رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

108

سعدية مفرح

رفوف تحكي!

19 يوليو 2026 , 11:13م

يكفي أن تدخل بيتاً حتى تبدأ الكتب بالكشف عن شيء من شخصية أصحابه. قد تكون مصطفة بعناية في مكتبة خشبية كبيرة، أو موزعة على رفوف صغيرة، أو موضوعة فوق طاولة جانبية، أو حتى مستندة إلى الجدار في زاوية هادئة. وفي كل الأحوال، فإن حضورها يضيف إلى المكان شيئاً يصعب تفسيره. فالكتاب لا يشغل مساحة فحسب، وإنما يملأ الفراغ بإيحاء مختلف، ويمنح البيت هيئة تقول إن المعرفة مرت من هنا، وإن للكلمات مكاناً بين الأثاث والصور والذكريات.

ولهذا أستغرب أحياناً ذلك التهكم الذي يطال المكتبات المنزلية حين يقال إنها تحولت إلى مجرد ديكور. وكأن الديكور تهمة، أو كأن الجمال منفصل عن الثقافة. فالبيت الذي يختار أصحابه أن يمنحوا الكتب مكاناً ظاهراً فيه، حتى وإن لم تُقرأ جميعها، يبعث برسالة أفضل كثيراً من بيت يخلو منها تماماً. فالكتاب حين يكون مرئياً، يظل قابلاً لأن تمتد إليه يد، أو يقع عليه بصر طفل، أو يثير فضول ضيف، أو يوقظ رغبة مؤجلة في القراءة.

كم من علاقة طويلة مع الكتب بدأت بمجلد كان موضوعاً على رف في غرفة الجلوس. وكم من طفل سأل عن عنوان كتاب لأنه أعجبه غلافه، ثم اكتشف القراءة مصادفة. وما أكثر الكتب التي ظلت سنوات ساكنة في أماكنها، ثم جاء يوم احتاجها أحد أفراد الأسرة، أو قرأها في مرحلة مختلفة من عمره، فاكتشف أنها كانت تنتظره بصبر يفوق صبر البشر.

المكتبة المنزلية ليست سجلاً بعدد الكتب المقروءة، ولا شهادة تفوق ثقافي، ولا امتحاناً يومياً لقياس علاقة أصحاب البيت بالقراءة. إنها جزء من البيئة التي يعيش فيها أفراد الأسرة، والبيئات تصنع العادات ببطء. فالطفل الذي يكبر والكتب أمامه، يعتاد وجودها كما يعتاد وجود اللوحات والنباتات، ثم يكتشف مع الوقت أنها ليست مجرد أشياء صامتة، وإنما أبواب يمكن فتحها متى شاء.

وأعرف أن بعض البيوت تحتفظ بمكتبات ورثتها عن الآباء والأجداد، وأن كثيراً من الكتب فيها لم تُفتح منذ سنوات. ومع ذلك يصعب النظر إليها باعتبارها أثاثاً زائداً. فهي تحمل آثار أصحابها، وهوامشهم، وتوقيعاتهم، وذكريات مراحل كاملة من أعمارهم. والكتاب القديم يشبه قطعة أثاث عتيقة، يحتفظ بقيمته لأنه يحمل قصة، ولأن الزمن ترك عليه بصماته.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض المكتبات تُنشأ بدافع الوجاهة الاجتماعية، وأن بعض الرفوف تُرتب بعناية أمام عدسات التصوير أكثر مما تُرتب من أجل القراءة. وهذه ظاهرة موجودة، لكنها لا تستحق أن تتحول إلى حكم عام على كل مكتبة جميلة. فمن حق الكتب أيضاً أن تكون جميلة، وأن تضيف إلى البيوت لمسة من الأناقة، تماماً كما تفعل اللوحات الفنية والتحف، مع فارق مهم هو أن الكتاب يحتفظ دائماً بإمكانية أن يتحول من قطعة صامتة إلى حوار حي بمجرد أن يُفتح.

وربما تكون المشكلة الحقيقية في نظرتنا الضيقة إلى القراءة نفسها، وكأن الكتاب يؤدي وظيفته فقط حين يُقرأ من الصفحة الأولى إلى الأخيرة. بينما للكتاب حياة أطول من جلسة قراءة واحدة. قد يعود إليه صاحبه بعد أعوام، وقد يقرأ منه فصلاً واحداً، وقد يهديه إلى شخص آخر، وقد يبقى شاهداً على مرحلة فكرية أو ذائقة معينة. وهذه كلها أشكال من العلاقة مع الكتاب، حتى وإن اختلفت درجاتها.

وأحب المكتبات التي تكشف شيئاً من أصحابها، ولا تخفي ارتباكهم الإنساني. تلك التي تضم روايات إلى جانب دواوين الشعر، وكتب التاريخ بجوار كتب الطبخ، والمجلدات الثقيلة إلى جانب كتب الأطفال. فالمكتبة الحقيقية لا تشبه معارض الأثاث، وإنما تشبه الحياة نفسها، فيها تنوع، وفيها آثار الاستخدام، وفيها كتب مفضلة تبدو أكثر اهتراءً من غيرها لأنها عبرت الأيدي مرات كثيرة.

ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله المكتبة المنزلية أنها تذكرنا دائماً بأن المعرفة تستحق مكاناً في حياتنا، حتى عندما ننشغل عنها. وجودها يعلن أن الكتاب ما زال ضيفاً مرحباً به في البيت، وأن الثقافة ليست مناسبة موسمية، وإنما جزء من تفاصيل العيش. وقد يأتي يوم يمد فيه أحدهم يده إلى كتاب ظل سنوات يزين الرف، فيكتشف أن الزينة كانت تخبئ حياة كاملة بين دفتيها.

اقرأ المزيد

عندما يهتز عرش الكيان عندما يهتز عرش الكيان

من المفارقات الغريبة أن الكيان الصهيوني المحتل يعيش حالة من الهذيان غير الطبيعية، رغم محاولته الظهور بمظهر القوي... اقرأ المزيد

93

| 20 يوليو 2026

هي أزمة لا نهاية لها ! هي أزمة لا نهاية لها !

ما زالت هبات رياح مشاكل الغير الساخنة والمُحرقة في أحيان كثيرة تهب على دول الخليج، وبرغم كل الجهود... اقرأ المزيد

81

| 20 يوليو 2026

الشيخ حمد بن خليفة.. القدوة والإنسان الشيخ حمد بن خليفة.. القدوة والإنسان

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مُرسي قواعد نهضة قطر الحديثة، لست بصدد ذكر إنجازات... اقرأ المزيد

66

| 20 يوليو 2026

مساحة إعلانية