رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التزاماً بمبدأ الرأي والرأي الآخر، والحرية التي مُنحت للدكتور المسفر أن يكتب مقالاً بتاريخ 11/4/2023يتطاول فيه على رجل دولة له مكانته أينما حلّ، فإنني ومن نفس الموقع أردّ عليه: وأقول: إن تطاوله على الرئيس/ محمود عباس، رئيس دولة فلسطين، بما يمتلك من كارزما قيادية مميزة، استطاع خلال أصعب سنوات النضال أن يعبر بسفينة فلسطين إلى الأمان، رغم العواصف العاتية من القريب والبعيد، والعدو، وممن يدّعون أنهم أصدقاء، ومن أفواه وأقلام حاقدة، لا تزن الأمور بميزان المنطق والحسابات الإقليمية والدولية التي تعيشها الدول والشعوب، فهذا لا يجوز أبداً، ولا يحق لعديد الأسباب.
يا دكتور المسفر، سيادة الرئيس هو إنسان، وليس نبي يُوحى إليه ليقول الصواب دوماً، يصيب ويخطئ، ولكنه الأكثر صواباً في قراره، والأكثر حنكة في تصرفاته، والأكثر توازناً في علاقاته، وإذا كان هذا منهجه وديدنه، فنحن شعب فلسطين لا نقبل أن يتدخل في شؤوننا أحد، مهما كان، فنحن كما نقول «لسنا ابن البطة العرجة» يُسمح لمن هبّ ودبّ أن يمس رئيسنا بسوء، أو أن تظنون بنا الهوان، فلنا كبرياؤنا، ومكانتنا، ويكفي أننا كنعانيون، نمتلك ما لا يمتلكه كثير من الناس وربما تعيها جيدا.
(1)
أرجو منك قراءة تاريخ فلسطين كيف كُنا عوناً لكل شعوب الأرض، لكن الله أكرمنا باستعمار لا قِبل لأي دولة حتى العظمى بتحملهم، لهذا يحاولون طردهم إلى الأرض التي يجب أن يكونوا عليها، لتحقيق وعد الله، ولهذا جاء قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا وقال تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» أتعرف مَن هم؟ إنهم الفلسطينيون والرئيس منهم. وإذا قرأت معنى العذاب، فستجده ذا معان مختلفة، ونحن اليوم مَن نسومهم سوء العذاب.
وإنني من هنا أدعوك يا سيادة الدكتور المسفر/ أن تجفف قلمك، وتكفّ عن النيل من فلسطين ورموزها ورجالاتها، ألمْ يكفك النيل من الشهيد ياسر عرفات في عديد المقالات قبل وبعد استشهاده، ونلت منه علنا في عديد المناسبات، وكنا نقول، لعله يقول، رحمه الله، ونقول: ربنا يهديه إلى الرشد والصواب. ثم بدأت بالنيل من سيادة الأخ الرئيس/ محمود عباس في مقالات سابقة، واليوم تأتي لتطلب منه التنحي.
(2)
يا أيها الدكتور المسفر أهيب بك وأناشدك، أن تتنحى أنت عن الكتابة، فلا يحق لك أبدا أن تطلب من رئيس دولة لست من أبنائها ولن تكون، أن يتنحى، فهل أنت مَن انتخبه، وهل أنت أحرص على فلسطين منه، ومن شعبها؟ وهل أنك من المنافحين عن القدس، ومن سكانها لتطلب منه ذلك؟ وهل أنت من المرابطين في القدس، أو ممن أوقد سراجاً في الأقصى؟ لا أعتقد. وهل أنت ممن يتبرع للرئيس براتبه، أو يمد يد العون لأي إنسان في فلسطين كي تطلب هذا الطلب؟ حتى وإن كنت تقدم، فلا يحق لك ولا لغيرك مهما كان أن يطلب هذا الطلب، فأنت لست الوصي على الرئيس الذي تم انتخابه انتخاباً حراً نزيها، ولست الوصي على شعب فلسطين، أو حتى على طفل لم يولد بعد، ثم هل أنت مَن يعيّن ويُنحي.؟ فاتق الله يا رجل، واكتب بما يدفع عجلة الحياة في فلسطين إلى الأمام مثل معظم الكتّاب القطريين «المركز القطري للصحافة» الذين أصدروا بياناً يوم الأربعاء يدين جرائم إسرائيل.
