رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

321

د. سلوى حامد الملا

لا تبخلوا بكلمة حلوة..

20 نوفمبر 2025 , 03:40ص

• الإنسان كيفما كان، وأينما كان على هذا الكوكب، يحتاج الزاد والقوة والدافع ليتحرّك وينجز ويُبدع. يحتاج من يسنده في خطواته الأولى على الأرض كي لا يتعثّر ويسقط. وفي كل مراحل عمره يظل بحاجة لمن يقف بجانبه ليهنأ، لينعم بجمال أيامه ومن حوله.

• قد يتخيّل البعض أنه قادر على العيش وحده، لا يحتاج لمَن يرافقه في سفر أو مغامرة أو أزمة، لكن الحقيقة أن هناك يومًا ما سيأتي، يكتشف فيه أن الكتف التي تسنده، والكلمة التي تواسيه، والابتسامة التي تُشعره بالأمان، كلها حاجات أساسية لا ترفًا.

• الإنسان في جوهره روح حيّة نابضة بالأحاسيس والمشاعر، وخلجات كثيرة تسبح في أعماقه. أرواحنا تحتاج دائمًا إلى مَن يطمئنها، ويزرع الثقة فيها، ويُجيب عن أسئلتها الكثيرة الباحثة عن حوار حيّ مع بشر، لا مجرد إجابات جامدة بين دفتي كتاب.

• تحتاج الروح إلى مَن يُسكّن قلقها، ويهدِّئ روعها بعد طول حيرة وبحث. الروح الشفافة تظل في شغف دائم لمشاعر صادقة ونقية تحيط بها، لتنهض وتقف وتستمر. فالنفس البشرية تحتاج إلى إرواء معنوي يعيد الحياة إلى جفاف فرضته ظروف قاسية لا اختيار لنا فيها. تحتاج أن تمضي، أن تسمع كلمة، أن تلمس لمسة حانية، لتتعامل وتعمل وتُكمل الطريق.

• ظروف الحياة تضع في دروبنا أشكالًا شتّى من البشر: في البيت، في العمل، وفي طرقات الحياة اليومية. ومن بينهم من يتّسمون بالبخل والشحّ في أبسط مظاهر العطاء؛ بخل في كلمة، وشحّ في ابتسامة، وقسوة في الامتناع عن ضغطة يد أو نظرة تقدير. يرفضون، بإصرار غريب، منح الكلمة المشجعة والطيبة ولو كانت بسيطة كـ «شكرًا».

• وهذه الكلمة الصغيرة قادرة.. إن قيلت بصدق.. أن تفتح للإنسان آفاقًا، وتمنحه دفعة للمضي والإنجاز، وتُنعش روحه نحو العمل والحياة والابتكار والتفاؤل.

• من الناس من يتعالون ويتكبّرون على البوح بما في أعماقهم من تقدير أو امتنان، وكأن الاعتراف بجمال الآخرين وانتشار مشاعرهم جرم يرتكبونه أو مظهر ضعف ينتقص منهم! ومنهم من يضع مشاعره في صندوق مُحكم الإغلاق بالسلاسل، يركنه في زاوية بعيدة من نفسه؛ يخشى أن يبدّدها هنا وهناك، فيحرم بها حتى من يستحقونها.

• ومنهم من يعطي بسخاء، لكن عطاءه يذهب إلى أرضٍ بور لا حياة فيها؛ يمنحه لمن لا يقدّر، ويحرم منه من حوله ممّن ينتظرون نظرة حانية، أو كلمة حلوة تعيد التوازن والهدوء والاستقرار لأرواحهم.

• تجد من الناس مَن أصبح البخل لديهم لباسًا دائمًا؛ يلبسونه في أخلاقهم وسلوكهم وتعاملاتهم. بخل في عدد الكلمات التي قد تصلنا منهم كذبذبات إلى أسماعنا، شحّ في ساعات الجلوس الممنوحة لنا، بخل في إمعان النظر في أحوالنا واحتياجاتنا.

• ليكونوا بخلاء في أموالهم كما يشاؤون؛ هذا شأنهم. لكن حين يتعلّق الأمر بدورهم كأعضاء في أسرة، أو زملاء في عمل، أو شركاء في حياة، فليس من حقهم حرمان الآخرين من حقّهم الإنساني في الكلمة الطيبة والتشجيع المعنوي والاحترام. هذه ليست «هبة اختيارية»، بل جزء من مسؤوليتهم الإنسانية والاجتماعية، حتى لو لم يتربّوا في بيئة تعلّمهم العطاء المعنوي.

• كثيرون لم يعتادوا أن يُعطَوا كلمة حلوة، فلم يتعلّموا كيف يمنحونها. لم يعيشوا في جوٍّ يرى أن الثناء الصادق، أو قول «أحسنت»، أو «وجودك يفرحنا»، نوع من الكرم لا يقلّ قيمة عن المال، وربما يفوقه أثرًا في النفوس.

• السفينة لا تبحر بأشرعتها إن لم تحرّكها الرياح والأمواج، والأرض لا تهبنا خُضرتها وثمارها وجمالها إن لم نروِها ونعتنِ بها. وكذلك الإنسان؛ لا يزهر ولا يُثمِر طاقاته ما لم يُسقَ بحبّ حقيقي واحترام صادق وشعور بالأمان. يحتاج إلى كلمة طيبة، إلى نظرة تقدير، إلى سؤال بسيط.. يحتاج إلى إجابات لأسئلة ترافق سنوات عمره، وإلى كلمات قليلة في عددها، ثرية في معناها وأثرها.

• الأثر الذي يتركه التعامل بحب وصدق واحترام وإنسانية، وبالكلمة الطيبة الصادقة يترك أثره في الطفل، وفي المراهق، وفي الشاب، وفي الراشد، وفي الشيخ الكبير.. أثر عميق جدًا في النفس، لا يُقاس ولا يُشترى. حتى إن وصل الإنسان لأعلى المراتب، وامتلك ما شاء من الثروات، يبقى محتاجًا لجرعة حب، ولمسة تقدير، وكلمة حلوة تُشعره بأنه «مرئيّ» ومُقدّر وموجود. ومن يقول غير ذلك فقد طرق الغرور قلبه، أو باتت روحه مريضة لا تعترف بحاجتها للآخرين.

• آخر جرة قلم: الإنسان كائن اجتماعي، يحتاج للحب والكلمة الحلوة، وهو في حضن أمّه طفلًا، وهو شاب يخطو خطواته الأولى في الحياة، وهو أب وأم، وهو مسؤول وقائد، وحتى آخر يوم في عمره. فلا تبخلوا… فما أكثر من يحتاج اليوم إلى كلمة واحدة صادقة تعيد إليه الحياة..

مساحة إعلانية