رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برغم أن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس الوزراء السعودي ليس رئيس دولة - ولكن حرص الرئيس ترامب منحها أرفع أنواع الزيارات - زيارة دولة. مما يثبت نوعية العلاقة المتطورة في عهد الرئيس ترامب وخاصة برئاسته الثانية بالمقارنة مع رئاسته الأولى. ويُرقّي العلاقة مع السعودية لأعلى مستوى -بإعلان الرئيس ترامب ترقية العلاقة العسكرية والأمنية بين الولايات المتحدة والسعودية لمستوى حليف رئيسي من خارج حلف الناتو- لتُصبح السعودية الدولة الرابعة خليجيا « - ( Major-Non-NATO Ally)- هذه الترقية في العلاقات العسكرية والأمنية هي أرفع أنواع العلاقات بين الولايات المتحدة وحليف من خارج الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي ال 32. وبذلك تصبح السعودية الدولة الرابعة خليجياً- (البحرين والكويت وقطر)- والثامنة عربيا والعشرين دوليا- تحظى بتلك العلاقة الأمنية والعسكرية. وهذا التطور يمنح السعودية كما الدول الخليجية قبلها، امتيازات عسكرية وأمنية. لكنها ليست معاهدات أمنية ملزمة للولايات المتحدة. وأكرر لطلبتي منذ سنوات أنها مسألة وقت قبل أن تمنح السعودية والإمارات تلك السمة.
نجاح القمة السعودية - الأمريكية بأبعادها الاستراتيجية، والاقتصادية، والسياسية، والصفقات العسكرية بمقاتلات الجيل الخامس الشبح-F-35- تملكها إسرائيل في المنطقة، تثير قلق ومخاوف إسرائيل خشية الإخلال بالتفوق التقني الذي تتعهد به الولايات المتحدة منذ عقود على جميع قدرات القوات العسكرية العربية. التي تخشى الإخلال بتوازن القوى العسكري، والالتزام الأمريكي بالتفوق التقني (Military Qualitative Edge)) لمصلحة إسرائيل مقارنة مع الدول العربية. لكن تحتاج الصفقة لمصادقة مجلس الشيوخ في الكونغرس الأمريكي. ويملك حزب ترامب الأغلبية المطلوبة لتمرير صفقة المقاتلات.
كما أعلنت السعودية عزمها الاستثمار في الرقائق الالكترونية والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مجالات والبنى التحتية والطاقة النووية المدنية. ما يرقى الشراكة بين السعودية والولايات المتحدة إلى شراكة اقتصادية تتجاوز العلاقة التقليدية التي ارتكزت على مدى أكثر من ثمانية عقود من معادلة النفط والطاقة مقابل الشراكة الأمنية والدفاعية والحماية إلى شراكة تجارية واستثمارية وأمنية. وحتى يصل لتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية.
كما تطرق الرئيس ترامب وولي العهد السعودي في القمة الثنائية والزيارة التاريخية على ملفات إقليمية من غزة إلى الدولة الفلسطينية وما يُعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية. وكان لافتاً تكرار الأمير محمد بن سلمان أننا مع السلام في المنطقة، ولكن ليس أوان التطبيع مع إسرائيل. ولا تطبيع مع إسرائيل دون مسار حقيقي وواقعي لقيام دولة فلسطينية. و»نريد أن نكون جزءاً من اتفاقيات إبراهام، ولكن نريد تحقيق حل الدولتين «... وشكر محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الأمير محمد بن سلمان لموقف المملكة لا تطبيع مع إسرائيل دون مسار فلسطيني واضح لرؤية لحل الدولتين.
