رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تُشكّل عودة الرئيس ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة تحديا للداخل والخارج الأمريكي معاً. تعمق الانقسام الحاد بتصميم ترامب على الانتقام من الدولة العميقة لملاحقته وحصاره بقضايا جنائية ومدنية على مختلف المستويات، بتهم تحريض أنصاره اقتحام الكونغرس، والتحرش ومحاولة تزوير انتخابات 2020. وبعد 4 سنوات يرفض الاعتراف بهزيمته ويصر كانت مزورة وسُرقت منه.
ويعمل ترامب بجد وبالتنسيق والتشاور مع الون ماسك المكلف بإدارة كفاءة الحكومة الفيدرالية على تقليص حجم الحكومة بإلغاء ودمج وكالات وتسريح عشرات آلاف الموظفين لتوفير الميزانية-ما يثير استياء الموظفين المسرحين، وخاصة المسرحين المستائين والنادمين على انتخاب ترامب!!
أركز في مقالي على سياسات واستفزاز ترامب الخطير للحلفاء بخططه ومشاريعه التي تتعارض مع القانون الدولي والأعراف والتعدي على سيادة الدول، خاصة الدول الحليفة سواء من أوروبا إلى منطقتنا العربية وخاصة موقفه الصادم من السيطرة على قطاع غزة!
يستفز ترامب الحلفاء المقربين بالتهديد بضم دولهم وفرض رسوم جمركية على وارداتهم. والتفاوض مع خصمهم روسيا حول أوكرانيا دون استشارتهم! ويطالب حلفاء الناتو بزيادة الانفاق على الانفاق العسكري، وشراء السلاح الأمريكي. بينما يحاضر عليهم نائبه في مؤتمر ميونيخ للأمن برسائل يقلل من خطر روسيا- مؤكداً «الخطر الحقيقي على أوروبا ليس من روسيا والصين ولكنه الخطر الداخلي على القيم وحرية التعبير وإقصاء الأحزاب اليمينية». ويحرضهم مطالباً بإعادة النظر بسياستهم حول الهجرة، وباحترام حق التعبير ونتائج الانتخابات- بينما رئيسه لا يحترم نتيجة خسارته الانتخابات ويكرر كانت انتخابات 2020 مزورة!!
بينما وزير دفاعه يطالب الحلفاء الأوروبيين بالاعتماد أكثر على أنفسهم وتقاسم الأعباء والمسؤوليات وعدم التعويل إلى الأبد على الحماية الأمريكية.. لتكون الضامن الوحيد لأمنهم لأن أمريكا بعد 80 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية لن تبقى للأبد في أوروبا!!!
بينما يطالب الرئيس الفرنسي ماكرون الأوروبيين «بالاعتماد أكثر على أنفسنا»، وتولي مسؤولياتنا الأمنية والاقتصادية وتقليص التبعية والاعتماد على أمريكا والصين… وفي انتقاد مبطن لاتصال ترامب ببوتين والحديث عن تفاوض لوقف حرب أوكرانيا بالضغط على أوكرانيا للقبول بتنازلات واقتطاع أجزاء من أرضها- شبهه بالاستسلام، وهو موقف سيء للجميع بما فيه الولايات المتحدة!! خاصة لم يعد سراً أن أولوية الولايات المتحدة لم تعد أوروبا أو أي إقليم، بل مواجهة واحتواء صعود ومنافسة الصين المهدد الأول لزعامة الولايات المتحدة على جميع المستويات!!
باتت استراتيجية ومقاربات ترامب معروفة للجميع- وينطبق عليه ما يعرف في العلاقات الدولية «نظرية الرجل المجنون»-التي اتبعها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في مطلع سبعينيات القرن العشرين- بالمبالغة بالتهديد والوعيد ضد الخصوم والأعداء بالتهويل بالانتقام وتدفيعهم كلفة باهظة لمعارضتهم ورفضهم مقترحاته كجزء من التفاوض بلي الذراع للتوصل إلى صفقة تجنبه الحاجة لاستخدام القوة. وهو ما فعله نيكسون في مقارباته في الحرب الباردة في شرق آسيا مع الصين وفيتنام. وهو ما يفعله ترامب اليوم مع حماس وإيران حتى حلفاء أمريكا الأوروبيين والعرب.
