رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القراءة السياسية لنتائج الانتخابات حتى الآن تشير إلى أن بقايا النظام السابق بألوانها المختلفة، تحاول تأكيد وجودها وإكساب هذا الوجود شرعية الصناديق. حركة خداع عميقة للالتفاف على الثورة ونتائجها بعد أن أثبتت المواجهات المباشرة مع التجمعات الشعبية "عجز القوة" في مواجهتها، فلم يعد أمام الحركة المضادة للثورة غير إلباس المواجهة مسوح الديمقراطية الصناديق الكاذبة، وإلباس الصناديق عباءة الدين.
والإجابة على سؤال ما العمل؟ الذي يواجه عناصر الثورة في مصر الآن يستحيل الوصول إليه دون تحليل سياسي لمدلول النظام السياسي السابق وحالة المجتمع الراهنة.
وأيضا دون القبول بأن التغيير الاجتماعي هو علاقة مع بشر وقوى اجتماعية يصبح الحديث عن التغيير حرث في الماء. يهدر الحلم والطاقة ويفتح الأفق لنظام أشد سوءا من سابقه.
وبدون القناعة بأن هناك فارقا بين التنظيم للقوى صاحبة المصلحة في التغيير وبين تركها في حالة سيولة دون جامع هيكلي لها. فإن الحركة من أجل التغيير تصبح نداء بوادي الطرشان ومجرد إبراء للذمة دون تأثير في الواقع الذي تحياه.
إن الشعوب لا تسترد إرادتها لتضعها في متاحف التاريخ.
إن نداء التغيير في المجتمعات ليس ترفا. ولكنه ضرورة حياة فالشعوب لا تطالب بالتغيير لتحيل الوطن والمجتمع إلى مجرد حزب أو تيار سياسي. والتغيير يعني في مضمونه إلغاء واقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وإقامة واقع آخر يحقق للمجتمع غاياته ومقاصده العليا. وهي لا تعني على الإطلاق تمكين إحدى القوى السياسية والاجتماعية من فرض سيطرتها. ولكن توازن القوى داخل المجتمع يجب أن يعتمد أساسا على قدرة كافة مكوناته في التعبير عن نفسها تحت ذات الظروف وبفرص متكافئة وبحركة نمو طبيعي.
ما الفارق بين مقولة ديكتاتورية البروليتاريا ووحدانية التنظيمات الدينية داخل المجتمع.
كلاهما ديكتاتورية الأولى طبقية وكانت لها رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية والثانية تفجر المجتمع وقيمه وبناءه الحضاري لتنفرد بالسلطة وفق الحق الإلهي دينيا.
وليس عجبا أن يمر أحدهم بطوابير الناخبين أمام مقار لجان الانتخاب ليقول لهم لا تنتخبوا هذه القائمة فهي قائمة المسيحيين لتنفجر في وجهه "زوجتي" - وهي خريجة الأزهر قسم لغة عبرية – في طابور الانتخاب قائلة "هل أهدرتم الثورة ودم الشهداء لتقسموا الشعب إلى مسلم ومسيحي"، ورمقها الرجل بعين غاضبة إلا أنه ذهب ولم يعد.. فهل اعتقد كل من كان بطابور الانتخاب أنها ليست مسلمة وأنها تتخفى في حجابها؟
المشهد الآن ينتقل من نظام فساد وقتل وتوريث بذات مكوناته إلى نظام ديكتاتورية دينية وإرهاب بالتكفير والمليونيات الملتحية. وكلا النظامين باركتهما المؤسسة العسكرية المصرية. بل هي أقامت النظام الجديد بخيارات لجنة البشري وعلى حد قول د. يحيى الجمل في لقاء مع أقربائه "إنهم ضحكوا علينا"، ونقل عن البشري أنه حركته عقدة قديمة أن يبقى العسكر في الحكم، فأهدر معنى الثورة واستراتيجيتها وتنازل عن قناعاته وما كتبه نتيجة عقده، هكذا تعاملوا مع الشعب والثورة، وهكذا فتحوا الباب على مصراعيه للقادمين من الظلام، وفرضوا على الشعب أن يعود للشارع ولكن بطريقة مغايرة ليسترد الثورة من سارقيها.
