رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

747

الدكتورة حصة حامد المرواني

الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول

16 أغسطس 2026 , 11:11م

في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات، ونادرًا ما نتحدث عن أخلاق النهايات، وفي الحياة المهنية تحديدًا، قد تكون طريقة انتهاء العلاقة أكثر كشفًا لأخلاقيات أطرافها من سنوات العمل التي سبقتها.

فليس كل عقد كُتب له أن يُجدد، ولا كل شراكة أن تستمر، ولا كل مؤسسة أن تبقى تحت المظلة ذاتها، تتغير المصالح، وتتطور المسارات، وتنتهي الاتفاقيات، ويختار كل طرف طريقًا مختلفًا، وهذه في ذاتها ليست أزمة، بل جزء طبيعي من دورة الحياة المهنية والمؤسسية.

الأزمة تبدأ عندما لا يستطيع أحد الأطراف الاعتراف بأن العلاقة انتهت.

عندها قد يتحول الانفصال المهني من نهاية إدارية طبيعية إلى ما يمكن أن نسميه (الطلاق المهني)؛ حيث لا يكتفي أحد الأطراف بالخروج من العلاقة، بل يحاول أن يبقى حاضرًا في مستقبل الطرف الآخر، لا كشريك، وإنما كعائق.

وقد يأخذ هذا الحضور أشكالًا لا تظهر بسهولة في الأوراق الرسمية: اتصال هاتفي هنا، رسالة شفهية هناك، اعتراض غير مكتوب، أو محاولة للتأثير في جهة أخرى دون وجود مخاطبة رسمية يمكن الرجوع إليها، وفي بعض الحالات قد يُستدعى اسم مؤسسة كبيرة أو جهة ذات ثقل لإضفاء قوة على الكلام، فيتعامل الطرف المتلقي معه وكأنه موقف مؤسسي، بينما لا يملك أمامه وثيقة تقول ذلك.

وهنا يظهر سؤال يستحق التوقف عنده:

لماذا يخشى بعضهم الكتابة عندما يكون واثقًا من سلامة موقفه؟

في الإدارة المؤسسية، القرارات لا تخاف التوثيق، فإذا كان هناك اعتراض نظامي، فليكن مكتوبًا، وإذا كانت هناك مخالفة، فلتحدد، وإذا كان هناك إجراء واجب التطبيق، فليستند إلى نص وصلاحية واضحة، فالتوثيق لا يحمي الطرف المتلقي للقرار فقط، وإنما يحمي صاحب القرار والمؤسسة التي يمثلها أيضًا.

أما إدارة المصالح عبر المكالمات والرسائل غير الرسمية، فتضع الجميع في منطقة رمادية يصعب معها التمييز بين القرار المؤسسي والاجتهاد الشخصي، وبين ممارسة الاختصاص واستخدام النفوذ.

وتزداد حساسية المسألة عندما تكون إحدى الجهات ذات سلطة تنظيمية أو اعتبار مؤسسي كبير في مقابل مؤسسة خاصة أو طرف أقل نفوذًا، فاسم المؤسسة الكبيرة يحمل بطبيعته وزنًا، ومجرد استدعائه في حديث مع جهة أخرى قد يكون كافيًا لإحداث التردد أو التراجع، ليس لأن تلك الجهة اطلعت على قرار رسمي، وإنما لأنها افترضت أن المتحدث يعبر عن موقف المؤسسة بكاملها.

وهنا تحديدًا يجب أن تكون الحوكمة أكثر حضورًا.

فالسلطة المؤسسية ليست ملكية شخصية، والعلاقات التي بناها أي مسؤول أو موظف بحكم موقعه لا ينبغي أن تتحول بعد انتهاء علاقة مهنية إلى أدوات للتأثير في المسار المستقل للطرف الآخر، كما أن حماية سمعة المؤسسة ذاتها تقتضي ألا يُستخدم اسمها إلا في حدود الصلاحيات والإجراءات الرسمية.

لكن المسؤولية لا تقع على الطرف المتصل وحده.

فهناك مسؤولية مقابلة تقع على المؤسسات التي تتلقى مثل هذه الاتصالات، وهنا يظهر مفهوم وعي المؤسسات.

المؤسسة الواعية لا تتخذ موقفًا مؤثرًا في مصالح الآخرين استنادًا إلى (قيل لنا) أو (تم التواصل معنا)، بل تسأل: ما الصفة؟ ما السند؟ أين الخطاب؟ وهل ما يُطلب يمثل قرارًا مؤسسيًا موثقًا أم مجرد رأي أو اجتهاد؟

هذه الأسئلة ليست تعقيدًا للإجراءات، بل حماية لها.

وهي كذلك تحمي المؤسسات العامة قبل الخاصة؛ لأن هيبة المؤسسة لا تُصان بكثرة استدعاء اسمها، وإنما بضمان ألا يُستخدم هذا الاسم إلا في موضعه الصحيح، ووفق اختصاص واضح ومسؤولية يمكن الرجوع إليها.

وقد تنجح الأساليب غير الموثقة مرة؛ لأن الطرف الآخر لم يكن يتوقعها، أو لأنه فضّل الصمت، أو لأنه لم يعرف من أين جاء التعطيل، لكنها لا تنجح إلى الأبد.

فالوعي المؤسسي يتطور، والقطاع الخاص أصبح أكثر إدراكًا لأهمية التوثيق، والأفراد أصبحوا أكثر قدرة على السؤال، والمؤسسات المحترفة باتت تعرف الفرق بين (طلب رسمي) و(مكالمة)، وبين (قرار مؤسسي) و(وجهة نظر شخص يتحدث باسم المؤسسة).

وربما تكون جملة بسيطة مثل: (نرجو تزويدنا بذلك رسميًا) واحدة من أقوى أدوات الحوكمة التي يمكن أن تحمي المؤسسات والعلاقات المهنية في الوقت نفسه.

فالطلاق المهني الناضج لا يعني أن يتحول المختلفون إلى أصدقاء، ولا أن يتنازل أي طرف عن حقه في حماية مصالحه. فمن حق الأطراف أن تختلف، ومن حقها أن تنهي علاقاتها، ومن حق كل طرف أن يلجأ إلى الأنظمة والإجراءات إذا اعتقد أن له حقًا.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين حماية المصالح وملاحقة مصالح الآخرين.

والنجاح بعد انتهاء العلاقة ليس استفزازًا لأحد، والاستقلال ليس خيانة، واختيار طريق مهني جديد لا ينبغي أن يعني أن يبقى الطرف السابق واقفًا عند كل باب يحاول الآخر فتحه.

النضج المهني الحقيقي لا يظهر فقط في قدرتنا على بناء الشراكات، بل في قدرتنا على إنهائها باحترام؛ أن نبدأ باحتراف، ونختلف باحترام، ونفترق دون أن نحاول إغلاق الطريق أمام بعضنا.

فالطلاق المهني قد يكون حقًا، أما تحويل النفوذ المؤسسي إلى أداة بعد انتهاء العلاقة، فهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لوعي المؤسسات.

مساحة إعلانية