رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري عن بغداد بعين البغدادي؛ أصلاً وثقافةً وتاريخاً وذاكرةً. قرأته وفي نفسي تقدير خاص للدكتور الكواري وهو من بين زحمة الأخبار والأحداث والأزمات يلفت انتباهنا إلى بغداد، وبغداد لم تعد بغداد التي نعرف، ما يثير اللوعة والشجنُ …
والدكتور الكواري ليس كاتباً عابراً في المشهد الثقافي العربي؛ فهو وزير دولة، ورئيس مكتبة قطر الوطنية، وكان وزيرا للثقافة وهو دبلوماسي محترف ومثقف مخضرم، راكم تجربة طويلة في ميادين الثقافة والدبلوماسية والعمل العام، وكان مرشح دولة قطر لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو. ولذلك فإن حديثه عن بغداد، بتاريخها ومكانتها ومستقبلها، له وقع خاص ودلالة تستحق التوقف عندها.
أحسن الدكتور الكواري حين سجّل مآثر بغداد، واستعاد شيئاً من ألقها ومكانتها، وشخّص المخاطر والتحديات التي تحاصر حاضرها، وعبّر بصدق عن أمله في أن تستعيد عافيتها ودورها. وقد وجدت في كلماته محبة لبغداد وحرصاً عليها يتجاوز حدود الجغرافيا، وكأن السؤال الذي اختاره عنواناً لمقاله: «بغداد… متى تعود بغداد؟» سؤال عربي قبل أن يكون عراقياً.
بغداد التي نتذكرها،
وعندما نقول بغداد، فإننا لا نتحدث عن مدينة نمطية، بل عن ذاكرة أمة وحاضرة … حضارة.
نتذكر تأسيسها على يد الخليفة أبو جعفر المنصور سنة 762م، و«المدينة المدورة»، ثم بغداد هارون الرشيد والمأمون، حين أصبحت إحدى أعظم حواضر العالم ومركزاً للسياسة والتجارة والعلم والترجمة.
نتذكر بيت الحكمة والمدرسة المستنصرية؛ والمدرسة النظامية، وحركة الترجمة الكبرى؛ والخوارزمي والرياضيات والجبر، والكندي والفلسفة، وحنين بن إسحاق والترجمة والطب، والرازي وبن سينا والعلوم الطبية. كانت بغداد في مراحل من تاريخها مكاناً تلتقي فيه علوم اليونان والفرس والهند بالعقل العربي الإسلامي، ثم يعاد إنتاجها وإثراؤها، يوم كانت بغداد قبلة للعلماء والفقهاء والأطباء والفلاسفة والمترجمين، ومركزاً من مراكز إنتاج المعرفة في العالم.
ونتذكر بغداد الإيمان والفقه والتصوف؛ ففي ثراها يرقد الإمام موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجواد، وفيها الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام أحمد بن حنبل، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والجنيد البغدادي. رضي الله عنهم وأرضاهم، رموز ومدارس ومذاهب متعددة احتضنتها مدينة واحدة، وكأن تاريخ بغداد نفسه يقول لنا إن التنوع كان يوماً مصدر ثرائها وقوتها، لا سبباً لانقسام مجتمعها وصراع أبنائها.
حين نقول بغداد نتذكر الشعر والأدب …أبا نواس، وأبا تمام، والبحتري، والمتنبي وصلته ببغداد والعراق، ثم في العصر الحديث: معروف الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، والجواهري، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري. إنها مدينة كان الشعر فيها جزءاً من هويتها، لا مجرد نشاط أدبي.
نتذكر فنونها التشكيلية وابداع الفنانين، جواد سليم ومحمد غني حكمت والناصري والعزاوي …وهاشم الخطاط، وبغداد الكتاب وشارع المتنبي وسوق السراي ومكتبة المثنى، وبغداد المقام العراقي، ومقهى الشابندر، والقشلة وشارع الرشيد، والكرخ والرصافة والأعظمية والكاظمية … باب المعظم والباب الشرقي والشورجة وساحة الميدان والطوب وسوق الهرج …ودجلة، ذلك الشاهد الأبدي الذي ظل يجري في قلب المدينة، حاملاً أفراحها وأحزانها وانتصاراتها وانكساراتها.
بغداد يوم ولدت من جديد عام 1921, ونتذكر الملك الحكيم فيصل الأول، كما نتذكر مأساة قصر الرحاب عام 1958 ومجزرة العائلة المالكة…
هذه بغداد التي نتحدث عنها؛ مدينة لم يكن مجدها عراقياً فحسب، بل كان عربياً وإسلامياً وإنسانياً.
متى تعود… أم كيف تعود؟
لكن المقال، بعد أن سجّل المآثر، وحدد المخاطر، وعبّر عن الأمل بعودة بغداد، ترك في ذهني سؤالاً محيراً، لكنه مكملاً ولا يقل أهمية:
كيف تعود بغداد؟
فبغداد لا تعود باستحضار تاريخها، والتغني بأمجادها، لا … ولا بالحنين إلى ماضيها، بل ولا حتى بالأمنيات …. العودة الحقيقية تبدأ، عندما نجازف ونغشى حقل الألغام الذي تجنبه الدكتور الكواري، ننزع الألغام ونزيل العوائق ونعالج الأسباب التي أفضت إلى تراجعها، ولازالت تحول بينها وبين نهوضها وتعافيها.
