رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باتت نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة مثل Chat GPT أكثر تقدمًا بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بفضل امتلاكها لفوائد محتملة ضخمة مع بعض المخاطر كذلك في جميع الأنشطة والقطاعات، حيث سُجلت بعض من أهم هذه التطورات في قطاع الرعاية الصحية. وقد ترسخت بعض أشكال الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية مثل أدوات المسح التي يمكنها الكشف عن الأعراض المبكرة لمجموعة من الحالات المرضية، بما في ذلك أمراض السرطان والسكري والخرف. ولكن النماذج اللغوية الضخمة تطرح تطبيقات أكثر ارتباطًا وقوة. وفي تجربة عملية، استُخدم نموذج Chat GPT نفسه لتقديم ملخص للتطبيقات الطبية في هذا المقال. وأفضت هذه التجربة إلى اقتراح قائمة تضم خمسة أمثلة مهمة هي: التصوير الطبي والتحليل الدقيق والفعال لعمليات المسح؛ والتشخيص والعلاج، حيث تساعد القدرة على تحليل كميات كبيرة من بيانات المرضى الأطباء على تحديد الأنماط وتقديم خطط علاج متخصصة؛ واكتشاف الأدوية عبر تحديد الإمكانات والتنبؤ بالفعالية المحتملة للأدوية الجديدة، وهو ما يقلل من وقت تطوير الأدوية وتكاليف هذه العملية؛ وتحليل السجلات الطبية، حيث بات بإمكان مقدمي خدمات الرعاية الصحية تحليل الاتجاهات والتطورات الصحية؛ ورصد حالة المرضى، حيث يوفر الرصد الفعلي لحالة المرضى إشارات إنذار مبكرة.
ومن بين التطبيقات الأخرى استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتدريب طلاب الطب، حيث يمكن لجهاز الحاسوب الذي يعمل بتطبيقات الذكاء الاصطناعي تحدي المتدرب عبر طرح الأسئلة وتقديم المشورة والمساعدة في اتخاذ القرار بفضل قدرته على الاعتماد على مجموعة واسعة من البيانات المتعلقة بالمرضى. ومن المحتمل كذلك أن تؤدي الروبوتات دورًا كبيرًا في القطاع الصحي بالمستقبل، حتى أنها باتت تعمل كمساعد في العمليات الجراحية عبر خياطة الجروح.
ويمكن للتنبؤات التي تتم باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تزيد من الدقة في توقع مسار ونتائج حالة المريض، وتقديم المشورة للفريق الطبي بشأن موعد الخروج من المستشفى وخطة العلاج الجارية. وقد اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أكثر من 500 نموذج طبي للذكاء الاصطناعي، من بينهم حوالي 100 نموذج في عام 2022 وحده.
ويمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي تحويل إدارة الصحة العامة إلى الأفضل، حيث يمكن أن تساهم الاتصالات الافتراضية وأدوات التشخيص المؤتمتة في تحسين وصول السكان الذين يعيشون في المناطق الريفية دون مستشفى أو عيادة قريبة إلى التشخيص المتخصص وأشكال الرعاية الأخرى.
وقد بدأ مقدمو خدمات الرعاية الصحية في تحديد كل من مزايا الذكاء الاصطناعي ومخاطره، وتقدير أن المزايا يمكن أن تكون كبيرة. ويمكن أن تتمثل أحد أكبر الفوائد في توفير التكاليف المالية. وعلاوة على ذلك، سيكون هناك تأثير أهم لأن الموظفين الطبيين سيتمكنون من تخصيص المزيد من الوقت لرعاية المرضى عبر تحرير الأطباء والممرضين من تحليل البيانات، ومن بعض المهام الإدارية الأخرى.
