رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في منطقتنا المضطربة، لم تعد الأحداث تُقاس بمدى احتمال وقوعها، بل بمدى جاهزيتنا لمواجهتها. فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن ما كان يُصنَّف ضمن المستحيل قد يتحول إلى واقع في لحظة خاطفة. وفي ظل هذا الواقع، ونحن نعيش على ضفاف مياه هذا البحر وأمواجه الهادئة، بنظامه البيئي المتكامل وثروته السمكية المتنوعة والغنية، والذي يُمثّل شريان حياتنا، في بيئة نعتمد عليه فيها اعتمادًا شبه كلي يتجاوز 90%، كمصدر رئيسي للماء والغذاء والحياة، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن بحاجة فعلًا للانخراط في خيار الطاقة النووية في دول الخليج المطلة عليه؟ وهل نحن مستعدون بالفعل، لا سمح الله، لأسوأ السيناريوهات، بما في ذلك احتمال حدوث تسرب إشعاعي في بيئة بهذه الحساسية وشدة التأثر؟
الخليج العربي ليس مجرد مساحة مائية، بل منظومة حياة متكاملة تتقاطع فيها الطاقة مع الماء، والتحلية مع الغذاء، والمدن مع البحر والهواء. وهو بيئة شبه مغلقة، ضحلة، وبطيئة التجدد؛ قد يستغرق تجدد مياهه لسنوات طويلة، كما أن معدل التبخر فيه مرتفع، ما يزيد من حساسيته لأي ملوثات قد تتسرب فيه.
وفي هذا الحيز الجغرافي المائي الضيق، يوجد مفاعل نووي شمال شرق مدينة الدوحة، وهو محطة بوشهر النووية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تبعد نحو 400 كم، ويُصنَّف لربما ضمن مفاعلات الجيل الثاني، معتمدًا على تكنولوجيا روسية، وقد بدأ إنتاجه عام 2013.
ورغم تعدد استخدامات المفاعلات النووية، فإن تركيزي في هذا المقال ينصب على الأغراض والتطبيقات السلمية فقط، وفي مقدمتها توليد الكهرباء، إلى جانب بعض استخداماتها في تحلية مياه البحر. ومع ذلك، فقد شهد هذا القطاع حوادث مؤسفة كبرى، وقد أكدت هذه الحوادث أن الخلل، سواء كان بشريًا أو تقنيًا أو خللًا تصميميًا أو نتيجة كوارث طبيعية، قد يؤدي إلى فقدان السيطرة وانبعاث مواد مشعة خطيرة، مثل اليود-131، والسيزيوم-137، والسترونتيوم-90، القادرة على الانتشار لمسافات واسعة عبر الهواء ومياه البحر.
وفي حال حدوث تسرب إشعاعي، يُعد الهواء المسار الأول والأسرع وفق اتجاه الرياح، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في البحر؛ ومع الاعتماد الكبير على عملية التحلية، يصبح الأمن المائي والغذائي عرضة لمخاطر مباشرة. ولا يقتصر الأثر على الماء فحسب، بل يمتد إلى الغذاء والبيئة البحرية بمكوناتها المختلفة، بما في ذلك المنتجات البحرية، والشعاب المرجانية، والأعشاب البحرية، وحتى الطيور؛ لما لذلك من تأثير مباشر على التوازن المناخي والتنوع البيولوجي. وحتى تقنيات “الجيل الثالث” للمفاعلات النووية لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على مياه البحر للتبريد، كما لا يمكن إغفال دور الظروف الجوية؛ فهطول الأمطار قد يُسهم في نقل وترسيب المواد المشعة على التربة، بما يوسّع نطاق التأثير من البحر إلى اليابسة، ليشمل المسطحات الخضراء والمحاصيل الزراعية وسلامة البيئة البرية.
