رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المعروف أن منطقة الشرق الأوسط التي تتقاطع فيها ثلاث قارات، كانت مركزا محوريا لإمبراطوريات كبيرة مثل الحثيين والإسكندر الأكبر وروما. ومن الواضح أن الإسكندر الأكبر جمع القوة من منطقة الشرق الأوسط للوصول إلى الهند. بعد ظهور الإسلام، دخلت المنطقة بسرعة تحت سيطرة المسلمين. ولكن لأهمية المنطقة أصبحت هدفاً للصليبيين ثم المغول. واستمرت أطماع الأوروبيين، ورغم محاولتهم الوصول إليها بحرًا وبرًا، إلا أن الدولة العثمانية في الشمال ودولة المماليك في الجنوب نجحتا في صدهم ومنع وصولهم إلى المنطقة.
بينما كانت الدولة العثمانية تتألق في شرق أوروبا، فإن وجود المسلمين في غرب أوروبا كان معرضًا للخطر في الأندلس. بين فتح القسطنطينية الذي ضمن نهاية الإمبراطورية البيزنطية عام 1453 وفقدان الأندلس للمسلمين عام 1492، كانت هناك فترة قصيرة للغاية لا تتجاوز 40 عامًا. بعد سقوط الأندلس حاولت دول غرب أوروبا، خاصة البرتغال، العودة إلى المنطقة من جديد سواء عبر البحر المتوسط أو المحيط الهندي، وقد احتلوا البحر الأحمر والخليج العربي مما أثر على استقرار ورفاهية شعوب المنطقة. وردًا على ذلك اتحد المسلمون في المنطقة تحت مظلة الدولة العثمانية لوقف هذه التهديدات الكبيرة.
حتى الدولة المملوكية، التي لم تسمح للمغول بتجاوز نهري دجلة والفرات كانت عاجزة عن مواجهة التهديدات الجديدة في المنطقة. ومما يعكس وحدة المسلمين، صد الدولة العثمانية هؤلاء الصليبيين في شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والبلقان وشبه الجزيرة العربية. وفي هذا السياق يجدر بنا ذكر حدثين مهمين في التاريخ: في عام 1578 قامت الدولة العثمانية بمنع القوى البرتغالية العظمى من غزو المغرب، وبعد حوالي 200 عام تم طرد نابليون من مصر في عام 1802. ومن المؤسف جدا أن هذين الانتصارين الكبيرين لا يتم تدريسهما في المدارس التركية ولا حتى في الدول العربية. وكذلك، عندما عاد نابليون إلى فرنسا، كاد يسيطر على جميع أنحاء أوروبا تقريبًا. ومع بدء تراجع الدولة العثمانية بدأ الأوروبيون مجددًا في التخطيط للسيطرة على تلك الأراضي، وأحد أسماء هذه الخطة هو «المسألة الشرقية».
المسألة الشرقية، هي مشروع للقوى الغربية للقضاء على الدولة العثمانية، التي تُعتبر عائقًا أمام سيطرتها على الشرق الأوسط. بدأت «مسألة الشرق» مع احتلال فرنسا للجزائر في عام 1830، واستمرت مع احتلال إنجلترا لمصر. احتلال مصر كان ضربة قوية لقوة الدولة العثمانية، حيث تم فقدان مفترق الطرق الجيوسياسي وبدأت تظهر ثمار قناة السويس الجديدة التي تم افتتاحها. لقد قام الإنجليز بالتحرك لإنهاء هذا المشروع الذي كان من الممكن أن يعزز الشعوب والدولة العثمانية. ولولا غزو مصر، لكانت الهيمنة البريطانية على شبه القارة الهندية قد انتهت على الأرجح.
قامت الدولة العثمانية ببناء طرق تجارية بديلة بسرعة من خلال خط سكة حديد الحجاز وخط سكة حديد برلين-بغداد، ولكن تم تعطيل هذه الجهود بسبب الحرب العالمية الأولى. تضمنت خطط الغرب للشرق الأوسط السيطرة على طرق التجارة الاستراتيجية وكذلك النفط. لأن الغرب بأكمله تقريبًا شارك في الحرب ودعم انهيار الإمبراطورية العثمانية. وقد استمر تنفيد المسألة الشرقية، باتفاقية سايكس-بيكو، ووعد بلفور، وبإقامة دولة صهيونية كقوة غربية في نفس المنطقة. تعمل هذه الدولة وأنشطتها بشكل عام على خدمة مصالح القوى التي جاءت إلى المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى، مما يجعلها متحالفة في دعم إسرائيل.
في فترة الحرب الباردة، شهدت منطقة الشرق الأوسط إنشاء هيكلة متشظية تتماشى مع فكرة «المسألة الشرقية»، بشكل يتفق مع اتفاقية سايكس-بيكو. ومن اللافت للنظر أن روسيا السوفياتية، التي كانت تتنافس مع الغرب، لم تعارض تأسيس إسرائيل كما خطط الغرب. وخلال تلك الفترة، لم يقدم الاتحاد السوفياتي دعمًا فعليًا للشعوب العربية التي كانت تسعى إلى استقلالها عن الغرب. لأن الاتحاد السوفياتي نفسه كان محدودًا في التحرك بسبب السيطرة التي كان يمارسها في مناطق مثل أذربيجان وأوزبكستان، حيث كان يحتل الشعوب المسلمة، وبالتالي لم يكن لديه القدرة الكافية للتدخل بشكل فعال. وحتى اليوم، تظل مصالح روسيا مؤثرة في المنطقة، من سوريا إلى اليمن ثم إلى شمال أفريقيا. ورغم أن روسيا تدخل في صراعات مثل الصراع في أوكرانيا ضد أوروبا والولايات المتحدة، إلا أنها لم تواجه صراعًا مع الغرب في قضايا مثل سوريا وليبيا وفلسطين.
في الوقت الذي تسعى فيه الشعوب العربية الى المزيد من الحرية والازدهار والوحدة، فإنها تعاني من دمار خطير. هناك يد ماهرة تقوم بتدمير خطير في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان دون ان يراها أحد. إنها نفس اليد التي تدمر فلسطين وقد بدأت تنكشف وتظهر للعيان. ولفهم التطورات الحاصلة في منطقة تقاطع القارات الثلاث يجب أن ننظر اليها من المنظور التاريخي. إذا أردنا قراءة كتاب «المسألة الشرقية» مرة أخرى لكاتبها البطل القومي المصري مصطفى كامل الذي كتبها قبل حوالي 100 عام، سندرك أنه لم يطرأ أي تغيير وأن المسألة الشرقية ما زالت مستمرة.
انقلاب 1980 وآثاره طويلة المدى على تركيا
شهدت تركيا التي كانت جزءًا من المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة، حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي الحاد خلال... اقرأ المزيد
315
| 28 سبتمبر 2026
عودة أصالة إلى سوريا
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا، تمثّل في عودة الفنانة السورية الشهيرة أصالة نصري إلى بلادها... اقرأ المزيد
948
| 21 سبتمبر 2026
ربع قرن على 11 سبتمبر..
شكَّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحوّل أساسية في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إذ أطلقت ما عُرف... اقرأ المزيد
525
| 14 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10023
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026