رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لماذا هذه الرسالة إلى وزير التربية والتعليم دون بقية من تم تكليفهم بالحقائب الوزارية مؤخراً؟ الجواب باختصار، التعليم هو الأساس لأي بناء. فكلما كان الأساس متيناً متماسكاً مبنياً وفق أصول وقواعد، كان البناء كذلك، مهما كبُر وعظُم. ومن هنا أكتب رسالتي إلى الفاضلة لولوة الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، لتأتي ضمن سلسلة مستمرة متنوعة من الرسائل التي كتبتها من ذي قبل إلى وزراء تعليم سابقين..
كلنا يدري صعوبة متابعة شؤون التعليم والإشراف عليها وعلى ما تركه سابقون في هذا المجال المهم، فما بالك لو طالبنا بإصلاح التعليم بما يتوافق مع تطورات المرحلة التي يمر بها العالم كله؟ لا شك أن عملية الإصلاح أصعب، ولن تكون المهمة الإصلاحية سهلة إلا ما جعله الله سهلا، والذي في الوقت نفسه، إن شاء جعل الحَزْنَ سهلاً أيضاً. والحزن ها هنا هو الأمر الصعب الذي إن استشكل علينا، تذكرنا من فورنا دعوة نبينا الكريم « اللهمَّ لا سَهلَ إلَا ما جَعلته سهلاً، وأنت تَجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلاً «.
فاللهم بادئ ذي بدء، اجعل مهمة الخاطر سهلة ميسرة.
لب الموضوع، وحتى نبتعد عن الإسهاب أو الاستطراد، أطرح بعض مقترحات ضمن أخرى كثيرة لا يتسع المقام لها، لكن كولي أمر من أولياء الأمور أولاً، ومهتم بأمر التعليم في البلاد ثانياً، أجد الوقت مناسباً لطرح تلك البعض على سعادتها، وتأجيل أخرى، وهي تدور حول ضرورة جعل تطوير وتحديث مناهج التعليم على رأس قائمة الأولويات لديها. تطويرٌ شاملٌ يتضمن كذلك أساليب التعليم، والبناء الصحيح لمفهوم التعلم الذاتي لدى الطلاب، مستفيدين من التطور التقني والمعلوماتي الهائل الذي يشهده العالم.
الكتب المدرسية
معنى ذلك أن الكتب المدرسية لا بد أن تصفّى من الحشو أو المعارف التي طرأ عليها الكثير من التغير بحكم الزمن، والتي يتم التعامل حالياً معها كما كان سابقاً، عبر إبلاغ الطلاب بأنها مواد لن تدخل الاختبار ! هكذا بكل سهولة، دون النظر إلى أن هذا الأمر هدرٌ للأموال والأوقات والجهود، وتكريس في الوقت نفسه لمفهوم خطير لابد من تغييره بكل الطرق، هو التعلم لأجل الاختبار، والذي أعتبره من أسباب تذمر الطلاب من التعليم ومؤسساته بشكل عام، وخلو نفوسهم من الشغف بالتعلم، على رغم أننا في عصر المعلومات والبحث عنها بوسائل متقنات متنوعات جاذبات، وهذا ما يدفع إلى أهمية تطوير أساليب وتقنيات التعليم والتعلم.
ثورة المعلومات وتقنيات البحث عنها، جعلت الكثير من المعارف والعلوم في متناول اليد، وبالتالي صار الحصول عليها لا يتطلب سوى لحظات. وهذا يعني أنه لم يعد حفظ أرقام وحقائق ومعلومات تاريخية وجغرافية وغيرها من المعارف ذات أهمية كما كان قبل سنوات، بينما اليوم يستطيع أحدنا الحصول على مبتغاه في لحظات. وهذا هو ما قصدت بأهمية تطوير وسائل وتقنيات التعليم والتعلم، بحيث يتم التركيز على تعليم الطالب كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يستفيد منها، وكيف يتعامل معها وكيف يعالجها، بدلاً من حفظها عن ظهر قلب لأجل استظهارها وقت الاختبار !
تغيير دور المعلم
مهارة الحفظ مطلوب استثمارها لحفظ القرآن والأحاديث وما يتطلب حفظه من علوم الدين وبعض أساسيات اللغة العربية والحساب. لكن اليوم وبحكم التطورات التقنية والمعلوماتية، أرى أن نعلم الطالب كيف يحصل على مبتغاه من المعلومات عبر تقنيات البحث المتنوعة، وتدريبه على المهارات اللازمة للتمكن من بحث فاعل ومثمر، ثم نزوده بتقنيات معالجة المعلومات وكيفية تقديمها أو عرضها.
