رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العالم من أقصاه إلى أقصاه يشعر بالامتعاض والصدمة من العمل الإجرامي الأثيم الذي استهدف المصلين الأبرياء في مسجد الإمام علي كرم الله وجهه في الوادي الكبير بولاية مطرح، يوم الاثنين الماضي، لم يكن ذلك اليوم من الأيام العادية في تاريخ هذا البلد المبارك الذي ينبذ التطرف والإرهاب بكل اشكاله، لِمَ لا وعمان واحة السلام والوئام والتسامح ليس على مستوى الإقليم الذي يشهد توترات وقلاقل بين وقت وآخر، بل على مستوى العالم قاطبة، فقد سجلت سلطنة عمان صفر إرهاب طوال العقود الماضية، بفضل من الله وإخلص أبناء عمان وولائهم لله والوطن والسلطان، فلا يوجد في سجل المنظمات الارهابية عماني واحد على الاطلاق؛ بعكس بعض الدول التي كانت في حرب ضروس لحماية أبنائها من الانخراط في هذه العصابات المجرمة؛ بداية من القاعدة في عقدي السبعينيات والثمانينات من القرن الفائت ثم تنظيم داعش الإرهابي في عقد التسعينيات والالفية الجديدة، إذ إن هذه التنظيمات المظلمة زرعتها مخابرات أجنبية لاستهداف المسلمين وقتلهم بمجرد النطق بشهادة التوحيد؛ وكذلك الاساءة إلى الدين الحنيف مقابل الأموال تارة بالنسبة لقادة التنظيم، والتغرير بالشباب وغسل ادمغتهم باسم الجهاد المزيف في سبيل الشيطان تارة أخرى. صحيح هذه المرة نجح أصحاب الفكر التكفيري الضال بالوصول إلى المتورطين الثلاثة في حادث الوادي الكبير وهم يحملون الجنسية العمانية؛ كأول سابقة يشهدها هذا الوطن المتصالح مع مختلف شرائحة وطبقاته الاجتماعية، وهم إخوة خسرهم المجتمع العماني ووقعوا في براثن أعداء الحياة من المأجورين من خارج السلطنة، ونحن على ثقة تامة بأن تلك الجريمة ستكون المرة الأولى والأخيرة، وذلك ليقظة المواطنين وادراكهم لهذا المصاب الجلل وانعكاساته السلبية على سمعة السلطنة في الداخل والخارج؛ فعمان أرض السلام والمحبة وليس غابة للمتغطرسين والمضلل بهم من التظيمات الإرهابية التي تدار من أعداء الأمة.
السؤال المطروح الآن، لماذا تم اختيار السلطنة لأول مرة لتكون مسرحا وميدانا لهذا العمل الإجرامي المنبوذ من جميع افراد المجتمع العماني؟
الإجابة على هذا السؤال تتمحور في القرارات السيادية لهذا البلد العزيز الذي يقف شامخا مع الحق والدفاع عن المظلومين؛ خاصة المواقف العمانية المشرفة من قضية فلسطين المحتلة والدعوة إلى محاكمة قادة الكيان الصهيوني على الجرائم التي اقترفوها في قطاع غزة كإبادة الأبرياء من النساء والاطفال، وكذلك رفض القيادة العمانية الاصطفاف مع الاخرين لصنع المؤامرات واشعال الفتن بين الأشقاء والجيران، فلا توجد أطماع أو اجندة سرية في القاموس السياسي العماني. ولعل نجاح عمان في إطفاء الحرائق والحروب في الإقليم، وتثمين معظم دول العالم حكمة القيادة العمانية في حل المشاكل، واحد من أهم الأسباب في اعتقادي لمثل هذه الأعمال التي يستنكرها ويدينها كل عماني شريف.