ومن هذا المنطلق، فإن طرح إنشاء محطات طاقة نووية في بيئة الخليج البحرية المغلقة يستدعي وقفة تأمل وتقييم صريحة وجادة؛ فالقضية ليست في توفر أفضل التقنيات أو السعي لتنويع مصادر الطاقة، بل في عدم إغفال البدائل الأكثر ملاءمة، ومدى انسجام هذا الخيار مع طبيعة المنطقة الجغرافية وحساسية ومحدودية مواردها الطبيعية. ولا يعني هذا الطرح رفض الطاقة النووية كخيار تقني في المطلق، بل يدعو إلى إعادة تقييم مدى ملاءمتها الجغرافية والاستراتيجية لبيئة الخليج وخصوصيتها.
وفي تقديري، فإن تحفّظي على خيار الطاقة النووية يستند إلى أربع ركائز أساسية:
أولًا: أن محدودية المساحة الجغرافية، إلى جانب محدودية عدد السكان وانخفاض كثافتهم مقارنة باتساع مناطق عازلة في دول أخرى، يحدّ من قدرة احتواء أي حادث لا سمح الله ضمن نطاق جغرافي ضيق.
ثانيًا: أن هذه المنطقة بحمد الله ليست في حالة عجز في موارد طاقة يفرض عليها خيارات اضطرارية كالنووي؛ بل هي من أغنى مناطق العالم بالموارد الهيدروكربونية من نفط وغاز، ما يجعل اللجوء إلى الطاقة النووية خيارًا غير ملح.
ثالثًا: أن التكاليف الإنشائية قد تصل إلى عشرات المليارات، وصولًا إلى تكلفة التفكيك التي قد تبلغ نحو 15% من قيمة المشروع، ما يستدعي إنشاء صناديق سيادية تمويلية مخصصة منذ بداية المشروع لها.
رابعًا: إن البحث عن بدائل الطاقة لم يعد خيارًا تكميليًا، بل هو المسار الاستراتيجي الأمثل؛ فدول الخليج تمتلك مقومات طبيعية تؤهلها لبناء مزيج طاقة متوازن وآمن (Energy Mix).
وفي المقابل، فإن بدائل الطاقة السلمية كثيرة ومتاحة، بل أصبحت حلولًا عملية وتجارية على نطاق عالمي واسع، ومن أبرزها:
١- الطاقة الشمسية، وقد بدأت دول الخليج بإنشاء عدة مزارع كهروضوئية لإنتاج الطاقة.
٢- طاقة الرياح؛ ورغم تذبذب إنتاجها وارتفاع تكلفتها نسبيًا في دول الخليج، فإنها لا تُعد خيارًا رئيسيًا، بل مصدرًا مكملًا قد يُلجأ إليه عند الحاجة.
٣- استغلال المخلفات الصلبة والسائلة بمختلف أنواعها الاستهلاكية، والصناعية، والإنشائية وحتى الزراعية، وتحويلها إلى طاقة (غاز حيوي)، وسماد عضوي ومواد قابلة للتدوير.
٤- وإذا استدعت الضرورة البحث عن بدائل إضافية أخرى، فإن الهيدروجين الأخضر يبرز كخيار وبديل استراتيجي آخر في قطاع الصناعة والنقل.
٥- والأهم من وجهة نظري: رفع كفاءة الاستهلاك، وتقليل الهدر، وترشيد الطلب من خلال تعزيز الوعي المجتمعي والمحفزات.
لقد آن الأوان لتغليب منطق الاستدامة على منطق المخاطرة والاحتمالات؛ وما نعتقده ملكًا لنا اليوم هو في الحقيقة وديعة بين أيدينا؛ فلنحافظ عليها برًا وبحرًا وسماءً لتظل بردًا وسلامًا، فهي الأمانة، والإرث الوحيد الذي يستحق أن نتركه لأحفادنا والأجيال القادمة.
