رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القراءة السياسية لنتائج الانتخابات حتى الآن تشير إلى أن بقايا النظام السابق بألوانها المختلفة، تحاول تأكيد وجودها وإكساب هذا الوجود شرعية الصناديق. حركة خداع عميقة للالتفاف على الثورة ونتائجها بعد أن أثبتت المواجهات المباشرة مع التجمعات الشعبية "عجز القوة" في مواجهتها، فلم يعد أمام الحركة المضادة للثورة غير إلباس المواجهة مسوح الديمقراطية الصناديق الكاذبة، وإلباس الصناديق عباءة الدين.
والإجابة على سؤال ما العمل؟ الذي يواجه عناصر الثورة في مصر الآن يستحيل الوصول إليه دون تحليل سياسي لمدلول النظام السياسي السابق وحالة المجتمع الراهنة.
وأيضا دون القبول بأن التغيير الاجتماعي هو علاقة مع بشر وقوى اجتماعية يصبح الحديث عن التغيير حرث في الماء. يهدر الحلم والطاقة ويفتح الأفق لنظام أشد سوءا من سابقه.
وبدون القناعة بأن هناك فارقا بين التنظيم للقوى صاحبة المصلحة في التغيير وبين تركها في حالة سيولة دون جامع هيكلي لها. فإن الحركة من أجل التغيير تصبح نداء بوادي الطرشان ومجرد إبراء للذمة دون تأثير في الواقع الذي تحياه.
إن الشعوب لا تسترد إرادتها لتضعها في متاحف التاريخ.
إن نداء التغيير في المجتمعات ليس ترفا. ولكنه ضرورة حياة فالشعوب لا تطالب بالتغيير لتحيل الوطن والمجتمع إلى مجرد حزب أو تيار سياسي. والتغيير يعني في مضمونه إلغاء واقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وإقامة واقع آخر يحقق للمجتمع غاياته ومقاصده العليا. وهي لا تعني على الإطلاق تمكين إحدى القوى السياسية والاجتماعية من فرض سيطرتها. ولكن توازن القوى داخل المجتمع يجب أن يعتمد أساسا على قدرة كافة مكوناته في التعبير عن نفسها تحت ذات الظروف وبفرص متكافئة وبحركة نمو طبيعي.
ما الفارق بين مقولة ديكتاتورية البروليتاريا ووحدانية التنظيمات الدينية داخل المجتمع.
كلاهما ديكتاتورية الأولى طبقية وكانت لها رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية والثانية تفجر المجتمع وقيمه وبناءه الحضاري لتنفرد بالسلطة وفق الحق الإلهي دينيا.
وليس عجبا أن يمر أحدهم بطوابير الناخبين أمام مقار لجان الانتخاب ليقول لهم لا تنتخبوا هذه القائمة فهي قائمة المسيحيين لتنفجر في وجهه "زوجتي" - وهي خريجة الأزهر قسم لغة عبرية – في طابور الانتخاب قائلة "هل أهدرتم الثورة ودم الشهداء لتقسموا الشعب إلى مسلم ومسيحي"، ورمقها الرجل بعين غاضبة إلا أنه ذهب ولم يعد.. فهل اعتقد كل من كان بطابور الانتخاب أنها ليست مسلمة وأنها تتخفى في حجابها؟
المشهد الآن ينتقل من نظام فساد وقتل وتوريث بذات مكوناته إلى نظام ديكتاتورية دينية وإرهاب بالتكفير والمليونيات الملتحية. وكلا النظامين باركتهما المؤسسة العسكرية المصرية. بل هي أقامت النظام الجديد بخيارات لجنة البشري وعلى حد قول د. يحيى الجمل في لقاء مع أقربائه "إنهم ضحكوا علينا"، ونقل عن البشري أنه حركته عقدة قديمة أن يبقى العسكر في الحكم، فأهدر معنى الثورة واستراتيجيتها وتنازل عن قناعاته وما كتبه نتيجة عقده، هكذا تعاملوا مع الشعب والثورة، وهكذا فتحوا الباب على مصراعيه للقادمين من الظلام، وفرضوا على الشعب أن يعود للشارع ولكن بطريقة مغايرة ليسترد الثورة من سارقيها.