لقد أسس سلاطين عمان الميامين بداية من السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - منذ فجر السبعين المبارك عند وضع الخطوط العريضة للدولة العصرية؛ ثم خليفته جلالة السلطان هيثم يحفظه الله الذي اسس النهضة العمانية المتجددة والذي ابهر القاصي والداني بعزيمته النادرة وشجاعته في بناء الدولة واستمرارية المشروع الوطني ووحدة المجتمع العماني تحت مظلة الوطن الواحد الذي لا يقبل القسمة على اثنين بل وطن واحد للجميع يعيش في رحابه المجتمع العماني الأصيل الذي هو مضرب للمثل للتعايش السلمي والتسامح بين المدارس الإسلامية الثلاثة المعروفة بـ (السنة والاباضية والشيعة). لا شك بأن أهم مكسب للسلطنة طوال العقود الماضية نجاح المشروع الوطني الذي يعتبر صمام الأمان للوحدة الوطنية بين مختلف أطياف هذا المجتمع المسالم والمحافظ على قيمه واخلاقه، فقد درست في جامعة السلطان قابوس عقودا طويلة وعملت ايضا في وظيفة عميد لشؤون الطلاب لعدد أكثر من 15 الف طالب وطالبة في تلك الجامعة العريقة المنوط بها إعداد القيادات المستقبلية لهذا البلد؛ وذلك قبل أكثر من عقد من الزمن ولم أعرف أو يخطر على بالي أو حتى جميع الطلبة في هذه الجامعة السؤال او البحث عن أي من تلك المذاهب أو المدارس الإسلامية التي قد ينتمون إليها هؤلاء الطلبة، بل نعيش جميعا في رحاب الإسلام الذي لا يعرف التفرقة بين أبنائه، فيجمعنا كتاب واحد هو القرآن الكريم وخاتم الأنبياء هو سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام؛ والولاء للقيادة العمانية التي يشهد لها العدو قبل الصديق بالحكمة والتسامح واحترام الإنسان اين ما وجد في هذا العالم مع اختلاف الأجناس والقوميات في هذا العالم، إذ إن عمان حكومة وشعبا يشار لهما بالبنان في احترام الغير مهما اختلفت وجهات النظر والمقاصد بين المجتمعات والشعوب التي تتعامل مع هذا البلد الطيب الذي قال عنه رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم أي عمان «لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك» هذه هي أخلاق كل من عاش على هذه الأرض الطيبة التي لا تقبل باي حال من الأحوال أن تزرع في تربتها النباتات الخبيثة والفتن والتحزب؛ نعم هذه هي عمان الشامخة التي فيها شعب مضروب فيه المثل في كل نواحي الحياة، وعلى الرغم من ذلك لم تغفل القيادة الحكيمة في هذا البلد؛ بناء جيش ومنظومة أمنية قوية متطورة لتكون الملاذ الآمن والعين الساهرة لحماية التراب الوطني المقدس، والمكتسبات الاقتصادية والتنموية التي يفتخر فيها كل عماني، وقد ظهر ذلك جليا خلال الاشتباكات والمواجهات بين المهاجمين المعتدين على بيوت الله؛ والقوات العمانية بمختلف تشكيلاتها وشرطة عمان السلطانية لاحتواء الموقف وتطويق المجرمين ومحاصرتهم والتقليل من الخسائر البشرية في هذا الحادث المؤلم للجميع.
يجب التأكيد هنا بأن لا يوجد بلد في هذا العالم محمي وله حصانة من الأعمال الإرهابية والاجرامية التي تشهدها بعض دول المنطقة بل وحتى كوكبنا الصغير، فالاشرار وأصحاب النفوس الضعيفة يجنحون دائما إلى الشر واستباحة نفوس الآمنين.
وفي الختام، أسجل هنا ومن على هذا المنبر؛ أحر التعازي للعمانيين جميعا، وكذلك لأسرة شهيد الوطن الرقيب يوسف الندابي من شرطة عمان السلطانية الذي ضحى بنفسه في سبيل الله والذود عن حياض الوطن، ونتضرع إلى الله أن يسكنه الفردوس الأعلى مع الأنبياء والشهداء والصديقين، فهذا الاسم (يوسف) سوف يكتب بأحرف من نور ويخلد في ذاكرة التاريخ العماني المعاصر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5235
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
3708
| 28 يونيو 2026