أطلق العنان لعودة التنظيمات الدينية في مصر منذ عام 1971 واستخدمها السادات في مواجهة كافة القوى الوطنية.
وبعد أن كان الشعار الوطني في مصر " يد تبني ويد تحمل السلاح " أصبح النداء والإلحاح في الطرقات تبرعوا لبناء مسجد. وكأن مدينة الألف مئذنة تحتاج إلى نتوءات لا تحمل وجها حضاريا كمساجد القاهرة ولكنها تفتح مراكز الخدمة والاستقطاب والتجمع والحشد تحت ستار الدين.
ومنذ انقلاب مايو 1971 وكافة التنظيمات السياسية والنقابية وأصحاب الرأي ونخبة الرجال في زمن التحرير والعدل الاجتماعي محل مطاردة أمنية كانت تتم بانتقاء وتوحشت بعد انتفاضة يناير 1977.
الغريب في الأمر أن تنظيم الإخوان عندما عاد بين السادات بعد 1973 وأعاد السادات بعض جنرالات الجيش الذين أقصوا من أماكنهم بعد 1967 وكان البعض منهم من ذات الاتجاهات والبعض الآخر أقصي لعدم جدواه بعد 1967 فإن هذا التنظيم انقلب على السادات أيضاً وعاشت فترة السادات ميلاد تنظيمات دينية متعددة ووفق نظريات تنظيمية مختلفة لينتهي الأمر باغتيال السادات في عام 1981 بعد أن انقلب على المجتمع كله ووضع كل تياراته واتجاهاته داخل المعتقل.
واغتيل السادات من داخل المؤسسة العسكرية واغتيل أمام كافة القادة وإلى جواره وزير الدفاع.
واتسعت المطاردة الأمنية زمن مبارك لتشمل التنظيمات الدينية التي أصبحت تهدد النظام الذي نجا من حادثة المنصة. وفي الوقت ذاته كانت الأحزاب والتنظيمات غير الدينية ما زالت تحت وطأة الحصار منذ 1977.
ومع تصاعد سيطرة النظام فقدت سياسته عمق الاتصال بالجماهير واحتياجاتها وصار الإحسان بديلا للعدل الاجتماعي واتخذت سياسة السوق المفتوح بديلا لسياسة التخطيط والتنمية ليغيب دور الدولة عن مسؤولية التنمية ويبدأ التوجه إلى تصفية كافة النقابات المهنية بعد أن جرى حصار الفلاحين وإلغاء ما ترتب على قوانين الإصلاح الزراعي والقضاء على الجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني للفلاحين.
وتزامنت سياسة الخصصة التي أفرغت الاقتصاد المصري من خط دفاعه الرئيس للإنتاج والتجارة والذي كان دعامة زمن الإعداد للتحرير بين عامي1967 و1973 تزامنت مع تجمد اتحاد العمال المصري الأمر الذي استدعى اللجوء إلى إنشاء النقابات خارج إطار الاتحاد واكتمل عقد الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في مصر ولازم ذلك سياسيا ما أطلق عليه " التصحر السياسي " والذي نتج عن غياب رؤية وطنية تربط بين الشعب والدولة وجرى الانفصال وصار جهاز الأمن هو أداة الدولة وتحولت الدولة إلى أسرة حاكمة وطبقة مالكة ليكتمل الانقلاب على عائد حرب أكتوبر والتي ظل الشعب فيها تحت السلاح عقدا من الزمن وعلى مدار 40 عاما منذ بدأ السادات السير في هذا الطريق.