أطلق العنان لعودة التنظيمات الدينية في مصر منذ عام 1971 واستخدمها السادات في مواجهة كافة القوى الوطنية.
وبعد أن كان الشعار الوطني في مصر " يد تبني ويد تحمل السلاح " أصبح النداء والإلحاح في الطرقات تبرعوا لبناء مسجد. وكأن مدينة الألف مئذنة تحتاج إلى نتوءات لا تحمل وجها حضاريا كمساجد القاهرة ولكنها تفتح مراكز الخدمة والاستقطاب والتجمع والحشد تحت ستار الدين.
ومنذ انقلاب مايو 1971 وكافة التنظيمات السياسية والنقابية وأصحاب الرأي ونخبة الرجال في زمن التحرير والعدل الاجتماعي محل مطاردة أمنية كانت تتم بانتقاء وتوحشت بعد انتفاضة يناير 1977.
الغريب في الأمر أن تنظيم الإخوان عندما عاد بين السادات بعد 1973 وأعاد السادات بعض جنرالات الجيش الذين أقصوا من أماكنهم بعد 1967 وكان البعض منهم من ذات الاتجاهات والبعض الآخر أقصي لعدم جدواه بعد 1967 فإن هذا التنظيم انقلب على السادات أيضاً وعاشت فترة السادات ميلاد تنظيمات دينية متعددة ووفق نظريات تنظيمية مختلفة لينتهي الأمر باغتيال السادات في عام 1981 بعد أن انقلب على المجتمع كله ووضع كل تياراته واتجاهاته داخل المعتقل.
واغتيل السادات من داخل المؤسسة العسكرية واغتيل أمام كافة القادة وإلى جواره وزير الدفاع.
واتسعت المطاردة الأمنية زمن مبارك لتشمل التنظيمات الدينية التي أصبحت تهدد النظام الذي نجا من حادثة المنصة. وفي الوقت ذاته كانت الأحزاب والتنظيمات غير الدينية ما زالت تحت وطأة الحصار منذ 1977.
ومع تصاعد سيطرة النظام فقدت سياسته عمق الاتصال بالجماهير واحتياجاتها وصار الإحسان بديلا للعدل الاجتماعي واتخذت سياسة السوق المفتوح بديلا لسياسة التخطيط والتنمية ليغيب دور الدولة عن مسؤولية التنمية ويبدأ التوجه إلى تصفية كافة النقابات المهنية بعد أن جرى حصار الفلاحين وإلغاء ما ترتب على قوانين الإصلاح الزراعي والقضاء على الجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني للفلاحين.
وتزامنت سياسة الخصصة التي أفرغت الاقتصاد المصري من خط دفاعه الرئيس للإنتاج والتجارة والذي كان دعامة زمن الإعداد للتحرير بين عامي1967 و1973 تزامنت مع تجمد اتحاد العمال المصري الأمر الذي استدعى اللجوء إلى إنشاء النقابات خارج إطار الاتحاد واكتمل عقد الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في مصر ولازم ذلك سياسيا ما أطلق عليه " التصحر السياسي " والذي نتج عن غياب رؤية وطنية تربط بين الشعب والدولة وجرى الانفصال وصار جهاز الأمن هو أداة الدولة وتحولت الدولة إلى أسرة حاكمة وطبقة مالكة ليكتمل الانقلاب على عائد حرب أكتوبر والتي ظل الشعب فيها تحت السلاح عقدا من الزمن وعلى مدار 40 عاما منذ بدأ السادات السير في هذا الطريق.
