رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

0

إبراهيم عبد المجيد

السعادة بين القارئ والكاتب

15 يناير 2026 , 12:26ص

بعد أيام يأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب. يقفز أمامي السؤال الذي يقفز مع كل معرض كتاب عن القراءة. زرت معارض عربية وأوروبية كثيرة، ورأيت الطوابير والزحام حول دور النشر، فتحقق لي ما أدركته مبكرا. كنت طفلا اقرأ في مكتبة المدرسة الابتدائية رواية «وا إسلاماه» لعلي أحمد باكثير، وفكرت كيف حملتني الرواية إلى تاريخ لم أعشه، وكانت لغتها مثل متحف حافل بالصور التعبيرية. كنت أعرف ذلك من السينما التي عرفت الطريق إليها مبكرا جدا، لكن من كتاب بين يديك وأنت في البيت أو المكتبة أمر جديد. من هنا جاء شغفي بالقراءة التي اتسعت فيما بعد لتشمل الشعر والكتب الفكرية وغيرها.

كيف حقا تفتح القراءة أبواب التاريخ والجغرافيا وكل العلوم فضلا عن البلاد والأزمان. أذكر ذهابي للعمل في المملكة العربية السعودية عام 1978 في مدينة تبوك في الشمال. كانت السنوات بعد 1975 في مصر، هي سنوات السفر الكبير بعد حرب أكتوبر 73، وخروج جيل كامل من الجيش عاصر حربي 67 و73 فوجدوا البلاد بدأت تتغير. أبرز ملامح التغير هو ما سُمي وقتها «بخلوّ الرِجل»، يدفعه الباحث عن شقة للزواج للمالك، ولم يكن سهلا، فخرجت الطوابير من كل الفئات إلى دول الخليج والعراق. اتسعت العراق للعمال أكثر بينما اتسعت السعودية لكل الفئات. لا أنسى الطوابير على القنصليات والسفارات العربية للحصول على تأشيرة السفر. المهم وصلت إلى تبوك معي ثلاثة أو أربعة كتب من القاهرة، لأن دخول الكتب كان أمرا صعبا، فمثلا وقتها لا يسمح بدخول كتاب على غلافه صورة امرأة. كانت السعودية غير ماهي الآن. كان الوقت طويلا لا يمر بعد ساعات العمل، فلا مقاهي ولا سينما ولا مسرح ولا نوادي للأدب، لكني رأيت مكتبة للقراءة فدخلتها ولم أجد أحدا يقرأ. طلبت من المسؤول أن استعير الكتب. اندهش لأن هذا لا يحدث، فشرحت له أني سآخذ الكتاب اقرأه في البيت ثم أعيده، فوافق بعد أن أحضرت له خطابا من العمل، أن يدفعوا ثمن الكتاب إذا لم أعده. رحت اقرأ في الشعر العربي عبر العصور، وكتب في التاريخ العربي والإسلامي، وكتب من التراث، فاتسع العالم ومرت الأيام. صارت تبوك الصغيرة جدا وقتها لا تزيد عن شارعين، حديقة باتساع العالم. جاءت بعد ذلك زيارات لي إلى بلاد أجنبية، فكنت بمجرد الوصول أذهب إلى أماكن قرأت عنها. مثلا حين وصلت إلى باريس أول مرة عام 1992 ذهبت مسرعا إلى كنيسة نوتردام، ليس لأراها فقط، بل لأصعد أعلاها كما صعد أحدب نوتردام في رواية فيكتور هوجو التي لا تنسى. الأمر في روسيا وغيرها. ماذا لو لم يعطني الأدب فرصة السفر في المؤتمرات والمهرجانات. كم من الأموال كنت احتاجها لأسافر وأرى هذه البلاد. هكذا دون أن تكون كاتبا تتم دعوته، فأنت تسافر إلى كل الدنيا. يصير لك أصدقاء أحياء رغم أنهم أبناء الخيال، فما بالك بالشخصيات الحقيقية التي رحلت منذ عشرات السنين، وأنت تزور بيوتهم والمتاحف التي حملت أسماءهم دون ان تدفع شيئا. على الناحية الأخرى فالقراءة تصنع انسانا سويا. مهما تقرأ عن المجرمين لا تقلدهم، رغم اعجابك بصورتهم التي جسدها المؤلف في روايته. الجريمة هي نبت الحياة الاجتماعية والسياسية، وليست نبت القراءة. هكذا يكون أثر القراءة في الإنسان العادي، الذي أيضا لا يعرف أنه أجمل رصيد للكاتب. الكاتب يقدم للقارئ حدائق رائعة في الفضاء، بينما القارئ يملأ فضاء الكاتب بأجمل سعادة تجود بها الأيام.

مساحة إعلانية