هنا تكمن قيمة ما جرى منذ 25 يناير 2011 وهنا تكمن قيمة الشباب الذي نجح في أن يشكل وجدانه وعقيدته الوطنية وسط هذا الهجوم الضاري الداخلي وانهيار المحيط العربي بعيدا عن قيمة المجتمع الواحد. وتجلت قيمة الشعب الصابر عندما خرج منه عشرون مليونا ليرفضوا النظام وما وصلت إليه الحال ولكنهم جميعا عادوا إلى بيوتهم لأن الهدف لم يكن مكتملا في الرؤى المتعددة الأفراد والجماعات ولأن القيادة كانت غائبة ولأن الجماهير كانت في حالة سيولة وليس هناك هيكل يجمعها.
قد تصلح المواجهات الفئوية لتحقيق بعض المكاسب الضيقة، وقد تصلح مظاهرات الشباب واعتصامه لتعديل هنا أو هناك، وقد يزيد دم الشهداء والشباب قابل بهذا، ولكن الأمر محل البحث هو ما الجدوى دون رؤية كاملة وقوى من خلف هذه الرؤية.
المجلس النيابي القادم من المجهول لا يعبر عن الشعب، ولكنه يعبر عن صناديق ارتدت عباءة الدين.
وفي ذات الوقت يجب الابتعاد عن الصدام غير المشروع بين الدين بسبب الأدعياء الذين يتخذون منه ستارا للسيطرة دون مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي يعبر عن العمق الحضاري لمصر، والدين والله هو محوره الرئيس عبر كافة العصور، وليس مطلوبا القبول بإرهاب التكفير والحلال والحرام لأنه يغلق باب السياسة ويفتح باب الدكتاتورية.
إن الدور التائه في مصر والذي يبحث عن بطله هو ترجمة شعار الثورة وعدم الانحراف عنها إلى قضايا فرعية، ودراسة القوى المكونة للمجتمع، وقدرتها على الحفاظ على زخم الثورة.
البطل ليس فردا ستنتجه لنا شاشات التلفزيون، والبرامج الحوارية أو المجتمع الافتراضي، ولكن البطل مؤسسة تنظيمية وجب الأخذ بها وسيلة لإعداد القوى الشعبية وتنظيمها وراء أهدافها، وتخرج من الواقع.
إن أهمية الانتقال من حالة السيولة إلى حالة التنظيم لا تقل عنها أهمية الحفاظ على جذوة التظاهر والاعتصام حتى لا يستقر لنظام الفساد المعدل والذي تجمل ليتوحش بدكتاتورية دينية، تحميها المؤسسة العسكرية.
بدون رؤية استراتيجية ليس هناك تنظيم.
وبدون تنظيم ليس هناك حركة منتجة.
وبدون التظاهر والاعتصام ستنطفئ الجذوة.
وبدون تحديد القوى صاحبة المصلحة الحقيقية سيكون التنظيم خواء جديدا يضاف إلى ما ينتشر في ربوع مصر من تشكيلات دون مضمون.
هذه هي المعادلة الصعبة التي تواجهها الثورة في مصر بعد أحد عشر شهرا، ولكنها حركة الحياة، والتغيير ليس ترفا ولكنه مسيرة صراع وهو من الأهمية والجدية بحيث يجب أن يتولاه القادرون علية، والسيولة الشعبية هي العدو الأول لحركة التغيير.
إن تجربة العمل مع الشباب تؤكد أنهم يملكون القدرة عقلا، وجهدا، ويرفضون صور الخداع أيا كان مصدرها، ولكن رسوخ فكرة التنظيم لم تكتمل عناصرها في اليقين الجمعي لهم، والثورة قضت على أي من الحركات الفردية، وأصبح لا سبيل إلا جماعية العمل وآلية لاتخاذ القرار، وبناء مؤسسي للحشد والحركة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4299
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2982
| 24 سبتمبر 2026