وبالتالي، يمكن للمستشفيات خفض التكاليف وتحسين مستوى الرعاية الصحية بالتزامن مع الاستخدام الصحيح لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويُعدُ هذا من الاعتبارات المهمة بشكل خاص نظرًا للتضخم المرتفع المسجل في تكلفة الرعاية الصحية خلال السنوات الأخيرة بسبب مشكلات الإمداد وارتفاع العمر المتوقع للأفراد وزيادة تكاليف العلاج.
ويمكن تقليل التكاليف بشكل كبير في عملية تطوير الأدوية الجديدة واختبارها، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تحديد المرضى المؤهلين للاختبار وتحليل نتائج التجارب بشكل أكثر شمولاً وسرعةً. قبل تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كان تطوير دواء جديد يستغرق ما يصل إلى 15 عامًا وربما يتكلف ملياري دولار. ويمكن لأنظمة الرعاية الصحية توفير التكاليف بشكل أكبر بسبب إمكانية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للكشف عن الاحتيال المالي، بما في ذلك الاحتيال في التأمين، كما أشرت في مقالتي السابقة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي.
وقد اتخذت دولة قطر خطوة جديرة بالثناء في إطار مساعيها الرامية للنهوض بخدمات الرعاية الصحية وتعزيز تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالصحة من خلال إنشاء قطر بيوبنك وبرنامج قطر جينوم. وقد ساهمت هذه المبادرات في توفير كميات كبيرة من البيانات الضخمة، بما في ذلك تسلسل الجينوم الكامل والبيانات الجينية الأخرى، التي تعد ذات قيمة كبيرة لجهود البحوث والابتكار في مجال التطبيقات الصحية للذكاء الاصطناعي.
ويمكن للباحثين والمبتكرين الاستفادة من هذه المجموعات الضخمة من البيانات عبر استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتواصل إلى رؤى جديدة في تشخيص الأمراض وعلاجها ونتائج المرضى. وقد ورد أحد الأمثلة الرئيسية لنتائج الأبحاث متعددة التخصصات المتعلقة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض في ورقة بحثية نشرتها كلية العلوم والهندسة بجامعة حمد بن خليفة. وتستخدم الدراسة خوارزميات التعلم العميق لتحليل صور شبكية العين وبيانات صحة العظام التي جمعها قطر بيوبنك، حيث تم تدريب نظام الذكاء الاصطناعي على تحديد العلامات المرتبطة بحدوث أمراض القلب والأوعية الدموية وأظهر دقةً تشخيصيةً عاليةً.
ويساهم تطوير هذه البنية التحتية في تمهيد الطريق لطرح تطبيقات جديدة ومبتكرة لديها القدرة على إحداث ثورة في مجال الرعاية الصحية وتعزيز النتائج العلاجية للمرضى.
ولا بد دائمًا من إضافة الملاحظات التحذيرية المعتادة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وهي أن: الأنظمة الأكثر تطورًا من الناحية التكنولوجية قد تكون عديمة الفائدة أو حتى خطيرة إذا كانت البيانات غير دقيقة. وهناك أيضًا مخاوف تتعلق بالخصوصية عند استخدام السجلات الطبية للمرضى، ويجب أن يحظى الأمن السيبراني بأولوية في هذه الممارسات. وتُعدُ الشفافية أفضل حماية ضد سوء الاستخدام، لذلك يجب إيلاء الاهتمام الواجب لترتيبات الحوكمة وتطبيق مدونة قواعد السلوك الأخلاقي.
وتتميز آلات الذكاء الاصطناعي بتطورها، ولكنها لا تزال مجرد آلات يستخدمها خبراء المجال بشكل أفضل، بنفس الطريقة التي تكون خلالها الآلات المفيدة أكثر أمانًا وفعالية إذا ما استخدمها مشغل متخصص وعلى درجة عالية من التدريب. ولكن من خلال الحوكمة المسؤولة والإشراف المتخصص، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في ضمان إحداث تحسينات جوهرية للصحة العامة والرفاهية، وتوفير النفقات للقطاع الصحي والمرضى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5220
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4989
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1704
| 13 مايو 2026