رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

165

م. حسن الراشد

المحطات النووية على الخليج.. هل نحن مستعدون؟

19 أبريل 2026 , 10:38م

في منطقتنا المضطربة، لم تعد الأحداث تُقاس بمدى احتمال وقوعها، بل بمدى جاهزيتنا لمواجهتها. فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن ما كان يُصنَّف ضمن المستحيل قد يتحول إلى واقع في لحظة خاطفة. وفي ظل هذا الواقع، ونحن نعيش على ضفاف مياه هذا البحر وأمواجه الهادئة، بنظامه البيئي المتكامل وثروته السمكية المتنوعة والغنية، والذي يُمثّل شريان حياتنا، في بيئة نعتمد عليه فيها اعتمادًا شبه كلي يتجاوز 90%، كمصدر رئيسي للماء والغذاء والحياة، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن بحاجة فعلًا للانخراط في خيار الطاقة النووية في دول الخليج المطلة عليه؟ وهل نحن مستعدون بالفعل، لا سمح الله، لأسوأ السيناريوهات، بما في ذلك احتمال حدوث تسرب إشعاعي في بيئة بهذه الحساسية وشدة التأثر؟

الخليج العربي ليس مجرد مساحة مائية، بل منظومة حياة متكاملة تتقاطع فيها الطاقة مع الماء، والتحلية مع الغذاء، والمدن مع البحر والهواء. وهو بيئة شبه مغلقة، ضحلة، وبطيئة التجدد؛ قد يستغرق تجدد مياهه لسنوات طويلة، كما أن معدل التبخر فيه مرتفع، ما يزيد من حساسيته لأي ملوثات قد تتسرب فيه.

وفي هذا الحيز الجغرافي المائي الضيق، يوجد مفاعل نووي شمال شرق مدينة الدوحة، وهو محطة بوشهر النووية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تبعد نحو 400 كم، ويُصنَّف لربما ضمن مفاعلات الجيل الثاني، معتمدًا على تكنولوجيا روسية، وقد بدأ إنتاجه عام 2013.

ورغم تعدد استخدامات المفاعلات النووية، فإن تركيزي في هذا المقال ينصب على الأغراض والتطبيقات السلمية فقط، وفي مقدمتها توليد الكهرباء، إلى جانب بعض استخداماتها في تحلية مياه البحر. ومع ذلك، فقد شهد هذا القطاع حوادث مؤسفة كبرى، وقد أكدت هذه الحوادث أن الخلل، سواء كان بشريًا أو تقنيًا أو خللًا تصميميًا أو نتيجة كوارث طبيعية، قد يؤدي إلى فقدان السيطرة وانبعاث مواد مشعة خطيرة، مثل اليود-131، والسيزيوم-137، والسترونتيوم-90، القادرة على الانتشار لمسافات واسعة عبر الهواء ومياه البحر.

وفي حال حدوث تسرب إشعاعي، يُعد الهواء المسار الأول والأسرع وفق اتجاه الرياح، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في البحر؛ ومع الاعتماد الكبير على عملية التحلية، يصبح الأمن المائي والغذائي عرضة لمخاطر مباشرة. ولا يقتصر الأثر على الماء فحسب، بل يمتد إلى الغذاء والبيئة البحرية بمكوناتها المختلفة، بما في ذلك المنتجات البحرية، والشعاب المرجانية، والأعشاب البحرية، وحتى الطيور؛ لما لذلك من تأثير مباشر على التوازن المناخي والتنوع البيولوجي. وحتى تقنيات “الجيل الثالث” للمفاعلات النووية لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على مياه البحر للتبريد، كما لا يمكن إغفال دور الظروف الجوية؛ فهطول الأمطار قد يُسهم في نقل وترسيب المواد المشعة على التربة، بما يوسّع نطاق التأثير من البحر إلى اليابسة، ليشمل المسطحات الخضراء والمحاصيل الزراعية وسلامة البيئة البرية.

