رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

594

د. أحمد المحمدي

إنهم كانوا يسارعون في الخيرات

14 مارس 2025 , 01:31ص

{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}.

تحكي آيات الله في كتابه الكريم قصة من قصص الأنبياء العظام، وهي قصة نبي الله زكريا عليه السلام وزوجه وولده يحيى عليه السلام. في هذا السياق، وصف الله سبحانه وتعالى عبادة هؤلاء الأنبياء وتقربهم إليه ودعاءهم بقولهم: «وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا.» ففي هذا الوصف، يتجلى المعنى العميق لعبادة المؤمن، حيث يظهر الرغَب الذي هو الطمع في جنة الله وفضله، ويظهر الرهَب الذي هو الخوف من عقابه وناره. وهكذا، يجسد هذا الدعاء التوازن الدقيق في قلب المؤمن الذي يسعى إلى النجاة، فيجمع بين رغبة في رحمة الله، وخوف من عذابه.

إن العبادة عند أهل السنة تشتمل على أصلين عظيمين، هما: المحبة والتعظيم. فالمحبة تولّد الرجاء، والتعظيم يولّد الخوف، وهكذا فإن المحبة تدفع العبد للعمل، والخوف يمنعه من تجاوز الحدود. ولا تعارض بين الحب والخوف والرجاء، بل تتكامل هذه المعاني في عبادة المؤمن.

يؤسس القرآن الكريم قاعدة عظيمة في هذا الباب، لتمثل توازنًا مطلوبًا في حياة المؤمن الذي يريد الظفر والنجاة، كما قال تعالى: «نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ».

وقد حذر أهل العلم من أن الخوف والرجاء لا ينفك أحدهما عن الآخر، فخوف بلا رجاء يفضي إلى اليأس والقنوط، ورجاء بلا خوف يقود إلى الغرور والأمن الكاذب. إن السلامة في أن يتوازنا، ويعتدل الجانبان، حتى يصبحا كالجناحين للطائر الذي يطير بهما في استقامة.

وعن ابن حجر في فتح الباري، في باب الرجاء مع الخوف، قال: «يستحب ألا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يؤدي ذلك إلى المكر في الأول، أو القنوط في الثاني، وكل منهما مذموم. والمقصود من الرجاء أن يحسن العبد ظنه بالله إذا وقع في تقصير، ويرجو أن يغفر له، كما يرجو قبول الطاعة».

أما من انغمس في المعصية دون ندم أو إقلاع، فهذا في غرورٍ عظيم، كما قال أبو عثمان الجيزي: «من علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن لا تُقبل طاعتك، ومن علامة الشقاء أن تعصي الله وترجو أن تنجو».

إن خشية الله عز وجل، وطاعته، هما السبيل للنجاة من النار والفوز بالجنة، وهي ما ينقلب فيه الخوف إلى طاعة، والرجاء إلى غفران.

مساحة إعلانية