تعود بغداد عندما تستعيد الدولة سيادتها وهيبتها وقرارها الوطني؛ عندما يسود القانون على الجميع، والمواطنة على الطائفة، والتعايش على الاختلاف والفرقة، والكفاءة على المحاصصة، والنزاهة على الفساد، والعلم والثقافة على التجهيل والتخلف والتفاهة.
تعود عندما يشعر العراقي، أياً كان مذهبه وقوميته وثقافته، أن بغداد مدينته وأن العراق وطنه، وأن الدولة تحميه ولا تميّز بين مواطن وآخر.
وتعود عندما يستعيد الإنسان العراقي ثقته بنفسه وبوطنه وبالمستقبل.
لكن بغداد أمام عظم التحديات والخطوب قد تعجز لوحدها ان تنهض بمهمة تنوء منها الجبال … وهنا يأتي دور القريب والبعيد … في الدعم والمؤازرة …
وللعراق عتب على إخوته
وهنا لا بد من كلمة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية.
العراق لم يقصّر يوماً في النهوض بواجباته تجاه أشقائه العرب. كان حاضراً حين احتاجوا إليه؛ قدّم المال حين لزم المال، وفتح ابواب العلم حين طلبوه، وبذل الأرواح رخيصة ودون مقابل، وحمل قضايا أمته وهمومها بوصفها قضاياه وهمومه.
لكن للعراق اليوم عتباً… ولبغداد حزناً.
ففي سنوات محنته القاسية، ترك العراق ليواجه قدره لوحده إلا من البعض القليل وهو كان يحتاج إلى حضور عربي أكبر؛ حضور يسنده، يعزز صموده، ويحفظ استقراره وأمنه، ويساعده على تجاوز محنته واستعادة عافيته، لقد شعر العراقيون في ساعة الشدة وهم يتلفتون يمنة ويسرة بحثاً عن ناصر ومعين …. انهم قد خذلوا !!
وهذه حقيقة ينبغي ألا نتحرج في قولها، ليس لاستدعاء اللوم ولا لفتح دفاتر الماضي، وإنما لاستخلاص الدرس للمستقبل.
فما زال الوقت متاحاً، والحلم قائماً، والأمل لم ينطفئ.
وبغداد التي أعطت محيطها العربي والإسلامي الكثير، لا تطلب اليوم ردَّ جميلٍ مضى، وإنما تتطلع إلى شراكة عربية حقيقية في صناعة مستقبلها؛ استثماراً وثقافةً وتعليماً وإعماراً وتواصلاً وانفتاحاً، بما يعيد العراق إلى عمقه الطبيعي، ويعيد العرب إلى بغداد.
بغداد ستعود
على مدى تأريخها، سقطت بغداد، واحترقت، وغُزيت، ونُكبت أكثر من مرة … لكنها كانت تنهض بشموخ من بين الرماد … في كل مرة.
قال فيها الشاعر المبدع مصطفى جمال الدين:
بغدادُ ! مــا اشتبكتْ عليكِ الأعصرُ...
إلّا ذوتْ ووريقُ عمــرِكِ أخضـرُ
مـرّتْ بكِ الدنيـــا وصبـحُكِ مشمِــسٌ...
ودجتْ عليـكِ ووجــهُ ليلِكِ مُقمِرُ
وقســـتْ عليــكِ الحــادثـاتُ فــراعَها...
أنّ احتمــالَكِ مـــن أذاهـــــا أكــــبرُ
ولهذا فإنني أشارك الدكتور حمد الكواري أمله بأن بغداد ستعود.
غير أن السؤال لم يعد فقط:
متى تعود بغداد؟
بل:
كيف نعيد بغداد؟
وفي تقديري، تبدأ الإجابة من أربعة استحقاقات كبرى: استعادة الدولة، واستعادة الإنسان، واستعادة الهوية الوطنية الجامعة، واستعادة العمق العربي للعراق.
وحين ينهض العراقيون بهذه المهمة، ويجدون إخوتهم العرب إلى جانبهم، لن نحتاج إلى أن نسأل طويلاً: متى تعود بغداد؟
لأن بغداد ستكون قد بدأت بالفعل رحلة العودة.
شكرا لكم د. حمد الكواري على مقالكم الرائع، أما مقالكم التالي فارجو ان تسعفنا به حالما يتحقق حلمك وتكون بغداد قد استعادت القها ومجدها …. وما ذاك على الله بعزيز.
عبد الله بن حمد العطية.. تميز وقدوة
لا تُقاس قيمة الرجال بطول أعمارهم، ولا بثرائهم، ولا بعدد المناصب التي شغلوها، ولا بحجم المسؤوليات التي تحملوها،... اقرأ المزيد
618
| 31 مايو 2026
هل قتلت إيران سرديتها حول "الأمن الجماعي الخليجي"؟
إلى جانب ما عرض من معلومات صادمة عن خلايا تخريب وتجسس …!! وهي أنشطة لا تمارسها إلا دولة... اقرأ المزيد
795
| 15 أبريل 2026
قل لي ماذا حققت؟ سأقول لك من انتصر
في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من قاتل أفضل ؟ ولا من امتلك سلاحاً أشد فتكاً؟ بل... اقرأ المزيد
993
| 10 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10296
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2163
| 08 سبتمبر 2026