رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• لا أمان لخائن، ولا ثقة لقاتل، ولا سلام مع عدو، «ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» فالحذر وأخذ الحيطة توجيه نبوي شريف، في تعاملنا كبشر.. فالأولى في زمن سائد فيه خرق القوانين الدولية، وعدم احترام سيادة الدولة.. أن يكون الحذر واجبا ولا ثقة مع عدو وخائن وصاحب عدو! ومن جرب منه مكرا وخديعة، وهذا التوجيه من المعاني والوصايا النافعة التي اشتملت عليها السنة النبوية، فقد روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين».
• يوم الثلاثاء التاسع من سبتمر 2025 لم يكن يوما عاديا وحدثا عابرا في سجل الاعتداءات الإسرائيلية، بل لحظة من التاريخ كشفت عن غطرسة محتل وغدر خائن وعدو حقيقي لا سلام ولا أمان معه.. وفي الوقت ذاته كشفت عن صلابة وصدق دولة آمنت منذ البداية بعدالة القضية الفلسطينية.
• ارتكبت إسرائيل خرقا جسيما للقانون الدولي حين قصفت احد الأحياء السكنية في الدوحة، مستهدفة قيادات من حركة حماس في جلسة عمل ونقاش حول مبادرة لوقف إطلاق النار بوساطة قطرية.
• تمثل تلك الغارة الإسرائيلية منعطفًا خطيرًا في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ليس فقط لأنها استهدفت قادة من حركة حماس في لحظة بحث مبادرة لوقف إطلاق النار، بل لأنها شكّلت سابقة دولية خطيرة بانتهاك سيادة دولة مستقلة تلعب دورا سياسيا وقياديا وإنسانيا كوسيط لحل الأزمة وإيقاف القتل والقصف المستمر على مدنيين عزل. تجاوزت العملية حدودها العسكرية لتصبح اختبارًا لمصداقية القانون الدولي ولقدرة المجتمع الدولي على حماية قواعد النظام العالمي.
• التزمت دولة قطر ممثلة بإيمان قيادتنا الرشيدة منذ البداية بالقضية الفلسطينية، التزمت قطر وقيادتها الرشيدة وشعبها بموقف ثابت يقوم على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والوقوف معه مع كل دمار وقصف لبث روح الحياة لاطرافها وشعبها. هذا الموقف لم يكن يومًا خاضعًا للمساومات أو الضغوط، بل نابع من رؤية استراتيجية ترى في القضية الفلسطينية محددًا أخلاقيًا وسياسيًا لمصداقية العالم العربي والإسلامي.
• ومع الاعتداء الإسرائيلي أعادت دولة قطر تأكيد هذا الثبات، معتبرة أن استهدافها لن يغيّر من التزامها تجاه القضية الفلسطينة ولا من دورها كوسيط يسعى إلى تحقيق العدالة ورفع المعاناة عن أهل غزة المظلومين.
• ينظر لدولة قطر كدولة صغيرة الحجم كبيرة التأثير، مستفيدة من أدوات القوة الناعمة التي عززت حضورها الدولي عبر دبلوماسية الوساطة التي جعلت الدوحة محطة رئيسية في ملفات السلام. الإعلام الدولي الذي أسهم في كشف الانتهاكات وإبراز صوت الشعوب المستضعفة.
• ينظر لدولة قطر عبر الرياضة والثقافة كمنصات لتعزيز صورتها العالمية، خاصة بعد تنظيم كأس العالم 2022 كنموذج في الأمن والتنظيم والاستدامة. هذه القوة الناعمة هي ما جعل من قطر هدفًا لمحاولات التشويه والضغط، إلا أن الاعتداء الأخير لم يؤثر إلا في تعزيز مكانتها كفاعل لا يمكن تجاهله وتجاوزه.. ووقوف معظم دول العالم وقادتها واستنكارهم للفعل الأرعن للعدو لدليل مكانة قطر في الخريطة الدولية وقوة حضورها وتأثيرها..
• إن محاولة استهداف قطر سياسيًا أو أمنيًا لن تؤثر على صورتها كدولة آمنة مستقرة ذات وزن مالي عالمي، بل تزيد من الالتفاف الدولي حولها باعتبارها لاعبًا أساسيًا في معادلة الطاقة والاستثمار.
• ما جرى في الدوحة يتجاوز كونه استهدافًا لدولة بعينها، ليطرح سؤالًا على المستوى الإقليمي: كيف ستتعامل المنظومة الخليجية والعربية والإسلامية مع انتهاك بهذا الحجم؟ إن التكاتف في هذه اللحظة ليس خيارا تكتيكيا، بل ضرورة استراتيجية، لإثبات أن المساس بسيادة أي دولة عربية أو استهداف القضية الفلسطينية على أرضها، هو مساس بمصالح الأمة بأكملها.
• رغم كل الانتهاكات، تبقى غزة عنوان الصمود ولبّ المعركة. فالاحتلال أراد باغتيال قادة حماس في الخارج أن يوجّه ضربة نفسية وسياسية، إلا أن هذا الاستهداف كشف عن هشاشة خطابه، وأعاد التأكيد على أن المقاومة فكرة راسخة وثابتة وولادة لا يمكن تصفيتها عسكريًا. ولا يمكن إبادتها ولا يمكن منع أرحام الأمهات الصابرات من ولادة قادة على مر الزمن والظروف..
آخر جرة قلم:
وطني «قطر».. يد آمنة ممتدة وأرض حاضنة لصوت الحق والعدل.. وعقل رشيد لا ينصت لثرثرة خائن ولا يأمن لغدر من يزعم أنه صديق! «قطر» لن تخذل عروبة دم ورابط دين ونجدة ملهوف..هي قطر كعبة المضيوم.. باقون على موقفنا ومبادئنا في نصرة قضية شعب ووطن الصمود..ولعله خير.. وبإذن الله تكون نهاية العدو بتصرفه الأرعن والمخطط له على بلدي قطر..النصر قادم بإذن الله.. وبشرى لأهل غزة بأن الفرج قريب بإذن الله …وقطر لن تتوانى وتتردد في الرد.. وتلقين العدو الأرعن والجبان والخائن دروسا في معنى الصبر والاستمرار ونصر الضعفاء وعدم الاستسلام والتراجع..
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...)
رحم الله الشهداء وحفظ الله قطر ونصر القضية الفلسطينية وحمى قادة حماس وأبقاهم قوة ترهب عدو جبان.. وليعلم العدو الظاهر والعدو الخائن الارعن أن حدود قطر وسلامة وأمن ضيوفها ومواطنيها ومقيميها.. وكل من يعيش على أرضها.. إن حدود قطر خط أحمر.. ولا يسمح لأي كان زعزعة أمنها..
قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى
1000 يوم، بل وتجاوزناها منذ أن سُمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حربا ونحن نعلم بأن الحرب يجب... اقرأ المزيد
96
| 28 يوليو 2026
من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟
بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في... اقرأ المزيد
96
| 28 يوليو 2026
المرء نِتاج خلواته !
ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد
180
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
alsalwa2007@gmail.com
@salwaalmulla
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1434
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
756
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
654
| 23 يوليو 2026