رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

180

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

المهاجرون والتطرف اليميني في الغرب

13 سبتمبر 2026 , 02:00ص

في لحظة فارقة على مسرح الأوسكار عام ١٩٧٣، اعتلت امرأة من الهنود الحمر السكان الأصليين للولايات المتحدة المسرح نيابة عن مارلون براندو الفائز بجائزة أفضل ممثل، ورفعت يدها بصرامة حاسمة رافضة لمس التمثال الذهبي. كان اعتذارها عن استلام الجائزة وإلقاؤها كلمة لم تتجاوز ستين ثانية احتجاجاً صريحاً على تشويه الدراما الغربية لهويتهم، وتضامناً مع انتفاضة "ووندد ني" ضد الفساد والتهميش ونقض المعاهدات. شكل ذلك المشهد إعلاناً مبكراً عن عمق الأزمة البنيوية بين المركزية الغربية و"التطرف" المدمى بالصمت.

إن للتطرف اليميني جذوراً دينية منتمية للدين النصراني عبر التاريخ الأوروبي وتاريخ الاحتلال العابر للقارات؛ حيث لم يكن "التطرف" وليد المصادفة، بل نتاج مركزية ترى الآخر الغريب تهديداً لهويتها. في هذا الفضاء المتوتر، يجد المهاجر نفسه محاصراً بسياسات باعتباره من الأقليات؛ تُحول وجوده إلى ورقة ابتزاز سياسي تُشْهَرُ في صندوق الاقتراع لتغذية فزاعة "الاستبدال العظيم" وتبرير عسكرة الحدود. وبينما يُتهم المهاجر باستنزاف الرعاية، تتبدى ازدواجية المنظومة الغربية في تراتبية عنصرية تجعل التحريض على المسلمين مجرد "حرية تعبير"، في حين تُساق القوانين لحماية المركز وتجريم من يمس ثوابته، ليُراد للمغترب أن يظل سواعد بناء صامتة في الهامش.

ولم تقف آثار هذا التطرف عند الجيل الأول، بل رسمت ملامح أزمة هوية مركّبة لدى الجيل الثاني من المهاجرين؛ إذ يجدون أنفسهم معلقين في مساحة برزخيه بين مجتمعات غربية تطالبهم بالاندماج وتُبقيهم في خانة "الآخر" عبر التهميش البنيوي، وموروث يمني يفصلهم عنه ضغط الثقافة الحاكمة. تتجلى هذه التناقضات في "تغرّب مزدوج" يفرض على الشاب المهاجر صراعاً يومياً في الفضاء العام لإثبات ولائه، وفي الفضاء الخاص لحفظ جذوره من الذوبان.

وتكتمل صورة هذه الطرفية عندما تُفكك أدوات الإعلام الغربي؛ إذ يقول الصحفي والمناظر مهدي حسن في إحدى مواجهاته الشهيرة: «إن مشكلتكم ليست مع سلوك المهاجر أو المسلم، بل مع وجوده ذاته، حيث يُطالب دائماً بإثبات براءته من تهمة لم يرتكبها». يضع هذا التصريح أصْبعَهُ على جرح العقيدة العنصرية؛ حيث يمتد الفكر الفوقي لشبكات مثل "الـ KKK" ليتحول اليوم إلى إرهاب أبيض عكسي تُغذيه خطابات الكراهية. تُوظف هذه الازدواجية الأخلاقية لتسييس المفاهيم وتجريد المهاجر اليمني من غطائه الحقوقي، ليجد نفسه محاصراً في الهامش ومكشوفاً أمام شحنٍ يميني يرى في وجوده تهديداً وجودياً يجب استئصاله.

إن اليد التي رفعتها ابنة السكان الأصليين على مسرح الأوسكار رادعةً المركزية الغربية عام ١٩٧٣، والصوت الذي أطلقه جيمس بالدوين في مناظرة كامبريدج كاشفاً زيف الهامش، هما الذروة التي تُعري أزمة المهاجر اليمني اليوم في الشتات. وبينما يصرّ اليمين المتطرف على إبقاء الغريب في طوق الابتزاز والتهميش، يظل المخرج الحضاري متمثلاً في إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية الجامعة؛ قيمٍ تجلت أنصع صورها في روح "وثيقة المدينة المنورة"، حيث يُعامل الوافد كشريكٍ في التنمية والإخاء لا كـ "آخر" في الطرف. إن معركة المهاجر اليمني ليست معركة صمود على أطراف الغرب فحسب، بل هي رحلة استعادة صوته وحقه الأصيل في الكرامة، والانتساب إلى حضارةٍ ترفع الإنسان لمقامه لا لعرقه أو هامشه.

وفي مقابل نماذج التطرف هذه والتهميش في الغرب باسم الرأس مالية المتوحشة والتي تعتبر الإنسان موردا ماديا بحتا، يُقدم واقع التعايش بين المجتمعات الإسلامية عموماً والمواطنين والمقيمين في قطر خصوصاً نموذجاً حضارياً مستلهماً من روح "وثيقة المدينة المنورة" في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فلئن أرست الصحيفة النبوية مفهوم "الأمة الواحدة" والقائمة على المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين وعدالة الحقوق والواجبات، فإن المجتمع القطري يعيد تمثل هذه الروح عبر احتضان المقيمين كشركاء تنمية وأصحاب فضلٍ وعطاء، لتتحول علاقة الأرض بالوافد من مجرد عقد عملٍ إلى عقد تعايشٍ وإخاءٍ إنساني يحفظ الكرامة ويُعلي قيم العدل والتكافل الاجتماعي والأخلاقي في المجتمع.

مساحة إعلانية