الدكتور المسفر، رئيسنا شأن فلسطيني خاص وخالص، وشأن الشعب الصامد المرابط، وشأن الأسرى والشهداء، وشأن الطفل الفلسطيني الذي لم يولد بعد، وأيضا شأن الشهداء الأبطال الذين ارتقوا في ساحات النضال، فنحن نترحم على شهدائنا، ونعتز بهم، ونكرمهم وعائلاتهم، فأرجوك أن تكفّ لسانك وقلمك عن هذه التُرهات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
(3)
الدكتور المسفر، إذا كان الرئيس قد بلغ من الكبر عتيا، فهذا أمر الله، ونقول، اللهم أطل في عمره من أجل فلسطين، فما زال بكل عنفوانه، وقوته الفكرية، والتحليلية، فكم من الزعماء بلغوا من الكِبر عتيا، وجميعهم والحمد لله يمتلكون القدرة على الحديث، وإدارة دفة الحكم في دولهم باقتدار، ورئيسنا واحد من هؤلاء الزعماء الذين يمتلكون ذاكرة وقّادة، وفهماً عالياً، وتحليلاً دقيقاً، ورؤية واضحة، وبصيرة قادرة على وضع الأمور في نصابها.
إذا جالسته – ولا يريد منك - تشعر أولاً بامتلاكه ذاكرة وقّادة، وقدرة على الحديث شائقة، وممتعة، ومفيدة سواء تحدث في السياسة أو الاقتصاد، أو التاريخ، أو الثقافة بشكل عام، وتقديري يمتلك ناصية مميزة لا يمتلكها إلا قليل من الزعماء والأمراء، ليس بشهادة كاتب أو محاضر، أو سياسي، بل بشهادة كل الزعماء دون استثناء.
(4)
إن إدارة الحكم تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي الذي يُكرس جل عمله في أساليبَ للنيل من الفلسطيني بأي شكل من الأشكال، في أرضه، وماله، وحياته، وزراعته، وصناعته، وسفره، وزيتونه، وكل ما يمكن أن تتصور ليست أمراً هينا، فصراعنا يا دكتور ليس صراعاً على المال، ولا على الحياة، بل صراعنا من أجل الأرض، ومن أجل القدس، ومن أجل فلسطين بأسرها، فتخيل كيف يكون هذا الصراع – ولا أعتقد أنك تتخيل - بين الحق الذي نحمله ونؤمن به، والباطل، الذي يدّعون أنه حق لهم، وبمساعدة العديد من الأنظمة التي تعيق مسيرة الانتصارات السياسية في كافة المحافل الخارجية التي حققتها وزارة الخارجية الفلسطينية، والتي أعتقد أنك لم تقرأها خاصة خلال العقد الأخير. إنها يا دكتور تركمات، لن يتأخر حصادها.
والله يا دكتور، لن أفيدك بماهية وظيفة الرئيس محمود عباس، التي طلبت، ولا وظيفة السلطة الفلسطينية، لأنك لو فهمت، فربما يختلف ميزان العقل لديك، لهذا، إن العاقل هو مَن يستطع أن يتفهم كافة التفاصل. خاصة إذا كنا جميعا تحت الاحتلال الإسرائيلي.
(5)
أستغرب تماماً مما تقول حول الأموال التي تُغدقها دول الخليج على السلطة الفلسطينية، بالله عليك اذكر لي دولة تغدق هذه الأموال خلال هذه السنوات الأخيرة، عدا دولة قطر، وأقولها ليس لأنني منذ أكثر من أربعة عقود أعيش فيها، ولكنني أعلم ما لا تعلم بهذا الخصوص، وعليه أرجوك في المقال القادم أن تحدد بالأرقام قيمة المبالغ التي تُدفع والدول التي تقدمها، وهذا لا يعني أنها صائمة عن دعمنا في كافة المجالات والمحافل عربيا وعالمياً، فلها ولكل الدول العربية التحية بمقدار مساهماتهم مع الحق الفلسطيني.
يا دكتور، أوروبا لا تدفع لفلسطين «نقدا» وإنما مشاريع محددة، وتوقع الاتفاقيات مع رئاسة الوزراء والوزراء ضمن آليات وضوابط تحكمها الشفافية العالية جداً، وإلا لَما استمروا في الدعم منذ «أوسلو» المليء بالشوائب، إلى اليوم، وبدون مقابل، بعكس بعض الدول التي تريد أن تدعم، ولكنها تريد ثمناً للدعم، حتى وإن كان الثمن على حساب الوطن، ولكن القيادة ترفض ذلك، مما سبب وما زال بضائقة مالية لا يعلمها إلا الله.
(6)
استغرب تحليلك وتفنيدك بيان الخارجية الأخير بهذه السطحية، وأنك لم تستوعب المغزى منه، والذي أشاد به كل صُناع القرار، مع المعارضين والموالين بأنه تحذير علينا أن نأخذه في الاعتبار حتى لا نُفاجأ لاحقاً بما ستصير عليه الأمور بعد أعياد الفصح.
نأتي إلى « دايتون» هذا الكلام المكرور في أكثر من 5 مقالات، ونفس الكلام، « قواتك الأمنية (تربية دايتون) إذا كان الأمر كذلك، فدايتون انتهى، ومن دربهم تقاعدوا، ولكن في كل دول العالم تقوم كوادر عسكرية لها تجارب، وقدرات وإمكانيات، بتدريب الآخرين، وهذا طبيعي جداً، فعلى سبيل المثال (أوكرانيا أرسلت جنوداً لبريطانيا وألمانيا وأمريكا ) ليتدربوا على السلاح الجديد ليحاربوا به روسيا.