شهدنا وعيد وتهديد ترامب ضد حماس مؤخراً، في حال لم تُفرج عن جميع الأسرى لديها، فإن أبواب جهنم ستفتح عليها-ليتراجع على أثرها. وكذلك هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على البضائع الكندية والمكسيكية و10% على البضائع الصينية ليتراجع ويعلق فرض الرسوم لمدة شهر.. وسيفعل الشيء نفسه مع كندا وبنما. كما أن التصعيد والتهديد المستفز يتعارض مع طرح ترامب بأنه صانع سلام ويعارض شن حروب بل يسعى لإنهائها، كما في أوكرانيا.
حتى قبل بدء رئاسته- كرر بشكل مستفز للجار والحليف العضو في حلف الناتو ضم كندا لتُصبح الولاية 51 ويخاطب رئيس وزرائها بالحاكم! وكذلك ممارسة ضغوط على الدنمارك الحليف الآخر في حلف الناتو للسيطرة على أكبر جزيرة في العالم-جزيرة غرينلاند الغنية بالمواد الطبيعية وعلى مقربة من القطب المتجمد الشمالي. كذلك هدد باستعادة قناة بنما بالقوة-وتغيير اسم خليج المكسيك المعترف به عالميا منذ القرن السابع عشر-إلى خليج أمريكا... ما يجعل الولايات المتحدة أقرب لدولة مارقة تخرق القانون الدولي. وتشجع بذلك الدول المستبدة على العدوان!
ولكن مخطط ترامب الأكثر استفزازا لمكانة أمريكا العالمية التي تحاضر عن احترام القانون والنظام، وللحلفاء العرب وخاصة مصر والأردن- هو تهديد ترامب بمشروع «خيال المآتة»- بشراء - الاستيلاء على قطاع غزة وتهجير أكثر من 2.3 مليون سكان القطاع إلى الأردن ومصر- وإعادة إعمار القطاع وتحويله ل»ريفيرا الشرق»- للموقع المطل على البحر الأبيض المتوسط. ويؤكد ترامب الذي يغير موقفه باستمرار، لن يُسمح لسكان غزة بالعودة إلى القطاع، ولن يرسل قوات برية وستستضيف مصر والأردن سكان غزة المهجرين. دون اعتبار لحقوق وأملاك وحق سكانها وتضحيات سكانها- ورفض حلفاء واشنطن العرب وخاصة مصر والأردن وحتى الحلفاء الخليجيين وخاصة السعودية والكويت وقطر ودول عديدة مخطط ترامب العقيم بالاستيلاء على قطاع غزة- وإعادة إعمارها بعد تهجير سكانها وسط رفض وانتقاد عربي وإسلامي وغربي. مخطط ترامب هو نكبة ثانية تتعدى نكبة عام 1948. وتطهير عرقي وديموغرافي. وكما حذر الكاتب الأمريكي الشهير في نيويورك تايمز توماس فريدمان، سيزعزع تهجير الفلسطينيين استقرار الأردن ومصر وحتى إسرائيل- ويجعل ترامب وإدارته في تحالف مع تيار أقصى اليمين المتطرف في إسرائيل. خاصة إذا منح ترامب الضوء الأخضر لفرض سيادة إسرائيل على الضفة الغربية! بينما ترد حماس «لا هجرة إلا إلى القدس»! لذلك تداعى القادة العرب لعقد قمة عربية طارئة في القاهرة نهاية فبراير-لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووقف طوفان تهجير ترامب.
معاملة ترامب المجحفة والمستفزة للحلفاء تعمق شرخ الثقة والخلافات مع الحليف الأمريكي!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5781
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4320
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2313
| 29 يونيو 2026