رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

252

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

هل يدفع الخليج ثمن حصار إيران؟

18 أغسطس 2026 , 11:20م

لا يختلف اثنان على أن الاقتصاد يمثل إحدى أكثر الأدوات تأثيراً في النزاعات الدولية، خصوصاً عندما يكون الطرف المستهدف معتمداً على تصدير النفط والتعامل مع الأسواق الخارجية. ومن هذا المنطلق، تراهن الولايات المتحدة على تشديد العقوبات والحصار الاقتصادي لإضعاف إيران ودفعها إلى التراجع عن سياساتها النووية والعسكرية. لكن السؤال الذي ينبغي لدول الخليج طرحه هو: هل ستبقى آثار هذا الحصار داخل الحدود الإيرانية، أم أن المنطقة كلها ستشارك في دفع ثمنه؟

يعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل ضغوطاً متزايدة نتيجة تراجع الصادرات النفطية، وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، وانخفاض قيمة الريال، وارتفاع معدلات التضخم. كما أن تعطيل الموانئ وشبكات التمويل والتجارة يحدّ من قدرة طهران على توفير احتياجاتها وتمويل مؤسساتها وبرامجها العسكرية. ولهذا تعتقد واشنطن أن زيادة الضغوط ستجعل استمرار إيران في المواجهة أكثر كلفة، وقد تدفع قيادتها في النهاية إلى قبول التفاوض.

غير أن التجارب السابقة أثبتت أن العقوبات الاقتصادية لا تبقى محصورة في الدولة المستهدفة، بل تمتد آثارها إلى الدول المجاورة والأسواق العالمية. وإيران ليست دولة بعيدة عن الخليج، وإنما تقع على الضفة الأخرى منه، وتشترك مع دوله في ممرات بحرية ومصالح اقتصادية وأمنية متداخلة. وأي اضطراب واسع داخل إيران ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة وحركة التجارة وأسعار الطاقة.

ويمثل مضيق هرمز أخطر ساحات الارتداد المحتملة. فهذا الممر الحيوي تعبر من خلاله نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز العالمية. وإذا شعرت إيران بأن صادراتها النفطية قد توقفت تماماً وأن منافذها الاقتصادية أُغلقت، فقد تلجأ إلى تعطيل الملاحة أو تهديد السفن والمنشآت النفطية، باعتبار ذلك ورقة ضغط أخيرة. وعندها لن تتضرر الولايات المتحدة وحدها، بل ستتحمل دول الخليج جانباً كبيراً من الخسائر الأمنية والاقتصادية.

كما أن ارتفاع أسعار التأمين والشحن وتكاليف حماية السفن سيؤثر في الواردات والصادرات الخليجية، حتى لو استمرت الموانئ في العمل بصورة طبيعية. وقد ترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية، وتتأخر سلاسل الإمداد، وتتأثر المشروعات الاقتصادية والسياحية. أما إذا توسعت المواجهة العسكرية، فقد تصبح المنشآت النفطية والموانئ والمطارات في دول المنطقة عرضة للمخاطر، رغم أن هذه الدول ليست طرفاً مباشراً في الحرب.

وهناك جانب إنساني لا يقل أهمية. فالحصار الاقتصادي الشامل لا يعاقب الحكومات وحدها، وإنما يصل سريعاً إلى المواطنين من خلال ارتفاع الأسعار ونقص الأدوية وتراجع الخدمات وفرص العمل. وإذا تفاقمت الأوضاع المعيشية داخل إيران، فقد تواجه المنطقة موجات من الهجرة غير النظامية والتهريب إلى جانب اضطرابات أمنية يصعب احتواؤها داخل الحدود الإيرانية.

وهذا لا يعني أن تترك إيران بلا مساءلة عن سياساتها أو تهديداتها، ولا أن يُسمح لها باستخدام برنامجها النووي أو الصاروخي لفرض إرادتها على جيرانها. ولكن المطلوب هو أن يكون الضغط الاقتصادي محسوباً ومحدداً بأهداف سياسية قابلة للتحقيق، لا أن يتحول إلى حصار مفتوح يهدف إلى إنهاك دولة كبيرة من دون تصور واضح لما سيحدث بعد ذلك.

وتتحمل دول مجلس التعاون مسؤولية التحرك الجماعي لحماية مصالحها، والمطالبة بأن تكون شريكاً أساسياً في أي مفاوضات تتعلق بأمن الخليج ومضيق هرمز. كما ينبغي دعم الجهود التي تبذلها دولة قطر وسلطنة عُمان وغيرها من دول المنطقة لفتح قنوات التفاوض ومنع انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة. فالوساطة لا تعني الوقوف مع طرف ضد آخر، وإنما حماية المنطقة من نتائج صراع قد يمتد لسنوات.

ومن المهم ألا تكتفي دول الخليج بدور المتلقي لنتائج القرارات الدولية، بل أن تضع تصوراً مشتركاً لإدارة الأزمات الاقتصادية والأمنية، يشمل تنويع مسارات تصدير الطاقة، وتعزيز المخزون الإستراتيجي، وحماية الموانئ، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، حتى لا تتحول أي مواجهة مع إيران إلى اختبار منفرد لكل دولة خليجية.

وقد يُضعف الحصار الاقتصادي إيران ويقلص قدرتها على تمويل أنشطتها، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى نار تمتد إلى دول الخليج. ولذلك فإن نجاحه لا يُقاس بحجم الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الإيراني، بل بقدرته على الوصول إلى تسوية سياسية تضمن أمن المنطقة وحرية الملاحة وعدم انتشار السلاح النووي. أما العقوبات التي لا تفتح باباً للحل، فقد تجعل الخليج يدفع ثمن مواجهة لم يخترها، ويواجه نتائج قرارات لم يكن شريكاً في اتخاذها.

مساحة إعلانية