رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

282

سعدية مفرح

لماذا نحتفظ بأشياء لا نحتاجها؟

21 سبتمبر 2026 , 12:00ص

أحيانا نفتح درجًا قديمًا بحثًا عن شيء صغير، فنجد أنفسنا أمام أشياء لم نستخدمها منذ سنوات: تذكرة سفر انتهت رحلتها، بطاقة كتب عليها أحدهم جملة عابرة، صورة بهتت أطرافها، رسالة مطوية بعناية، أو هدية بسيطة لا قيمة كبيرة لها، لكنها تستوقفنا أكثر مما تستحقه ماديا. نمسكها للحظة، ثم نعيدها إلى مكانها، كأننا نخشى أن نقرر مصيرها.

السؤال هنا ليس لماذا نحتفظ بهذه الأشياء، وإنما متى تتحول الأشياء من أشياء إلى ذاكرة؟

ربما تبدأ الحكاية من لحظة صغيرة لم ننتبه إلى أهميتها وهي تحدث. تذكرة أخذناها من شباك محطة كانت مجرد ورقة تسمح لنا بالعبور. بعد سنوات تصبح دليلا على رحلة بعيدة، وعلى شخص كان معنا، وعلى مدينة رأيناها للمرة الأولى، وعلى نسخة قديمة منا كانت تملك أحلاما مختلفة. الورقة نفسها لم تتغير كثيرا، الذي تغير هو ما تراكم حولها من حياة.

لهذا قد يصعب علينا أحيانا أن نرمي الأشياء التي لا نحتاجها. نحن في الحقيقة لا نحتفظ بالورقة، وإنما باللحظة التي التصقت بها. نحتفظ بصورة قديمة لأن فيها وجوها نعرف أنها لن تعود إلى المكان نفسه، ونحتفظ برسالة لأن صاحبها قال فيها شيئا لم نعد نسمعه منه، ونحتفظ بهدية بسيطة لأن اليد التي قدمتها كانت أهم من الهدية نفسها.

الأشياء الصغيرة تقوم أحيانا بدور لا تستطيع الذاكرة وحدها القيام به. إنها مفاتيح لأبواب قديمة في داخلنا. يكفي أن تقع العين على صورة، أو تلمس الأصابع ورقة، حتى يستعيد العقل تفاصيل ظننا أنها اختفت: رائحة مكان، صوت شخص، لون فستان، مقعد في مقهى، طريق طويل، أو مساء عادي لم نعرف وقتها أنه سيصبح عزيزا علينا.

والغريب أن قيمة الشيء قد تزداد كلما ابتعدنا عن اللحظة التي حصلنا فيها عليه. الهدية التي لم نفهم معناها كثيرا حين وصلت إلينا قد تصبح بعد سنوات واحدة من أغلى ما نملك، لأن الشخص الذي أعطاها تغير، أو غاب، أو تغيرت علاقتنا به. عندها يصبح الشيء شاهدا على علاقة كاملة، وربما على مرحلة كاملة من العمر.

ومع ذلك، قد تتحول الذكريات إلى عبء حين تتحول الأشياء إلى وسيلة للعيش في الماضي. هناك فرق بين أن نحتفظ بشيء لأنه يذكرنا بمن كنا، وبين أن نحتفظ به لأننا عاجزون عن مغادرة تلك المرحلة. الأول يمنح الذاكرة مكانا في حياتنا، والثاني قد يمنع الحياة من أن تفتح مكانا جديدا.

لهذا تأتي لحظة، ونحن نرتب خزانتنا أو مكتبتنا أو أدراجنا، نسأل كل شيء نحتفظ به: ماذا تعني لي الآن؟ بعض الأشياء ستبقى، وبعضها سيغادر بسهولة لم نتوقعها. وقد نفاجأ بأننا نتخلى عن أشياء كنا نظن أننا لن نستطيع التخلي عنها، ونحتفظ بأشياء صغيرة لا يفهم الآخرون سبب بقائها.

وهنا تكمن خصوصية الذاكرة. قيمتها لا تحتاج إلى تفسير للآخرين.

قد يرى أحدهم تذكرة قديمة فيقول: إنها مجرد تذكرة. ونراها نحن فنرى طريقا كاملا. قد يرى صورة عادية، ونرى فيها شخصا كان يملأ المكان ثم صار بعيدا. وقد تبدو هدية بسيطة لا تستحق مساحة في صندوق، بينما نعرف نحن أنها تحمل لحظة لا يمكن شراؤها.

الأشياء لا تصبح ذاكرة لأنها ثمينة، وإنما لأن الحياة وضعت فيها شيئا من معناها. نحن الذين نمنحها قيمتها حين نمر بها ونحب ونفقد ونكبر ونتغير.

وربما لهذا لا ينبغي أن نستغرب تلك الأدراج الممتلئة بأشياء لا نحتاجها. بعضها لا يصلح لشيء، سوى أن يذكرنا بأننا كنا هنا ذات يوم، وأن لنا حياة سابقة ما زالت بعض آثارها الصغيرة محفوظة في ورقة، أو صورة، أو هدية، أو تذكرة انتهت صلاحيتها منذ سنوات.

فالأشياء التي نضعها في الأدراج لا تنام دائما. بعضها ينتظر فقط أن نمد أيدينا إليه، كي يعيد إلينا جزءا من حياتنا لم نكن نعرف أننا ما زلنا نشتاق إليه.

اقرأ المزيد

يدي الفارغة! يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي، وأنا أعرف أن يدي هذه المرة فارغة. هناك لحظات يصبح... اقرأ المزيد

693

| 23 أغسطس 2026

ماذا صنعت بنا الكتب؟ ماذا صنعت بنا الكتب؟

يمكن أن نعرف كثيرا من الكتب، ولا نعرف كثيرا عن الحياة. وقد نحفظ أسماء المفكرين والشعراء، ثم نكتشف... اقرأ المزيد

309

| 16 أغسطس 2026

متى صار الفراغ تهمة؟ متى صار الفراغ تهمة؟

أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه... اقرأ المزيد

384

| 09 أغسطس 2026

مساحة إعلانية