هنا تكمن قيمة ما جرى منذ 25 يناير 2011 وهنا تكمن قيمة الشباب الذي نجح في أن يشكل وجدانه وعقيدته الوطنية وسط هذا الهجوم الضاري الداخلي وانهيار المحيط العربي بعيدا عن قيمة المجتمع الواحد. وتجلت قيمة الشعب الصابر عندما خرج منه عشرون مليونا ليرفضوا النظام وما وصلت إليه الحال ولكنهم جميعا عادوا إلى بيوتهم لأن الهدف لم يكن مكتملا في الرؤى المتعددة الأفراد والجماعات ولأن القيادة كانت غائبة ولأن الجماهير كانت في حالة سيولة وليس هناك هيكل يجمعها.
قد تصلح المواجهات الفئوية لتحقيق بعض المكاسب الضيقة، وقد تصلح مظاهرات الشباب واعتصامه لتعديل هنا أو هناك، وقد يزيد دم الشهداء والشباب قابل بهذا، ولكن الأمر محل البحث هو ما الجدوى دون رؤية كاملة وقوى من خلف هذه الرؤية.
المجلس النيابي القادم من المجهول لا يعبر عن الشعب، ولكنه يعبر عن صناديق ارتدت عباءة الدين.
وفي ذات الوقت يجب الابتعاد عن الصدام غير المشروع بين الدين بسبب الأدعياء الذين يتخذون منه ستارا للسيطرة دون مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي يعبر عن العمق الحضاري لمصر، والدين والله هو محوره الرئيس عبر كافة العصور، وليس مطلوبا القبول بإرهاب التكفير والحلال والحرام لأنه يغلق باب السياسة ويفتح باب الدكتاتورية.
إن الدور التائه في مصر والذي يبحث عن بطله هو ترجمة شعار الثورة وعدم الانحراف عنها إلى قضايا فرعية، ودراسة القوى المكونة للمجتمع، وقدرتها على الحفاظ على زخم الثورة.
البطل ليس فردا ستنتجه لنا شاشات التلفزيون، والبرامج الحوارية أو المجتمع الافتراضي، ولكن البطل مؤسسة تنظيمية وجب الأخذ بها وسيلة لإعداد القوى الشعبية وتنظيمها وراء أهدافها، وتخرج من الواقع.
إن أهمية الانتقال من حالة السيولة إلى حالة التنظيم لا تقل عنها أهمية الحفاظ على جذوة التظاهر والاعتصام حتى لا يستقر لنظام الفساد المعدل والذي تجمل ليتوحش بدكتاتورية دينية، تحميها المؤسسة العسكرية.
بدون رؤية استراتيجية ليس هناك تنظيم.
وبدون تنظيم ليس هناك حركة منتجة.
وبدون التظاهر والاعتصام ستنطفئ الجذوة.
وبدون تحديد القوى صاحبة المصلحة الحقيقية سيكون التنظيم خواء جديدا يضاف إلى ما ينتشر في ربوع مصر من تشكيلات دون مضمون.
هذه هي المعادلة الصعبة التي تواجهها الثورة في مصر بعد أحد عشر شهرا، ولكنها حركة الحياة، والتغيير ليس ترفا ولكنه مسيرة صراع وهو من الأهمية والجدية بحيث يجب أن يتولاه القادرون علية، والسيولة الشعبية هي العدو الأول لحركة التغيير.
إن تجربة العمل مع الشباب تؤكد أنهم يملكون القدرة عقلا، وجهدا، ويرفضون صور الخداع أيا كان مصدرها، ولكن رسوخ فكرة التنظيم لم تكتمل عناصرها في اليقين الجمعي لهم، والثورة قضت على أي من الحركات الفردية، وأصبح لا سبيل إلا جماعية العمل وآلية لاتخاذ القرار، وبناء مؤسسي للحشد والحركة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7614
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4650
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2373
| 01 أغسطس 2026