ويبقى السؤال الذي يراودني: إذا اتجهت دول الخليج نحو تبني خيار الطاقة النووية لتنويع مصادرها، فهل تحمل ابتكارات “الجيل الرابع” للمفاعلات حلولًا جذرية تنهي ارتهان أمننا المائي والغذائي بالبحر، وتطوي ملف النفايات الإشعاعية الشائك؟ وإذا دهمنا المحظور -لا قدر الله- فهل أعددنا لـ”غير المتوقع” ما يكفي لاحتواء خطر قد يتجاوز حدود السيطرة؟ فالتاريخ لم يغفر لكارثة تشيرنوبيل خطأها البشري، ولم تُنقذ التكنولوجيا المحكمة كارثة فوكوشيما من قيودها الجغرافية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1335
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
870
| 16 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع تجاري، أو مشاجرة لفظية بين مراهقين في الشارع، أو حتى زلة لسان من شخص في لحظة غضب. في الزمن القديم، زمن "المروءة"، كانت ردة الفعل الغريزية لمن يشاهد هذا الموقف هي: غض البصر، أو المسارعة للمساعدة، ثم "دفن" القصة وكأنها لم تحدث. كان الشعار: "يا فلان.. ما شفت شي، والله يستر عليه وعلينا". أما اليوم، فما هي ردة الفعل الغريزية الأولى؟ إنها اليد التي تمتد تلقائياً للجيب لتخرج الهاتف، وتفتح الكاميرا، وتبدأ في التوثيق. لم نعد نرى في الشخص المخطئ أو المتعثر "إنساناً" يستحق الستر والرحمة، بل أصبحنا نرى فيه "محتوى" دسمًا، و"ترند" محتملاً، وفرصة لزيادة المشاهدات واللايكات. لقد انتقلنا من ثقافة "الستر" إلى ثقافة "الفضيحة". في تراثنا وقيمنا، كان "الستر" رجولة. كان الرجل يُعرف بـ "كتوم السر"، الذي يبتلع الزلات كما تبتلع الأرض المطر، فلا يظهر منها شيء. كانت البيوت "أسراراً"، وكانت المجالس "أمانات". اليوم، تحولت حياتنا إلى "بيت من زجاج". أصبحنا نعيش تحت تهديد دائم بأن أي خطأ صغير قد يتحول في لحظات إلى "هاشتاق" عالمي يدمر سمعة عائلة، ويقطع أرزاقاً، ويهدم بيوتاً. المخيف في الأمر ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل "القسوة" التي زرعتها في قلوبنا. أصبحنا نتداول مقاطع الفضائح في "قروبات الواتساب" ونحن نضحك، أو نعلق بتنمر، دون أن نفكر للحظة واحدة في الألم النفسي للشخص الذي في الفيديو، أو في حرق قلب أمه وأهله وهم يرون ابنهم أو ابنتهم "فرجة" للناس. نسينا أن "كما تدين تدان"، وأن الكاميرا التي صورت غيرك اليوم، قد تدور لتصورك أنت أو أحد أحبابك غداً. إن "الستر" ليس تواطؤاً مع الخطأ، وليس تشجيعاً عليه. الستر هو إعطاء فرصة للإصلاح، وحفظ للكرامة الإنسانية، ومنع لانتشار الفاحشة والسوء في المجتمع. المجتمع القوي ليس هو الذي "يفضح" و"يشرشح" المخطئ علناً، بل هو الذي يحتويه ويصلحه سراً. نحن بحاجة اليوم لـ "ثورة أخلاقية" ضد هذا السعار الرقمي. نحن بحاجة لأن نعلم أبناءنا أن "زر المشاركة" (Share) قد يكون أحياناً أخطر من الضغط على الزناد. أن نعلمهم أن الرجولة ليست في أن تكون "السبّاق" في نشر الفضيحة، بل في أن تكون "السد المنيع" الذي تتوقف عنده القصة وتموت. في المرة القادمة التي يصلك فيها مقطع فيه "فضيحة" أو زلة لأحد، جرب أن تكون أنت "نقطة النهاية". لا ترسل، لا تعلق، لا تضحك. اضغط "حذف"، واستشعر عظمة الحديث: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". ففي زمن أصبح فيه الجميع "مراسلين حربيين" يبحثون عن السبق، كن أنت "الرجل الستّار" الذي يبحث عن الأجر وحفظ الأعراض. فالترند سيختفي غداً، لكن "موقفك النبيل" سيبقى في صحيفتك للأبد.
792
| 15 أبريل 2026