انحسار النفوذ الغربي مكّن طوفان الأقصى من تسريع تشكّل النظام الدولي القادم، فبعد الف سنة من الحروب على المنطقة يتم التوقيع على مذكرة التفاهم، فالحروب لم تتوقف على المنطقة منذ الحملات الصليبية الأولى التي كانت بعد الألفية الأولى أي عام ١٠٩٦م والتي رعتها الكنيسة لانتزاع بيت المقدس والسيطرة على موارد الشرق واستمرت على مدى مائتي سنة، وما نعيشه وما عشناه خلال العقود الماضية إنما هو تجلٍّ من تجليات آخر الحروب الصليبية تحت مسميات مختلفة لكنها في صلبها واحدة، كما أن الصهيونية الإنجيلية أحد تجلياتها، فبعد تحول الغرب لمفهوم العلمانية أصبحت تلك الحملات تنعت بالاستعمار والكولونيالية، حيث جاءت الحملات الاستعمارية من البرتغال عام ١٥٠٠م، وبعدها نابليون عام ١٧٩٨م وهو اول من اقترح زراعة كيان وسط العالم العربي ضمن خطابه لليهود في ١٧٩٩، وتزامنت الحملة الفرنسية مع الحملات الكولونيالية والاستعمار البريطاني ثم تلاهم مشروع بانرمان رئيس وزراء بريطانيا لزرع كيان يفصل المشرق العربي عن المغرب العربي يدين للغرب ولا يسمح باستقرار المنطقة العربية لأنها تملك الموارد والسيطرة على المنافذ البحرية وخطوط التجارة، ورأينا كيف أن مضيق هرمز طوّع القوى الاستعمارية الكولونيالية في المنطقة، فمنذ الحملة الصليبية الأولى وحتى عام ١٩٤٨ لم تستقر المنطقة ولم تنعم بالأمن والسلم، لكن اليوم أمن وسلم المنطقة هو أساس أمن وسلم العالم والاقتصاد العالمي، تغيّرت الأحوال وأصبحت المنطقة مركز اهتمام العالم ومصدر رزقه، فبدل الاهتمام بنيويورك أصبح الاهتمام بالخليج. التوقيع على مذكرة التفاهم واستمرار التفاوض وإصرار الولايات المتحدة على المسار التفاوضي يعني إيقاف الحروب والهيمنة على المنطقة العربية والاسلامية وقبول الولايات المتحدة على الجلوس في مجلس الأمن وقبول قرار مجلس الأمن يعني قبول القانون الدولي وأن الولايات المتحدة كأي دولة أصبحت تحت القانون الدولي الذي تعاملت معه بفوقية في الماضي، حيث نمت المنطقة وتوسعت وأُنشئت اقتصادات وصناعات وصناديق سيادية ومنظومة ادارة حرصت على مصلحة شعوب المنطقة، مما جعل من المنطقة أساسًا للاقتصاد العالمي. كل كيان من كيانات سايكس وبيكو أصبح دولة مؤثرة ولها نموذجها في السياسة والدبلوماسية والوساطات، وأصبحت كل دولة تملك قاعدة صناعية يحتاجها العالم، لم تعد دويلات ضعيفة بل نمت لتكون شريكًا استراتيجيًا وحليفًا قادرًا على حل مشكلات ومعضلات دول المنطقة ودول الغرب. فمن أفغانستان إلى غزة إلى إيران لم يكن بإمكان الغرب التخارج من تلك الأزمات دون قطر، وأوروبا بدون قطر لا تستطيع الحصول على حاجتها من الطاقة والطاقة النظيفة، وبإضافة ما تقوم به المملكة والإمارات يتضح أهمية الدور العربي من مصر إلى قطر. وفي أجواء كتلك يصبح الغرب وإن واجه دولة في المنطقة مثل إيران في حاجة ماسة لدعم دول المنطقة، وعليه فإن الاكتفاء بنسج علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية هي السبيل لتحصيل مصالحه من دول المنطقة أصبح أمرًا واقعًا. هذه الاتفاقية ستلجم الهجمة الاستعمارية بعد أن أنهك الغرب ولم يعد قادرا على تقمص دور المهيمن في الوقت ذاته أصبحت فيه دول وشعوب المنطقة والعالم على وعي وعلم بأهمية المنطقة والحاجة لحمايتها من خلال كيانات إقليمية ودولية، فالعالم يحتاج الخليج في مأكله وصناعاته والطاقة الضرورية لحركة الاقتصاد والحياة وليس في حاجة لنيويورك. تستمر المنطقة في بناء سيادتها ومنعتها وعلى كل منعطف تزداد قوة ومنعة والاحداث الاخيرة حضّرت المصير الواحد للامة وعبثية الفردية وخطورتها على الدول والشعوب، فقدراتها تؤهلها للقيام بدور قيادي ريادي يحتاجه العالم اليوم من الاقتصاد إلى الاستثمار إلى الموارد الأولية إلى السياسة والدبلوماسية، وستصبح دول المنطقة هي الضامن للأمن والسلم العالمي والشريك المحايد لآسيا والغرب وأفريقيا.
2406
| 22 يونيو 2026