رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات، ونادرًا ما نتحدث عن أخلاق النهايات، وفي الحياة المهنية تحديدًا، قد تكون طريقة انتهاء العلاقة أكثر كشفًا لأخلاقيات أطرافها من سنوات العمل التي سبقتها.
فليس كل عقد كُتب له أن يُجدد، ولا كل شراكة أن تستمر، ولا كل مؤسسة أن تبقى تحت المظلة ذاتها، تتغير المصالح، وتتطور المسارات، وتنتهي الاتفاقيات، ويختار كل طرف طريقًا مختلفًا، وهذه في ذاتها ليست أزمة، بل جزء طبيعي من دورة الحياة المهنية والمؤسسية.
الأزمة تبدأ عندما لا يستطيع أحد الأطراف الاعتراف بأن العلاقة انتهت.
عندها قد يتحول الانفصال المهني من نهاية إدارية طبيعية إلى ما يمكن أن نسميه (الطلاق المهني)؛ حيث لا يكتفي أحد الأطراف بالخروج من العلاقة، بل يحاول أن يبقى حاضرًا في مستقبل الطرف الآخر، لا كشريك، وإنما كعائق.
وقد يأخذ هذا الحضور أشكالًا لا تظهر بسهولة في الأوراق الرسمية: اتصال هاتفي هنا، رسالة شفهية هناك، اعتراض غير مكتوب، أو محاولة للتأثير في جهة أخرى دون وجود مخاطبة رسمية يمكن الرجوع إليها، وفي بعض الحالات قد يُستدعى اسم مؤسسة كبيرة أو جهة ذات ثقل لإضفاء قوة على الكلام، فيتعامل الطرف المتلقي معه وكأنه موقف مؤسسي، بينما لا يملك أمامه وثيقة تقول ذلك.
وهنا يظهر سؤال يستحق التوقف عنده:
لماذا يخشى بعضهم الكتابة عندما يكون واثقًا من سلامة موقفه؟
في الإدارة المؤسسية، القرارات لا تخاف التوثيق، فإذا كان هناك اعتراض نظامي، فليكن مكتوبًا، وإذا كانت هناك مخالفة، فلتحدد، وإذا كان هناك إجراء واجب التطبيق، فليستند إلى نص وصلاحية واضحة، فالتوثيق لا يحمي الطرف المتلقي للقرار فقط، وإنما يحمي صاحب القرار والمؤسسة التي يمثلها أيضًا.
أما إدارة المصالح عبر المكالمات والرسائل غير الرسمية، فتضع الجميع في منطقة رمادية يصعب معها التمييز بين القرار المؤسسي والاجتهاد الشخصي، وبين ممارسة الاختصاص واستخدام النفوذ.
وتزداد حساسية المسألة عندما تكون إحدى الجهات ذات سلطة تنظيمية أو اعتبار مؤسسي كبير في مقابل مؤسسة خاصة أو طرف أقل نفوذًا، فاسم المؤسسة الكبيرة يحمل بطبيعته وزنًا، ومجرد استدعائه في حديث مع جهة أخرى قد يكون كافيًا لإحداث التردد أو التراجع، ليس لأن تلك الجهة اطلعت على قرار رسمي، وإنما لأنها افترضت أن المتحدث يعبر عن موقف المؤسسة بكاملها.
وهنا تحديدًا يجب أن تكون الحوكمة أكثر حضورًا.
فالسلطة المؤسسية ليست ملكية شخصية، والعلاقات التي بناها أي مسؤول أو موظف بحكم موقعه لا ينبغي أن تتحول بعد انتهاء علاقة مهنية إلى أدوات للتأثير في المسار المستقل للطرف الآخر، كما أن حماية سمعة المؤسسة ذاتها تقتضي ألا يُستخدم اسمها إلا في حدود الصلاحيات والإجراءات الرسمية.
لكن المسؤولية لا تقع على الطرف المتصل وحده.
فهناك مسؤولية مقابلة تقع على المؤسسات التي تتلقى مثل هذه الاتصالات، وهنا يظهر مفهوم وعي المؤسسات.
المؤسسة الواعية لا تتخذ موقفًا مؤثرًا في مصالح الآخرين استنادًا إلى (قيل لنا) أو (تم التواصل معنا)، بل تسأل: ما الصفة؟ ما السند؟ أين الخطاب؟ وهل ما يُطلب يمثل قرارًا مؤسسيًا موثقًا أم مجرد رأي أو اجتهاد؟
هذه الأسئلة ليست تعقيدًا للإجراءات، بل حماية لها.
وهي كذلك تحمي المؤسسات العامة قبل الخاصة؛ لأن هيبة المؤسسة لا تُصان بكثرة استدعاء اسمها، وإنما بضمان ألا يُستخدم هذا الاسم إلا في موضعه الصحيح، ووفق اختصاص واضح ومسؤولية يمكن الرجوع إليها.
وقد تنجح الأساليب غير الموثقة مرة؛ لأن الطرف الآخر لم يكن يتوقعها، أو لأنه فضّل الصمت، أو لأنه لم يعرف من أين جاء التعطيل، لكنها لا تنجح إلى الأبد.
فالوعي المؤسسي يتطور، والقطاع الخاص أصبح أكثر إدراكًا لأهمية التوثيق، والأفراد أصبحوا أكثر قدرة على السؤال، والمؤسسات المحترفة باتت تعرف الفرق بين (طلب رسمي) و(مكالمة)، وبين (قرار مؤسسي) و(وجهة نظر شخص يتحدث باسم المؤسسة).
وربما تكون جملة بسيطة مثل: (نرجو تزويدنا بذلك رسميًا) واحدة من أقوى أدوات الحوكمة التي يمكن أن تحمي المؤسسات والعلاقات المهنية في الوقت نفسه.
فالطلاق المهني الناضج لا يعني أن يتحول المختلفون إلى أصدقاء، ولا أن يتنازل أي طرف عن حقه في حماية مصالحه. فمن حق الأطراف أن تختلف، ومن حقها أن تنهي علاقاتها، ومن حق كل طرف أن يلجأ إلى الأنظمة والإجراءات إذا اعتقد أن له حقًا.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين حماية المصالح وملاحقة مصالح الآخرين.
والنجاح بعد انتهاء العلاقة ليس استفزازًا لأحد، والاستقلال ليس خيانة، واختيار طريق مهني جديد لا ينبغي أن يعني أن يبقى الطرف السابق واقفًا عند كل باب يحاول الآخر فتحه.
النضج المهني الحقيقي لا يظهر فقط في قدرتنا على بناء الشراكات، بل في قدرتنا على إنهائها باحترام؛ أن نبدأ باحتراف، ونختلف باحترام، ونفترق دون أن نحاول إغلاق الطريق أمام بعضنا.
فالطلاق المهني قد يكون حقًا، أما تحويل النفوذ المؤسسي إلى أداة بعد انتهاء العلاقة، فهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لوعي المؤسسات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8784
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026