رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا هو المؤتمر الثاني الذي يعقد في العاصمة الفرنسية باريس (للتشاور حول قضايا الإرهاب في العراق وسوريا) بعد المؤتمر الأول في سبتمبر من العام الفائت، حضر المؤتمر ممثلو أربع وعشرين دولة من بينهم عدد من الدول العربية وتركيا والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وغيرهم وشارك فيه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، انتهى المؤتمر إلى بيان ختامي ومؤتمر صحفي ركز فيه المجتمعون على دعم جهود الحكومة العراقية في الحملة على الإرهاب كما وردت إشارات حول أهمية المصالحة وضرورة الاستعجال بالإصلاح السياسي وتفعيل مشاركة العرب السنة بعد أن اقتنع الجميع الآن كما يبدو إلى أن (تهميش العرب السنة حقيقة وليست مبالغة أو تجنيا على حكومة العبادي).
من جانبه ضمن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس مؤتمره الصحفي بضع ملاحظات هامة من بينها (إن حيدر العبادي تعهد بمصالحة بين جميع مكونات الشعب العراقي) في إشارة لمطالب العرب السنة بضمان معاملتهم دون تمييز أو تحيُز ووضع حد لحملة التطهير الطائفي التي انطلقت منذ حكومة إبراهيم الجعفري عام 2005 مرورا بحكومة المخلوع المالكي ومازالت قائمة إلى اليوم.
ومع أن العبادي حاول جاهدا – دون طائل - أن يقنع العالم بإنجازاته الرائعة!! في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي والأمني وحتى المصالحة الوطنية حيث لم يؤيده فيها أحد من المشاركين أو يثني على أدائه، فإنه جاء إلى باريس يتظلم ويشتكي من قلة الدعم العسكري أملاً في تغيير الموقف الغربي (نحن لا نريد منكم السلاح.. فقط سهلوا حصولنا عليه) لكنه عاد خائبا إلا من 2000 صاروخ أمريكي مضاد للدبابات!! ذلك أن التركيز انصب على تذكير العبادي ووعوده (بالإصلاح ومعالجة الخلل الطائفي).
بل ذهب الوزير الفرنسي إلى أبعد من ذلك بالقول (لا يوجد حل عسكري دون التوصل إلى حل سياسي)، وهو المنطق الذي لا يؤمن به العبادي ولا شركاؤه في التحالف الشيعي، إذ هم لا يرغبون في حل ناجع لأزمة العنف والتطرف في العراق.
ربما باستثناء الرسالة التي وجهها المؤتمر لرئيس الوزراء حيدر العبادي والتي وصفتها الخارجية الفرنسية على لسان الناطق الرسمي بأنها (رسالة صارمة.. إلى الحكومة العراقية بضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل لتحقيق مصالحة وطنية ويناء ديمقراطية تستوعب المكونات الوطنية العراقية جميعها) باستثناء ذلك فإن المؤتمر لم يخرج عن الإطار الاستعراضي الخطابي التقليدي.
مصادر عديدة أشارت إلى أن المجتمع الدولي رغم قناعته بالتجربة أن العبادي لا يختلف عن سلفه في التسويف والتعطيل، لا يوفي بوعد ولا يلتزم بعهد، رغم ذلك منح العبادي ثلاثة أشهر لتنفيذ وعوده كشرط لاستمرار الدعم!! إلا أن جميع التوقعات تشير إلى استحالة ذلك والسبب ربما لا يقتصر على موقف العبادي شخصيا بل إلى الجهة التي باتت بفضل دعم إيران وتجاهل المجتمع الدولي هي الآمرة والناهية وليس رئيس الوزراء حيدر العبادي، ومن هي؟ غير الدولة العميقة بقيادة المخلوع نوري المالكي معززا بخمسة وأربعين فصيلا من المليشيات الطائفية الموالية بقيادة قاسم سليماني الذي يهيمن فعلا على إدارة الملف الأمني بعد أن تم تجريد القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي من صلاحياته الدستورية.
المشاركون يعلمون جيدا ضعف حكومة حيدر العبادي مقابل سطوة وإرهاب المليشيات ناهيك عن نفوذ إيران لهذا لا أدري في ضوء ذلك كيف يطلبون من مسؤول لا يملك القرار في تنفيذ ما لا يقدر عليه!!، وفي ضوئه لا أجد من قيمة لدعوة التحالف الدولي (على العراقيين أن يتحملوا مسؤولياتهم ويكونوا خط الدفاع الأول عن بلدهم)، السؤال كيف؟ وإيران تعبث بأمنهم ومقدراتهم وتتدخل بشؤونهم وهم يعلمون علم اليقين أن ما بقي من عراق لا يؤهله للدفاع عن نفسه، بينما هم غير مستعدين للقيام بالمهمة نيابة عن العراقيين، ولهذا العراق والغرب أمام حالة استعصاء فريدة ربما عبر عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في لقاء الثمانية الكبار في بافاريا مؤخرا بقوله:
(ليست لدينا إستراتيجية متكاملة لمساعدة الحكومة العراقية على استعادة المدن من تنظيم الدولة)!!
قصور المؤتمر يتجاوز ذلك إلى ما هو أهم، لقد تحدث المؤتمر عن تهميش العرب السنة وطالب بإنصافهم لكنه – أي المؤتمر - تغافل بالوقت نفسه عن دعوة ممثل عنهم ليخاطب المؤتمر ويشرح لهم معاناتهم! واكتفى ربما – أي المؤتمر - بالحوار مع الحكومة المتهمة باستمرار هذه المعاناة ممثلة بحيدر العبادي والاستماع إلى وجهات نظره بينما هو لم يشارك في المؤتمر نيابة أو متحدثا عنهم. وهكذا كرر المؤتمر خطيئة حيدر العبادي وقبله المخلوع نوري المالكي في تهميش العرب السنة.
معايير الغرب المزدوجة انعكست أيضاً على المؤتمر بحصر الإرهاب بالتطرف السني وأقصد داعش بينما تغافل عن إرهاب التطرف الشيعي وأقصد المليشيات الطائفية رغم أنها من حيث السلوك أسوأ، بعد أن فاقت وحشيتها وبربريتها كل تصور إذ فوق ساديتها في سحل وحرق وتعليق جثث الموتى وتقطيعها كما يفعل الجزار في الذبيحة فإنها تسلب وتنهب على نطاق واسع بل وحتى تنبش القبور.. موقف الغرب المثير للشبهة يمكن اختصاره بأنه من جهة يطالب العبادي بالإصلاح السياسي والمصالحة لكنه يمارس براجماتية في نظرته وتعامله مع المليشيات وطالما هذه المليشيات لا تشكل خطرا على الغرب فلا بأس أن تمارس كامل حريتها في إرهاب العرب السنة. في ظل هكذا وضع لا يمكن أن يكون الغرب شريكا نزيها للعرب السنة في محاربة التطرف، هذا هو الانطباع الذي لا يختلف عليه أحد وسيبقى هكذا حتى يتخلى الغرب عن معاييره المزدوجة.
مؤتمرات من هذا القبيل، تعاني من كل هذه الثغرات، تلامس الحقائق على استحياء، رغم أهميتها لا يمكن التعويل عليها في تقديم وصفة لعلاج أزمة العراق، وستثبت الأيام صدق توقعاتنا، وإن غدا لناظره قريب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4539
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4146
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1227
| 12 مايو 2026