رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

651

د. سلوى حامد الملا

أمهات بين موضة الـ Baby Shower ورسالة الأمومة

13 نوفمبر 2025 , 06:39ص

• أصبحت الأمومة في وقتنا الحالي لدى البعض – لا الجميع – موضة تتباهى بها بين صديقاتها؛ تبدأ بتقاليد واحتفالات قبيل قدوم الطفل بما يُطلق عليه بيبي شاور baby shower، وما يكون من احتفال وهدايا وترتيب وتصوير وفيديوهات وهاشتاقات، مرورًا بتصوير البطن في الشهر التاسع في جلسات خاصة، وانتهاءً بإعلان «وصول» أول مولود أو ثاني عبر المقاطع والصور المتتابعة.

• يأتي هذا المولود إلى الدنيا لأم اختارت تاريخًا مميزًا للولادة بعملية قيصرية، هروبًا من آلام الوضع، ليخرج الطفل “اللعبة” الحية الباكية دون بطارية وشحن..! تتسلى بتصويره وحمله، وتحصي عدد الفلاتر على “سناب شات” وغيرها، أكثر مما تحصي عدد الرضعات ومرات الاحتضان، والتصوير لهدايا الاستقبال والمنافسة في اسم الماركة والهدية!

• الأمومة نعمة عظيمة، ودور ميّز الله به الأنثى من الكائنات والنساء، بدءًا بالحمل وتعبه، ومرورًا بالولادة وآلامها، ووقوفًا واحترامًا وصبرًا على التربية وتعبها وإرهاقها وسهرها؛ لمن كانت أمًّا بحق وصدق وأمانة؛ كأمهاتنا رحم الله من غادرت منهن وأطال الله في أعمار من هن على قيد الحياة.. أمهات حقيقيات بصبرهن وتحملهن وسهرهن، دون وجود المساعدة والمربية، ودون زينة وملهيات دنيا تشغلهن عن هذا الدور العظيم. ولا يدرك حلاوته وشوق انتظاره إلا من حُرِمن منه!

• في السنوات الأخيرة، أولت الدولة ممثلة بقيادتها الرشيدة وقوانين الموارد البشرية اهتمامًا كبيرًا بالأم العاملة والأسرة؛ من إجازة الأمومة، وساعات الرضاعة، وتسهيلات العمل، ومحاولة الحد من الاعتماد المفرط على الخدم في تربية الأبناء، وتشجيع بقاء الطفل في حضن أسرته قدر المستطاع… كل ذلك إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وفي الجيل القادم.

• لكن المشكلة أن القوانين تستطيع أن تُفرّغ للأم وقتًا، ولا تستطيع أن تُحدّد لها أين تذهب بهذا الوقت، ولا كيف تستخدمه! لا نضمن أن تخرج الأم من دوامها إلى بيتها لتنتظر أبناءها وتعد لهم وجبة الغداء بحب، وتتابع واجباتهم وتحتويهم… كما لا نضمن ألا نجدها في المقاهي والمجمعات، تتنقّل بين الطاولات والماركات، بينما الأبناء ينتظرون من يربّيهم في البيت أو في الشاشات!

• القانون يمنح فرصة، لكن الذي يحوّلها إلى رسالة هو ضمير الأم والأب، واختيارهما اليومي. أصبحت التربية عند البعض دورًا خارج إطار المؤسسة الزوجية؛ كأن يُوكَل لأم الزوجة ويا ليت جدة تدرك معنى التربية الحقيقية التي تشربتها في تربية والدتها.. أو توكل التربية لأكثر من مربية وممرضة، أو لدور الحضانة المنتشرة، لينمو ويكبر جيل يفتقد هوية ثقافية ولغوية، ويفتقد هوية اجتماعية وهوية رجولية أو أنثوية لمعنى الحياء والستر، ولمعاني القيم التي يتعلّم منها أسس العادات والتقاليد والتعاليم الدينية والمجتمعية.

• اليوم لم تعد القضية “خادمة” فقط؛ بل شاشات ومنصّات تقتحم غرف الأطفال قبل قلوبهم، تزرع قيَمًا ومفاهيم وصورًا عن الحياة والعلاقات والجسد والنجاح، لا تشبه ما نريده نحن لهم. فإذا غابت الأم منشغلة، وغاب الأب متعبًا أو لا مكترثًا، تولّت “الشبكة” ووسائل التواصل ومدعو المثالية المتناقضة والهشة ليكونوا قدوة للأسف! مثل هؤلاء يتولون مهمة التربية بلا رقابة ولا رحمة.

• الدولة مهما قدّمت من قوانين وحماية وإجازات، لن تقدر أن تجلس بدل الأم بجانب السرير، ولا أن تُسمِع الطفل كلمة “حنون” بدل الأب، ولن تستطيع أن تعطي الابن أبًا يغار عليه، أو أمًّا تدعو له بصدق… هذه كلها مسؤولية الأسرة لا تُفوَّض ولا تُستَبدَل.

• آخر جرة قلم:

الأم لا تحتاج يومًا ليُحتفل بها، ولا تحتاج هدايا لكسب رضاها؛ الأم دور عظيم يُناط بها في تربية جيل قوي وواثق وسويّ. منذ أن تسري روح الجنين في رحمها، تدرك أنّ أولوياتها تتغيّر، ليكون هذا القادم هو الأول في ترتيب اهتماماتها. الدولة تمنح إجازة وضع، وساعات رضاعة، وحماية قانونية، وتُعلي من شأن الأسرة في رؤيتها الوطنية؛ لكنها لا تستطيع أن تفرض على الأم أن تعود إلى بيتها لا إلى المقاهي، ولا أن تُلزِم الأب أن يجلس مع أبنائه بدل أن يغيب خلف شاشاته. أمهات وآباء هذا الزمن بين خيارين: إمّا أن نكون امتدادًا لأمهات وآباء الأمس في صدق حضورهم وتربيتهم، وإمّا أن نصبح نموذج “أمهات آخر زمن” وأمهات «مودرن» بأفكار ومبادئ مقلدة ومنقولة وغير متسقة مع قيمنا ومبادئ ديننا وثقافتنا.. أمهات ضاعت منهن الهوية فَضاع معها جيل كامل.

نسأل الله السلامة للأجيال القادمة، وأن يرزقهم أمومة وأبوة صادقة، تعين على بناء بيت مطمئن، وأسرة متماسكة، ووطن قوي بأبنائه وبناته.

مساحة إعلانية