هذا يعني تحويل كثير من المواد الإنسانية وبعض العلمية كذلك إلى مواد تعلم ذاتي، أي بدون معلم يقف أمام الطلاب يشرح لهم أهداف الثورة الفرنسية وحملة نابليون مثلاً، أو يعدد أشكال تضاريس الأرض وأنواع البراكين والأنهار، أو طبقات الغلاف الجوي، وما إلى ذلك من معلومات ومعارف يستطيع طالب المرحلة الإعدادية اليوم أن يبحث عنها بأريحية تامة. يقرأها ويشاهدها بمتعة وشغف، ربما أفضل من الطريقة التي يقدمها أستاذه، دون أن يرضخ في الوقت نفسه لضغوط حفظ المعلومات لأجل الاختبارات.. وبالتالي يكون دور المعلم وفق هذه الرؤية، هو التوجيه بشكل أساسي، وتسهيل أو توفير ما يحتاجه الطالب من أدوات وتقنيات لتنفيذ المهام المطلوب منه في عملية التعلم، ثم يكمل المعلم دوره بعد ذلك في تقييم عمل الطالب وفق آليات محددة.
هذا يدفعنا للتساؤل عن طريقة اختبارات غالبية المواد بما فيها العلمية، ولم لا تكون بطريقة الكتاب المفتوح مثلاً، والتي يمكن اليوم أن نسميها باختبارات الفضاء المفتوح، بحيث تكون كل الوسائل متاحة وقت الاختبار للطالب، سواء كتب مدرسية أو أجهزة كمبيوتر مربوطة بالإنترنت، أو أي وسيلة أخرى تساعد الطالب على الوصول إلى المعلومة المطلوبة.
تعديل آليات الاختبارات
معنى ذلك أن فلسفة وآلية عمليات التقييم أو الاختبارات لابد أن تتغير، بحيث يكون التركيز في التقييم أو الاختبار على مهارات البحث عند الطالب، وكيفية الوصول للمعلومة الصحيحة المطلوبة بشكل دقيق، وتقييمه على مهارات معالجة المعلومات، وطريقة أو وسيلة تقديمها على شكل مقال أو بحث أو عرض تقديمي، بعد أن يكون قد تم تمكينه من أساسيات كتابة المقالات والبحوث والعروض التقديمية، ولو بصورة مبسطة تتطور مع التقدم في مراحل التعليم.
أحسبُ أن هذه الفلسفة في التعليم والتعلم والتقييم، ستوفر الكثير من الهدر الحاصل في الأوقات والجهود والأموال، بل وتزرع في النفوس حب التعلم لأجل التعلم، لا لأجل الاختبار، بل وربما ساعدت كذلك على اختفاء ظاهرة التسرب لدى كثير من الطلاب، خاصة إن علم الطالب أنه سيتقدم من مستوى إلى أعلى دون ضغوط الإخفاق في مادة أو أكثر والمؤدي إلى إعادة السنة الدراسية، ليس لفقر الإمكانات العقلية والمهارية عنده، بقدر ما هو كائن غالباً في آليات التعليم والتقييم المتبعة حالياً، المعتمدة بشكل كبير على مهارة الحفظ والاستظهار وقت الاختبار عند الطالب، الذي يدخل عالم التعليم والتعلم وهو يملك مهارات وقدرات كامنة، وإمكانات ربما هائلة، فيصطدم بآليات تعليم وتقييم لا تراعي كثيراً مهارات وقدرات عديدة لديه فيكون الإخفاق، ومن ثم التسرب بعد حين من الدهر لا يطول، بالإضافة إلى عوامل أخرى تشمل طرائق التعامل معه من قبل الهيئات الإدارية والتعليمية بالمدارس !!
خلاصة الحديث
نرغب ونطالب أن تكون المدرسة واحة جذب للطالب، لا عامل طرد. نريد أن يجد الطالب نفسه خلال ساعات التعليم والتعلم في بيئة مريحة تساعده على نمو مشاعر الشغف بالتعلم، لا أن يحسب دقائق وساعات اليوم للخروج من بيئة مغلقة لا تختلف عن المعتقلات، بدليل تصاميم المباني المدرسية غير المريحة، ذات الأسوار الكاتمة العالية، بالإضافة إلى ساعات التعليم الطويلة التي نرى أهمية إعادة النظر فيها، لتتناسب مع ظروف الطقس وتقاليدنا الدينية والاجتماعية، ولاعتبار آخر مهم هو أن العالم اليوم يبحث عن تعليم نوعي ذي جودة، لا تعليم كمي يغرق فيه المعلمون قبل الطلاب! وبسبب التعليم الكمي المتبع حالياً، طالت ساعات الدوام المدرسي، وطارت بسببه مشاعر الشغف وحب التعلم، في ظل أجواء جاذبة مريحة باعثة على التعلم خارج أسوار المدارس..
والحديث في التعليم، ذو شؤون وشجون لا تكفي مساحات الصحيفة هذه للحديث عنها، فما بالك بهذه المساحة المحدودة، لكن ربما في قابل الأيام، نكمل ما بقي من هذه الرسالة بإذن الله، سائلاً المولى عز وجل للفاضلة لولوة الخاطر، كل توفيق وسداد. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11607
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8286
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026