتصار للإنسان ألا تسمح له التجارب القاسية بأن يصبح قاسيًا.
فلا تجعل جحود الآخرين يسلب منك فضيلة الوفاء، ولا تجعل خيبة الأمل تقنعك بأن المعروف خسارة.
ازرع الخير، ولكن اعرف أين تزرعه.
أحسن إلى الناس، ولكن لا تعطِ أحدًا حق امتهانك.
ثق، ولكن اجعل للمواقف نصيبًا من حكمك.
واحفظ الجميل، حتى وإن عشت في زمن ينساه فيه البعض سريعًا.
فلعل البحر الذي قيل يومًا إنه لا ينبت العشب، أنبت القرم على شواطئه؛ ولعل أرض العلاقات التي أجدبت طويلًا ينبت فيها يومًا رد الجميل، وحفظ العِشرة، وصدق المودة، وحسن الخلق.
فذلك هو الغرس الذي يحتاج إليه الإنسان، وتحتاج إليه المجتمعات، أكثر من أي وقت مضى.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما
حينما يصبح التدخل «حقاً» والانكفاء حصانة
تعد ظاهرة "الازدواجية في المعايير" إحدى أعقد المشكلات التي تواجه النسيج الاجتماعي والفكري المعاصر، وتتجلى بوضوح في ميل... اقرأ المزيد
609
| 22 يونيو 2026
حين يصبح الوجع معلماً.. بين هم الوصفات الجاهزة وحكمة التجربة
لا تَشْكُ لِلنَّاسِ جُرْحاً أَنْتَ صَاحِبُهُ … لا يُؤْلِمُ الجُرْحُ إلا مَن بِهِ ألَمُ يبقى هذا البيت الشعري... اقرأ المزيد
681
| 13 يونيو 2026
القيم المفقودة.. حين يتغير المجتمع وتبقى الأسئلة
لا يختلف اثنان على أن الإنسان يولد في بيئة تشكّل وعيه الأول، وتغرس فيه منظومة من القيم والمبادئ... اقرأ المزيد
405
| 20 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
Dr.hamad_55hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9969
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2640
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2409
| 22 أكتوبر 2026