رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ ستة وستين عاما وجامعة الدول العربية تقبع في القاهرة مع استثناء تواجدها على أرض تونس في الثمانينيات عندما خرجت مصر عن الإجماع العربي بسبب معاهدة مخيم داود. ومن المفارقات التاريخية أن أمينها العام الأول هو عبد الرحمن عزام باشا المصري الذي ولد سنة 1893 وحارب مع العثمانيين في البلقان ثم تطوع للحرب ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا إلى جانب الملك السنوسي. فالجامعة ولدت على أيدي مجاهد عربي حين كان الملوك العرب يجاهدون وتوالى الأمناء العامون على الجامعة من عبد الخالق حسونة إلى محمود رياض إلى عصمت عبد المجيد مرورا بالقوسين التونسيين عندما تولاها الشاذلي القليبي. إلى أن حل بها مضطرا لا مختارا عمرو موسى بعد أن فكر محمد حسني مبارك التخلص منه بتثليجه في "فريزر" الجامعة.
وأذكر في مطلع الثمانينيات عندما استقرت الجامعة في ضاحية "مونبليزير" بالعاصمة التونسية أن أحد كبار مساعدي الشاذلي القليبي كان يطوف بي في الأدوار الستة للجامعة وهو يحذرني مازحا قائلا: "إذا رأيت أحد موظفي الجامعة يتصفح جريدة فلا تظنن أنه يطالع مقالة أو يستطلع خبرا فهو بكل بساطة يقرأ جدول قيمة صرف الدولار لأن رواتبهم بالدولار". ثم وصل بي الصديق الموظف إلى مكتب مهيب مغلق علقت عليه يافطة كتب عليها " مكتب الدفاع العربي المشترك" فشعرت بالرهبة متذكرا بأن الجامعة وقعت سنة 1945 معاهدة الدفاع العربي المشترك قبل معاهدة حلف شمال الأطلسي وكان يقين الملوك العرب أن هذه المعاهدة ستزيل الصهيونية من خارطة الشرق الأوسط وتحرر فلسطين! وفاتهم بأن جمهوريات انقلابية عربية سترثهم وتؤبد رؤساءها في الحكم بل وستورثها للأنجال.
وأعود بقرائي لزيارة مقر الجامعة وقد طرق صديقي باب مكتب الدفاع العربي المشترك، فلم يجب أحد ففتح صديقي المكتب لنجد الموظف فيما يشبه الغيبوبة اللذيذة بين النوم والكرى وقد استرخى مطمئنا إلى أن لا أحد من الأمناء العامين المساعدين يمكن أن يزوره أو يقطع غفوته، وأذكر أن صديقي الموظف بالجامعة علق على هذه المفاجأة قائلا: "إن حال الدفاع العربي المشترك كحال هذا الموظف المسؤول عنه، كلاهما يغط في نوم عميق".
اليوم بعد ستة وستين عاما من عمر الجامعة جرت في العالم العربي أنهار التاريخ الحديث تحت جسور حكامه وشعوبه وزلزلت الأرض العربية بهزائم 1967 وأنصاف انتصارات 1973 وثورات 2011 لا بد من الاعتبار بهذه التحولات الجذرية التي دكت صروحا قديمة وأعلنت ميلاد الأمة من تحت رماد الخوف ولا بد من إعادة النظر كليا في ذلك الهيكل الجامد وهزه بشدة ليستفيق على الواقع الجديد.
فالجامعة لم تعد جامعة لدول عربية بل هي تريد أن تكون جامعة للشعوب العربية وللمجتمعات المدنية العربية مثلما هي الحال في الاتحاد الأوروبي حيث يجمع الاتحاد مختلف الفعاليات والقوى المدنية النافذة ليتحول الاتحاد إلى آلية عملية حية تتحرك لتنسيق المواقف الأوروبية وتترفع عن المصالح الوطنية الضيقة لتدافع عن مصالح القارة الأوروبية وتفرض حضور أوروبا في العالم.
إن هذا النموذج الأوروبي استطاع عبد الرحمن بن حمد العطية الاستنارة به عندما تحمل مسؤولية مجلس التعاون لدول الخليج العربي وهو السفير السابق في عواصم أوروبية ولدى المنتظم الأممي وحين كان مسؤولا ساميا بالخارجية القطرية. فهو الدبلوماسي العربي المناسب اليوم لأمانة جامعة الدول العربية وقد وفقت دولة قطر حين رشحته لخلافة عمرو موسى ووفقت الدول الخليجية حين عززت هذا الترشيح. وقد تشرفت شخصيا بالتعرف على أبو حمد حين كان في الثمانينيات سفيرا لقطر في باريس ثم حين اشتركنا في الدوحة في تأسيس مركز قطر لاستشراف المستقبل في التسعينيات وعرفت فيه الكفاءة العالية مع رفعة الأخلاق وذكاء التعامل مع الملفات الدقيقة بالحكمة والتشاور والأناة وهي صفات ستؤهله للنجاح في إدارة التحول المطلوب من الجامعة العربية اليوم في ظرف إقليمي شديد الحساسية وفي مناخ دولي صعب المراس مشحون بالتحديات، بل أكبر وأكثر من ذلك فهو المسؤول الذي نرجو أن يعود العرب للتاريخ على يديه وأيدي أمثاله من المخلصين الأمناء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
2916
| 23 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
891
| 18 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن وشهر الصيام، فقد نزل القرآن الكريم في رمضان. قال تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان] [البقرة: 185] ارتباط نزول هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر المبارك يجعل المسلم يشعر بقدسية هذه الأيام، فيبالغ في اهتمامه وتعهد القرآن في رمضان بشكل مميز، ويكون حاله أفضل مما هو عليه في سائر أوقاته. فيُقبل على كتاب ربه يقرأه بشغف ولهفة، يتدبر الآيات ليتعلم الأحكام، ويأخذ العِبر، ويسعد بالمبشرات من ربه، فيسعى لنيل الدرجات، بل ويطمع فيما هو أعظم من ذلك: الفوز بشفاعة القرآن والصيام معًا، وذلك هو الفوز العظيم. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ.» (صححه الألباني). فالقرآن الكريم نزل ليكون زادًا للقلوب ومنهجًا تربويًا متكاملًا يهذب عقولنا ويربي أنفسنا على الطاعة، فتستقيم به أخلاقنا وطباعنا. في القرآن مدرسة للأحكام، والأوامر، والنواهي، والقصص، والعبر، والحِكم الإلهية التي يتربى بها المسلم على الإيمان بالله واليقين في كل ما قدر وقضى علينا من الأمور. يعلمنا القرآن الخشية والانضباط، ومراقبة الله في السر والعلن، وكلما اقترب المسلم من القرآن ازداد وعيًا وحكمة، وتوطدت علاقته بربه وبمن حوله. كما أن القرآن هداية حقيقية للمسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فهو يوجه السلوك، ويقوّم الاعوجاج، ويضع للإنسان ميزانًا أخلاقيًا واضحًا في كل شؤون حياته. ومن جميل ما قيل عن القرآن: هو الزادُ إنْ ضلَّتْ خطانا في المدى وبه القلوبُ عن الضلالِ تُصانُ وأعظم ما نحتاج إليه اليوم هو التمسك بالقرآن، لنلمس أثره في التربية والسلوك داخل بيوتنا وخارجها، حتى نشعر بأن القرآن هو زاد لقلوبنا ونبراس لعقولنا وأساس بناء المسلم الصالح والمجتمع الفاضل.
666
| 20 فبراير 2026