ومن هذا المنطلق، فإن طرح إنشاء محطات طاقة نووية في بيئة الخليج البحرية المغلقة يستدعي وقفة تأمل وتقييم صريحة وجادة؛ فالقضية ليست في توفر أفضل التقنيات أو السعي لتنويع مصادر الطاقة، بل في عدم إغفال البدائل الأكثر ملاءمة، ومدى انسجام هذا الخيار مع طبيعة المنطقة الجغرافية وحساسية ومحدودية مواردها الطبيعية. ولا يعني هذا الطرح رفض الطاقة النووية كخيار تقني في المطلق، بل يدعو إلى إعادة تقييم مدى ملاءمتها الجغرافية والاستراتيجية لبيئة الخليج وخصوصيتها.

وفي تقديري، فإن تحفّظي على خيار الطاقة النووية يستند إلى أربع ركائز أساسية:

أولًا: أن محدودية المساحة الجغرافية، إلى جانب محدودية عدد السكان وانخفاض كثافتهم مقارنة باتساع مناطق عازلة في دول أخرى، يحدّ من قدرة احتواء أي حادث لا سمح الله ضمن نطاق جغرافي ضيق.

ثانيًا: أن هذه المنطقة بحمد الله ليست في حالة عجز في موارد طاقة يفرض عليها خيارات اضطرارية كالنووي؛ بل هي من أغنى مناطق العالم بالموارد الهيدروكربونية من نفط وغاز، ما يجعل اللجوء إلى الطاقة النووية خيارًا غير ملح.

ثالثًا: أن التكاليف الإنشائية قد تصل إلى عشرات المليارات، وصولًا إلى تكلفة التفكيك التي قد تبلغ نحو 15% من قيمة المشروع، ما يستدعي إنشاء صناديق سيادية تمويلية مخصصة منذ بداية المشروع لها.

رابعًا: إن البحث عن بدائل الطاقة لم يعد خيارًا تكميليًا، بل هو المسار الاستراتيجي الأمثل؛ فدول الخليج تمتلك مقومات طبيعية تؤهلها لبناء مزيج طاقة متوازن وآمن (Energy Mix).

وفي المقابل، فإن بدائل الطاقة السلمية كثيرة ومتاحة، بل أصبحت حلولًا عملية وتجارية على نطاق عالمي واسع، ومن أبرزها:

١- الطاقة الشمسية، وقد بدأت دول الخليج بإنشاء عدة مزارع كهروضوئية لإنتاج الطاقة.

٢- طاقة الرياح؛ ورغم تذبذب إنتاجها وارتفاع تكلفتها نسبيًا في دول الخليج، فإنها لا تُعد خيارًا رئيسيًا، بل مصدرًا مكملًا قد يُلجأ إليه عند الحاجة.

٣- استغلال المخلفات الصلبة والسائلة بمختلف أنواعها الاستهلاكية، والصناعية، والإنشائية وحتى الزراعية، وتحويلها إلى طاقة (غاز حيوي)، وسماد عضوي ومواد قابلة للتدوير.

٤- وإذا استدعت الضرورة البحث عن بدائل إضافية أخرى، فإن الهيدروجين الأخضر يبرز كخيار وبديل استراتيجي آخر في قطاع الصناعة والنقل.

٥- والأهم من وجهة نظري: رفع كفاءة الاستهلاك، وتقليل الهدر، وترشيد الطلب من خلال تعزيز الوعي المجتمعي والمحفزات.

لقد آن الأوان لتغليب منطق الاستدامة على منطق المخاطرة والاحتمالات؛ وما نعتقده ملكًا لنا اليوم هو في الحقيقة وديعة بين أيدينا؛ فلنحافظ عليها برًا وبحرًا وسماءً لتظل بردًا وسلامًا، فهي الأمانة، والإرث الوحيد الذي يستحق أن نتركه لأحفادنا والأجيال القادمة.

ويبقى السؤال الذي يراودني: إذا اتجهت دول الخليج نحو تبني خيار الطاقة النووية لتنويع مصادرها، فهل تحمل ابتكارات “الجيل الرابع” للمفاعلات حلولًا جذرية تنهي ارتهان أمننا المائي والغذائي بالبحر، وتطوي ملف النفايات الإشعاعية الشائك؟ وإذا دهمنا المحظور -لا قدر الله- فهل أعددنا لـ”غير المتوقع” ما يكفي لاحتواء خطر قد يتجاوز حدود السيطرة؟ فالتاريخ لم يغفر لكارثة تشيرنوبيل خطأها البشري، ولم تُنقذ التكنولوجيا المحكمة كارثة فوكوشيما من قيودها الجغرافية.

مساحة إعلانية