وسابقاً، كانت القيادة ترسل شبابها للتدريب في الصين والاتحاد السوفيتي، وكوبا وكوريا الشمالية، ودول أوروبا الشرقية كلها، فهل هؤلاء أصبحوا تابعين لهذه الدول.
وجميع طائرات الدول العربية الحربية هي صناعات أمريكية، أو روسية، أو أوروبية، ويقوم على تدريبهم من نفس الدول المصنّعة لهذه الطائرات، أرجوك دقق وحلل كما يحلل سيادة الرئيس حتى لا تقع في الخطأ.
طلابنا يتعلمون في كل جامعات أوروبا وأمريكا، فهل يصبحون تابعين لهذه الدول.
أخي المسفر: أقول لك: قدّم لي السلاح، أو انزع سلاح الجيش الاسرائيلي، ثم اترك شعبنا الفلسطيني ودون ظهير عربي إلا الشرفاء من الأمة، وسندعوك للصلاة في الأقصى خلال أسبوع أو أقل، ولكن دون تأشيرة، لأن القدس وطن المسلمين والمسيحيين واليهود جميعاً، ولن تكون غير هذا أبداً، لأن نبينا عليه الصلاة والسلام صلّى بالأنبياء في القدس.
إن انتفاضة العالم مع فلسطين حق وواجب، وما قاموا به هو واجب ديني ووطني وقومي أولاً وأخيرا،. ولكني أقتبس من صحيفة الشرق القطرية «المركز القطري للصحافة يستنكر الصمت الدولي، وتوفير غطاء سياسي عالمي لدولة الاحتلال».
(7)
يا دكتور، هل طلب منا العالم أن يمدنا بالسلاح ورفضنا، وهل طلب منا قصف إسرائيل ورفضنا، وهل طلب منا تسيير جحافل إلى الحدود ورفضنا، فهم – إسرائيل تمتلك كل أنواع الأسلحة حتى النووي، ونحن نملك الإرادة والحق، فشهداؤنا نعتز بهم ونفاخر، ولا نُحصيهم عددا من أجل إبراز العجز لدينا، وعدم قدرة الرئيس على حماية شعبه، بل من أجل نيل شرف الشهادة، فصراعنا أبديّ، ونحن ولله الحمد نُقدّم الشهداء منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين، وإلى اليوم، وأحاول هنا أن أفتح ذاكرتكم، ففي عام 1956 يوم 3-9/9 قتل الاحتلال (750) رجلاً وامرأة في أكبر مجزرة بتاريخ فلسطين، بمدينة خان يونس، ومازلنا صامدين، وكم هي المجازر التي ارتكبها على مدار هذه السنوات، فهي أكثر بكثير مما يقوم به الاحتلال الآن ومازلنا صامدين، لأننا أصحاب حق، وإرادة.
(8)
نحن يا دكتور مسفر بحاجة إلى قلم نزيه، وفكر متقد، ولغة إيجابية موجهة إلى الفلسطينيين، دفاعاً عن المرابطين والمرابطات في القدس، والمصلى المراواني الذي شهد التنكيل بالسيدات النشامى، بحاجة إلى إشهار سيف الحق ضد الاحتلال بقلمك ليستشعر أن الكل مع فلسطين. بصدق يا دكتور نحن بحاجة إلى كلمة سواء لننقذ وطن الأنبياء، والشهداء، وأضرحة صحابة الرسول، لنتحرك سوياً من أجل انقاذ فلسطين، فلا داعي أبدا ليد تناضل ويستشهد أبناؤها بشرف وحب وإقبال، وهذا ما وعدنا الله به، وما خصنا فيه رب العالمين، وهناك قلم يقطر حقداً، وسلبية متخفياً وراء عجزه وعجز الآخرين..
يا دكتور: لقد تكالبت علينا أمم، وشعوب وأنظمة من أجل النيل منا، تكالبوا علينا لصالح العدو، ولكننا في قرارة أنفسنا أننا شعب لن يُقهر، ولن ينهزم، ولن يفرط في حق من حقوقه مهما امتد بنا الزمن، ففلسطين التي كانت مساحتها (27) ألف كيلو متر مربع، ستعود هذه المساحة بكاملها إذا كانت الأمة كلها تقف سنداً قوياً من أجل الحق الإسلامي والفلسطيني، فهل تكون أنت جزءاً من هذه الأمة. أرجو ذلك، لسبب بسيط، لأنك قومي فقط.
إنني في نهاية مقالتي أدعوك أن تتنحى عن الكتابة، لأنك أصبحت خالي الوفاض من كلام مُقنع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15186
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1848
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1641
| 10 فبراير 2026