وكان لافتا عدم اقتصار القمة الثنائية بين الرئيس ترامب وولي العهد السعودي على توثيق العلاقات الشخصية الرئيس ترامب والأمير محمد بن سلمان لعلاقات وطيدة كما ظهر بحفاوة الاستقبال وتحليق مقاتلات بالاستقبال وإقامة حفل عشاء فاخر يعرف بBlack-Tie-Dinner-بحضور كبار المسؤولين والشخصيات البارزة ورجال الأعمال وأغنى أغنياء العالم يتقدمهم ألون ماسك ومديرو كبرى الشركات التنفيذيون في شتى المجالات، وحتى حضور لاعب كرة القدم الأسطورة كريستيانو رونالدو. وكان واضحا التناغم بين الرئيس ترامب والأمير محمد بن سلمان والدفع نحو الارتقاء بالعلاقات لمستويات استراتيجية.
وهذا كان واضحا في تأكيد الرئيس ترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي - السعودي بحضور الرئيس ترامب وولي العهد السعودي ورجال الأعمال ومديري الشركات السعودية والأمريكية-بإعلان الرئيس ترامب ترقية العلاقات العسكرية والأمنية بين الولايات المتحدة والسعودية إلى مستوى «حليف رئيسي من خارج حلف الناتو.
وكان لافتا إعلان الرئيس ترامب طلب الأمير محمد بن سلمان منه التدخل لوقف حرب السودان الأكثر عنفا بسبب الفظائع -»وستكون أهم حرب توقفها». وهو ما باشر الرئيس ترامب عمله. وبالتأكيد سينسق مع دول الرباعية بدعم ومشاركة سعودية. وشكر عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني ولي العهد على مبادرته.
وأرسل الرئيس الإيراني مسعود بازشكيان رسالة خطية للأمير محمد بن سلمان قبيل سفره إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس ترامب-لنقل على ما يبدو رسالة عن اهتمام إيران باستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة - لتجنب عودة الحرب. خاصة أن الرئيس ترامب دأب على تكرار طلب إيران باستئناف المفاوضات حول برنامجها النووي. وذلك بعد أربعة أشهر من شن ترامب أول وأعنف هجوم مباشر على إيران ودمر منشآت إيران النووية الأهم، في موقعي فوردو وأصفهان في يونيو الماضي.
الواضح وجود العديد من الرسائل السياسية المهمة من القمة الثنائية: والواضح رغبة وعزم السعودية تقديم مبادرات لإنهاء الصراعات والحروب، ولعب دور وسيط إقليمي ووساطة بين إيران وإدارة ترامب، ووقف حرب السودان وغزة.
وكان لافتا تعليق وتساؤل الإعلام والمحللين الأمريكيين: «هل باتت السعودية لاعبا من الوزن الثقيل؟ لا يمكن مناقشة وبحث قضايا ونزاعات وملفات الشرق الأوسط دون مبادرات ودور ومشاركة السعودية في تقديم الحلول والوساطات؟
ويُطرح اليوم سؤال بديهي- بسبب الإنجازات العديدة، لدور ومكانة ومركزية ودور المملكة العربية السعودية، والملفات التي تلعب دورا رئيسيا فيها، والعلاقة الوثيقة مع الرئيس ترامب، هل أصبحت السعودية تقود مع الحلفاء الخليجيين المنطقة؟ وهل باتت الأكثر تأثيرا على قرارات الرئيس ترامب»؟ خاصة لخصوصية ومكانة السعودية - بلاد الحرمين الشريفين، ودورها في أمن الطاقة والتكنولوجيا والاستثمارات والصندوق السيادي السعودي تحقيقاً لرؤية السعودية 2030. حفاوة الاستقبال، وانجازات الزيارة والاتفاقيات العسكرية والتجارية والاستثمارات، وتوسط السعودية بلعب دور قيادي لوقف الصراعات وأبرزها ضمان وقف حرب غزة من خروقات إسرائيل. والإصرار على قيام دولة فلسطينية قبل التطبيع. ووقف حرب السودان. واستئناف مفاوضات أمريكا مع إيران، يعزز ذلك دور ومكانة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لاعبين رئيسيين في قيادة المنطقة!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
3930
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
987
| 04 فبراير 2026