رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

468

الدكتورة حصة حامد المرواني

الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين

14 سبتمبر 2026 , 12:15ص

هذا هو المقال الأول من سلسلة «قراءة في توصيات المختبر التشاوري الخليجي لقطاع التدريب والاقتصاد المعرفي».

تعددت خلال السنوات الأخيرة الجهات الحكومية والمؤسسات التي تقدم برامج إعداد المدربين، وتعددت معها البرامج والمبادرات والمسميات والشهادات. وخُصصت لهذه البرامج ميزانيات، وشُكلت من أجلها لجان، كما تعاقدت بعض الجهات مع شركات وبيوت خبرة خارجية ذات متطلبات مالية مرتفعة. وفي المقابل، مُنح المشاركون شهادات معتمدة ومسميات ومزايا تحفيزية تشجعهم على دخول مجال التدريب.

لكن، على الرغم من تعدد الجهات والبرامج وضخ الميزانيات، يظل عدد المدربين القادرين على الإنتاج الفعلي وصناعة محتوى أصيل وتحقيق أثر مهني محدودًا، ولا تتسع قاعدة المدربين المنتجين بالقدر الذي يتناسب مع حجم الإنفاق والجهود المبذولة.

وهنا يصبح من الضروري أن نسأل: أين تذهب كل هذه الجهود؟ ولماذا لا تتحول كثرة برامج إعداد المدربين إلى زيادة حقيقية في أعداد المدربين القادرين على الممارسة والإنتاج؟

إن تكرار البرامج المتشابهة بين جهات متعددة، من دون تنسيق واضح أو تحديد دقيق للمخرجات أو قياس للأثر، قد يؤدي إلى ضعف كفاءة الإنفاق ويفتح الباب أمام الهدر المالي. فالهدر لا يرتبط فقط بحجم المبالغ المصروفة، بل قد يظهر في تكرار المحتوى نفسه، واستقطاب الفئات نفسها، وإصدار المزيد من الشهادات، من دون إضافة نوعية إلى القطاع.

ولا يعني الحديث عن الهدر المالي التقليل من قيمة المبادرات القائمة أو الجهود المبذولة، وإنما يعني مراجعة العائد الحقيقي منها. فالمعيار ليس عدد البرامج التي نُفذت، ولا عدد المشاركين الذين حضروا، ولا عدد الشهادات التي وُزعت؛ بل عدد المدربين الذين انتقلوا بعد تلك البرامج إلى ممارسة مهنية منتجة، وأصبحوا قادرين على تصميم برامجهم وصناعة محتواهم وتحقيق أثر يمكن قياسه.

وقد لا تكون المشكلة في مدة البرامج أو كفاءة مقدميها، وإنما في إغفال محور أساسي يسبق مهارات الإلقاء والعرض والتقديم، وهو بناء «عقلية المدرب».

وفي هذا السياق، جاءت توصية سعادة السفير الدكتور عبدالعزيز الحر، خلال مداخلته في الحلقة النقاشية للمختبر التشاوري الخليجي لقطاع التدريب والاقتصاد المعرفي، بأهمية تعزيز محتوى برامج إعداد المدربين بمحور أساسي يُعنى ببناء عقلية المدرب. وهي توصية تضع يدها على إحدى الفجوات الجوهرية في برامج الإعداد؛ فامتلاك أدوات التدريب وتقنياته لا يكفي ما لم تسبقه عقلية مهنية تدرك مسؤولية المدرب وتدفعه إلى البحث والإنتاج والتطوير وصناعة الأثر.

عقلية المدرب ليست مادة تحفيزية إضافية، وإنما هي الطريقة التي يفهم بها المدرب دوره وهويته المهنية. هل يرى نفسه ناقلًا لمادة جاهزة، أم باحثًا ومنتجًا للمعرفة؟ هل ينتظر أن تقدم له جهة ما حقيبة تدريبية وفرصة للظهور، أم يدرس الاحتياجات ويبادر إلى تصميم الحلول؟ وهل يقيس نجاحه بعدد ساعات التدريب والشهادات التي حصل عليها، أم بما أحدثه من تغيير لدى الأفراد والمؤسسات؟

تركز كثير من برامج إعداد المدربين على الوقوف أمام الجمهور، وإعداد العروض، واستخدام نبرة الصوت ولغة الجسد، وإدارة التفاعل وتصميم الأنشطة. وهذه مهارات ضرورية، لكنها قد تصنع شخصًا قادرًا على التقديم، ولا تصنع بالضرورة مدربًا قادرًا على الإنتاج.

فالمدرب المنتج لا يكتفي بإتقان المنصة، بل يمتلك تخصصًا واضحًا، ويبحث باستمرار، ويصنع محتواه، ويفهم احتياجات سوق العمل، ويحوّل خبرته إلى حلول تدريبية قابلة للتطبيق. كما يدرك أن الحقيبة التدريبية ليست مجموعة من الشرائح الجاهزة، وأن نجاح البرنامج لا يُقاس برضا المشاركين وحده، وإنما بما تحقق من تعلم، وما تغير من سلوك، وما استمر من أثر بعد انتهاء التدريب.

وهنا يظهر الفرق بين حامل شهادة إعداد المدربين والمدرب المهني. فالشهادة تثبت اجتياز برنامج، لكنها لا تثبت وحدها الجاهزية للممارسة. والمشكلة تبدأ عندما تُعامل الشهادة باعتبارها نهاية رحلة الإعداد، بينما يفترض أن تكون بداية لمسار طويل من البحث والتجريب والإنتاج والتقويم المستمر.

لذلك، فإن تطوير برامج إعداد المدربين لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الساعات أو المزيد من الإنفاق، بقدر ما يحتاج إلى إعادة النظر في المحتوى والمخرجات. وينبغي أن يتضمن محور عقلية المدرب موضوعات مثل الهوية المهنية، والتخصص، والمسؤولية الأخلاقية، والبحث وإنتاج المعرفة، وفهم السوق، والملكية الفكرية، والتعلم المستمر، وقياس أثر التدريب.

كما ينبغي ألا يقتصر تقييم المشاركين على الحضور أو تقديم عرض قصير أمام زملائهم، بل يجب أن يرتبط بإنتاج مشروع تدريبي متكامل ينطلق من احتياج حقيقي، ويقدم حلًا واضحًا، ويتضمن أدوات قابلة لقياس نتائجه. عندها فقط ننتقل من إصدار شهادات إعداد المدربين إلى إعداد مدربين قادرين بالفعل على الممارسة والإضافة.

إن مراجعة برامج إعداد المدربين، وتنسيق الجهود بين الجهات التي تقدمها، وربط الإنفاق بمخرجات واضحة وقابلة للقياس، ليست ترفًا تنظيميًا؛ بل ضرورة لحماية الموارد وتحسين كفاءة الإنفاق.

لقد حان الوقت للانتقال من سؤال: كم برنامجًا نفذنا وكم شهادة أصدرنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كم مدربًا منتجًا أضفنا إلى القطاع؟

فالقطاع لا يحتاج إلى تكرار البرامج وزيادة أعداد حاملي الشهادات بقدر حاجته إلى مدربين يمتلكون عقلية مهنية تحوّل المعرفة إلى قيمة، والخبرة إلى منتج، والتدريب إلى أثر مستدام.

مساحة إعلانية